رفضت ابنها حكايات صافي هاني

ما كانش عندي إجابة. بصيت لزياد، ولأول مرة في حياتي ما كانش عندي إجابة. أختي كانت واقفة قدامي ودموعها نازلة، ومستنية مني كلمة واحدة. لكن أنا ما كنتش أقدر أقرر مكان زياد. قلت لها بهدوء: — السؤال ده مش ليا… ده ليه هو. بصت لزياد. قربت منه خطوة. — زياد… أنا ماما. زياد بص لها، وبعدها بص لي. قالت وهي بتعيط: — فاكرني؟ هز راسه بالنفي. الكلمة دي كسرتها. قعدت على الأرض قدامه، ومدت إيديها:

— طب تعالى… خليني أحضنك مرة واحدة بس. زياد اتردد. أنا ما حركتش إيدي ولا شدّيته. سيبته يختار. فضل واقف ثواني، وبعدين قرب خطوة صغيرة. أختي ابتسمت وسط دموعها، وفتحت دراعها. لكن قبل ما يوصل لها، وقف. بص في عينيها وقال: — هو إنتي اللي سيبتيني؟ أختي انهارت. — كنت صغيرة ومش فاهمة… قاطعها: — ليه؟ ما عرفتش ترد. — أنا كنت وحش؟ — لأ يا حبيبي! — طب ليه سيبتيني؟ حطت إيديها على وشها.

— أنا غلطت… غلطت غلطة عمري. زياد سكت. وبعدين مد إيده ولمس دموعها. وقالت وهي بتبكي: — سامحني. بص لها فترة طويلة. وبعدين قال: — أنا مش زعلان منك. رفعت عينيها بسرعة. — بجد؟ ابتسم ابتسامة بريئة: — عشان ماما قالتلي إن ربنا بيحبنا حتى لما الناس تسيبنا. الكلمة خنقتها. بصتلي. أنا كنت واقفة بعيد ودموعي نازلة. قالت: — إنتي علمتيه يسامحني؟ هزيت راسي. — هو اللي علّمني. في اللحظة دي، زياد قرب منها وحط إيده على كتفها.

أختي افتكرت إنه أخيرًا هيحضنها. لكن زياد قال: — متعيطيش. وبعدين رجع وقف جنبي. أختي فهمت. هو سامحها… لكن قلبه ما عرفش يناديها “ماما”. رجعت البيت في اليوم ده مكسورة. وبعدها بدأت تحاول تقرب منه. كانت تيجي لنا كل أسبوع بهدية. مرة لعبة. مرة هدوم. مرة حاجات غالية. لكن زياد كان ياخدها بأدب ويقول: — شكرًا. وبعدين يرجع يجري عليا يحكيلي يومه. في مرة، أختي انفجرت في العياط وقالتلي: — هو ليه مش بيحبني؟ قلت لها:

— لأنه ما عاشش معاكي. قالت: — بس أنا أمه! رديت عليها: — الأم مش كلمة يا أختي… الأم سنين. سكتت. الكلمة وجعتها، لكنها كانت الحقيقة. وفي الوقت اللي كانت بتحاول تصلح علاقتها بزياد، حصلت مشكلة كبيرة مع ياسين. كان محتاج مبلغ ضخم عشان يسدد ديون دخل نفسه فيها. طلب منها تساعده. لكنها قالت له: — مش هقدر. صرخ فيها: — طول عمرك بتقولي إني ابنك المفضل! دلوقتي لما احتجتك هتسيبيني؟ قالت: — أنا ساعدتك كتير يا ياسين.

رد بعصبية: — أمال فلوسك راحت فين؟ بتصرفيها على ابن أختك؟ سكتت. الكلمة كانت جارحة. قالت: — زياد مش ابن أختي. ضحك بسخرية: — أمال إيه؟ بصت له وقالت: — ابني. رد عليها ببرود: — ابنك اللي رميتيه؟ الجملة وقعت عليها. لأول مرة ابنها اللي دللته سنين يواجهها بالحقيقة اللي كانت بتحاول تهرب منها. قالت وهي بتبكي: — أيوه… رميته. وبعدين بصت له وقالت: بس هو لما عرف إني أمه… ما أذانيش. سكت ياسين. كملت:

— إنت ابني اللي ربيتك وخليتك أول واحد في كل حاجة… ولما احتجتني كسرتني. مسحت دموعها وقالت: — وهو… اللي أنا رميته، كان أول واحد يسألني ليه بعيط. وسابت المكان. وفي نفس الليلة، راحت عندنا. لقيت زياد قاعد في الصالة، وأنا بذاكر له. أول ما شافها، ابتسم. — إنتي جيتي؟ أختي دموعها نزلت. — أيوه. زياد قام وجاب كرسي وحطه جنبنا. — اقعدي. قعدت. وبصت له وهي مش مصدقة إن الطفل اللي رفضته زمان هو الوحيد اللي فتح لها مكان في حياته من غير ما يطلب منها حاجة.

بعد شوية، زياد قام. دخل أوضته. ورجع ماسك ورقة. مدها لأخته. قالت: — إيه دي؟ قال: — دي صورتي وأنا صغير. فتحت الورقة. كانت صورة قديمة له وهو رضيع. أختي فضلت تبص للصورة وهي بترتعش. وبعدين قالت: — دي أول مرة أشوفك فيها… زياد رد: — ماما كانت بتحتفظ بكل صوري. سكتت. وقلبت الصورة. وكان مكتوب على ظهرها بخط إيدي: “اليوم اللي ربنا رزقني فيه بابني.” أختي انفجرت في العياط. حضنت الصورة لصدرها. لكن زياد كان واقف قدامها، ساكت.

وبعد لحظات، مد إيده لها وقال: — متعيطيش. مسكت إيده. وبصت له. — ممكن أطلب منك طلب؟ قال: — إيه؟ قالت وهي بتبكي: — ينفع في يوم من الأيام… تناديني ماما؟ زياد سكت. وبص ناحيتي. وبعدين بص لها. وقال بهدوء: — ممكن. أختي شهقت من الفرحة. لكن زياد كمل: — بس لما أكون جاهز. الكلمة دي خلتها تبكي أكتر. لأنها فهمت أخيرًا… إنه مش بيرفضها. هو بس بيحاول يتعلم يحب واحدة اختفت من حياته قبل ما يعرف حتى ينطق اسمها.

وفي اللحظة دي، قرب زياد مني، ومسك إيدي. وقال لها: — بس إنتي ممكن تفضلي تيجي. ابتسمت وسط دموعها. — ليه؟ رد بكل براءة: — عشان إنتي أمي برضه… بس ماما التانية. أنا ما قدرتش أتمالك نفسي. حضنته. وأختي فضلت تبكي قدامنا. لأنها أخيرًا فهمت إن ربنا ما حرمهاش من ابنها… هي اللي حرمت نفسها منه. لكن القدر كان لسه مخبي لها درس أكبر… درس هيعرفها إن الندم لوحده مش كفاية، وإن في أخطاء ممكن الإنسان يعتذر عنها طول عمره…

لكن ما يقدرش يرجّع الزمن عشان يمحيها.عدّت شهور، وأختي بقت تزورنا باستمرار. في الأول كانت تقعد بعيد عن زياد، وكأنها خايفة يقفل الباب في وشها. وبعدين بدأت تقرب منه واحدة واحدة. تسأله عن يومه. تساعده في مذاكرته. تجيب له أكله المفضل. وتقف تتفرج عليه وهو بيتدرب في النادي. لكن رغم كل ده، كان في حاجز بينهم. زياد كان محترم معاها جدًا… بس كان دايمًا يرجع لي أنا. لو فرح، يجري عليا. لو تعب، يدور عليا.

لو خاف، يمسك إيدي. ولو حد سأله: — مين أغلى حد عندك؟ كان يرد من غير تفكير: — ماما. وأختي كانت تسمع الكلمة وتسكت. ما كانتش بتغار مني. بالعكس… كانت كل مرة تسمعها تحط إيدها على قلبها. لأنها عارفة إن الكلمة دي كان المفروض تكون ليها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2