أنا كنت خاېف منك.
الكلمة كسرتها.
لأنها أول مرة تسمع الحقيقة من ابنها.
مش من ياسين.
مش من الكبار.
من ابنها.
الفصل الرابع مش كل بيت شكله من بره هو الحقيقة
بعد ما ظهرت الحقيقة، العيلة كلها اتغيرت.
بس أنا كنت حاسة إن المشكلة مش في السړقة لوحدها.
المشكلة إن داليا قضت سنين تحاول تثبت إن ولادي أقل من ولادها.
ولما حصلت الأزمة، أول حد فكرت فيه تتهمه كان ابني.
ليه؟
لأنه كان الحلقة الأسهل.
ولد صغير.
هادئ.
وموجود فعلًا في المكان.
كانت فاكرة إن محدش هيصدقه.
لكنها نسيت إن التربية اللي كانت بتعايرني بيها، هي نفسها اللي أنا كنت بزرعها في ولادي.
ياسين وقف قدام العيلة وقال
أنا مكنتش عايز أقول على طنط داليا، بس بابا قالي إن اللي شفته لازم أقوله.
أحمد حضنه.
وقال
وأنا فخور بيك.
ياسين عيط.
وقال
أنا كنت خاېف تصدقوا إني سړقت.
أنا قربت منه.
إنت ابني، وأنا عارفة تربيتك.
داليا كانت قاعدة ساكتة.
وبعدها قامت وقالت
أنا غلطت.
الكل بص لها.
قالت
أنا كنت بحاول أبان قدام الناس إني أحسن من نهى.
بصتلي.
وكنت كل ما أشوف ولادها ناجحين، أضايق.
أنا مكنتش متوقعة إنها تعترف.
لكنها كملت
ولما حصلت المشكلة، أول حاجة فكرت فيها إني أحمي نفسي.
حماتي قالت
والفلوس؟
داليا قالت
أختي كانت مديونة، وأنا كنت بحاول أساعدها.
سامح رد
تساعديها من فلوس أمك؟
قالت
كنت ناوية أرجعهم.
أحمد قال
وده يبرر؟
هزت راسها.
لأ.
وسكتت.
بعدها عرفت إن أختها سحر فعلًا كانت في أزمة مالية كبيرة، وإن داليا كانت بتحاول تسدد عنها ديون، لكنها اختارت أسوأ طريقة ممكنة.
الغريب إن جزء من الفلوس كان لسه موجود.
والجزء اللي اتصرف، داليا تعهدت ترجعه على أقساط.
لكن حماتي قررت إنها مش هتبلغ الشرطة بعد ما رجعت معظم فلوسها ودهبها، بشرط إن داليا ترجع كل جنيه، وتكتب إقرار بحقها.
أما أنا، فكان عندي قرار تاني.
مش هسمح إن اللي حصل يعدي من غير ما ولادي يفهموا درس.
جمعتهم كلهم.
قلت لهم
الفلوس مش أهم حاجة.
ليان سألت
أمال إيه أهم حاجة؟
قلت
إن الإنسان يفضل محترم نفسه حتى لو الدنيا كلها ضغطت عليه.
آدم قال
يعني لو حد اتهمنا بحاجة معملناهاش؟
قلت
نقول الحقيقة، ونسيب الحق يرجع لنا.
ياسين سأل
حتى لو الشخص اللي قدامنا كبير؟
بصيت له.
خصوصًا لو كبير.
بعدها بأسبوع، داليا جت عندي.
كانت لوحدها.
دخلت وقعدت.
قالت
ممكن نتكلم؟
قلت
اتفضلي.
قالت
أنا عارفة إني غلطت في حقك.
سكت.
قالت
بس أكتر حاجة وجعتني إن ابني شافني وأنا بعمل حاجة غلط.
أنا قلت
يمكن ده يكون أحسن درس ليه وليكي.
بصتلي.
إنتِ مش هتشمتي فيا؟
هزيت راسي.
لأ.
قالت
ليه؟
قلت
عشان أنا لو شمت فيكي، هبقى عملت نفس الحاجة اللي كنتِ بتعمليها فيا.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا كنت بغير منك.
استغربت.
مني؟
قالت
أيوه.
على إيه؟
قالت
على علاقتك بولادك.
الكلمة دي خلتني أسكت.
قالت
ولادي كانوا بيخافوا مني وأنا كنت فاكرة إن الخۏف ده تربية.
نزلت دموعها.
ولما شفت ياسين واقف قدام الكل وبيتكلم بثقة، فهمت إنك عملتي حاجة أنا معرفتش أعملها.
قلت
إنتِ لسه تقدري تصلحي.
هزت راسها.
ممكن تسامحيني؟
قلت
أنا مسامحاكي.
ابتسمت.
لكن كملت
بس المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.
فهمت.
ومن اليوم ده علاقتنا بقت مختلفة.
مش أصحاب.
ومش زي زمان.
لكن على الأقل مفيش حرب.
ولا مقارنات.
ولا معايرة.
أما كريم، فاعتذر لياسين.
ومروان بقى ييجي عندنا ويلعب مع ولادي من غير خوف.
وأكتر حاجة فرحتني إن ياسين نفسه مابقاش شايل من قلبه.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه مستنيانا.
الفصل الخامس الحقيقة اللي غيرت كل حاجة
بعد حوالي شهرين، كنا كلنا مجتمعين في بيت حماتي.
المرة دي الجو كان هادي.
مفيش مشاكل.
ولا مقارنات.
ولا حد بيتكلم عن مين أحسن من مين.
حماتي كانت قاعدة، وداليا جنبها.
وفجأة ياسين قال
تيتا، أنا عايز أقولك حاجة.
حماتي ابتسمت.
قول يا حبيبي.
قال
أنا فاكر يوم المشكلة.
الكل سكت.
كمل
وأنا وقتها كنت خاېف.
أحمد قرب منه.
خاېف من إيه؟
قال
كنت خاېف إنكم تصدقوا إني حرامي.
حماتي مدت إيدها ومسكت إيده.
أنا عمري ما صدقت.
قال
بس أنا اتعلمت حاجة.
سألته
إيه؟
قال
إن الواحد ممكن يتظلم بسبب حاجة صغيرة.
سكت لحظة.
وبعدين بص لداليا.
وممكن كلمة واحدة تنقذه.
داليا نزلت عينها.
ياسين قال
عشان كده أنا مش زعلان من طنط داليا.
هي رفعت عينها.
قال
بس عايزها متعملش كده مع حد تاني.
داليا دمعت.
وقالت
وعد.
حماتي قالت
وأنا عايزة أقول حاجة.
بصينا لها.
قالت
أنا غلطت أنا كمان.
أحمد استغرب.
إنتِ؟
قالت
أيوه.
بصت لي.
أنا كنت أوقات بسمع كلام داليا عن ولاد نهى وأسكت.
وبعدين قالت
كان المفروض من الأول أقول إن كل طفل له شخصيته.
أنا ابتسمت.
لأن أخيرًا الكلام اللي كنت مستنياه من سنين اتقال.
مش عشان أثبت إن ولادي أحسن.
لكن عشان محدش يبقى مضطر يثبت إنه أحسن من غيره.
بعدها بشهور، ياسين دخل مسابقة علمية في المدرسة.
وفاز بالمركز الأول.
أحمد قرر يعمل له حفلة صغيرة.
ولما جينا ندعي العيلة، داليا كانت أول واحدة اتصلت وقالت
نهى، أجيب إيه لياسين؟
ضحكت.
ولا حاجة.
قالت
لا، لازم.
قلت
هاتيله كتاب.
قالت
بس ده هيحب الكمبيوتر أكتر.
ضحكت.
خلاص هاتي اللي تحبيه.
وفعلًا جت ومعاها هدية.
ولما سلمتها لياسين، قالت
أنا فخورة بيك.
ياسين ابتسم.
وقال
شكرًا يا طنط.
محدش قارن.
محدش قال كريم أحسن.
ولا مروان أشطر.
ولا حد حاول يقلل من فرحة حد.
وفي وسط الحفلة، داليا قربت مني.
قالت
فاكرة أول مرة اتخانقنا؟
ضحكت.
فاكرة.
قالت
أنا كنت فاكرة إن لو ولادي أحسن من ولادك، هبقى أنا أحسن منك.
بصيت لها.
وعرفتي إن ده مش صح؟
قالت
أيوه.
وبعدين قالت
كل أم بتحب ولادها، بس مش لازم عشان أحبهم أقلل من غيرهم.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
لأنها كانت فعلًا خلاصة كل اللي حصل.
أنا طول السنين دي كنت ممكن أرد عليها بنفس أسلوبها.
كنت ممكن كل مرة ولادي ينجحوا أقول
شوفتِ؟ ولادي أحسن.
لكن لو عملت كده، كنت هبقى دخلت نفس الدائرة.
الفرق إن أولادي علموني حاجة أنا نفسي مكنتش واخدة بالي منها.
إن القوة مش إنك تكسب كل خناقة.
القوة إنك متخليش حد يغير أخلاقك.
وفي آخر الليل، لما رجعنا البيت، ياسين دخل أوضتي.
قال
ماما.
قلت
نعم؟
قال
إنتِ زعلانة من طنط داليا؟
فكرت شوية.
وقلت
زمان كنت بزعل.
قال
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي لأ.
قال
ليه؟
قلت
عشان اللي حصل خلاني أعرف إن الناس ساعات بټجرح غيرها وهي نفسها موجوعة.
سكت.
وبعدين قال
يعني نسامحها؟
قلت
نسامح، بس نتعلم.
قال
وأنا اتعلمت.
ضحكت.
اتعلمت إيه؟
قال
لو شفت حد بيعمل حاجة غلط، أقول الحقيقة.
قلت
حتى لو مين؟
قال
حتى لو أقرب حد ليا.
حضنته.
وقلت
ساعتها أعرف إني ربيتك صح.
وفي اللحظة دي، افتكرت أول يوم اتهموه فيه.
افتكرت وشه وهو واقف ساكت.
افتكرت الخۏف اللي كان في عينه.
وافتكرت كلمة داليا
عيالك تعبوني معاكي الواحد مش عارف إنتِ مربية ولادك إزاي.
وقتها كنت متضايقة من كلامها.
لكن الأيام أثبتتلي إن التربية مش إن ابنك يبقى هادي طول الوقت.
ولا إنك تخليه ېخاف منك.
ولا إنك تخليه يطلع قدام الناس بصورة مثالية.
التربية الحقيقية إن ابنك لما يتحط في موقف صعب
يختار الحقيقة.
حتى لو الحقيقة هتضايق حد بيحبه.
وإنه لما يتظلم
مايتحولش لظالم.
وإنه لما ينجح
مايحتقرش اللي فشل.
ومن يومها، كل ما أشوف أولادي بيتخانقوا أو يغلطوا، بدل ما أقول
ولاد داليا أحسن منكم.
أو حتى أفتكر كلامها
بقول لنفسي
أنا مش محتاجة ولادي يبقوا أحسن من حد كفاية يبقوا أحسن نسخة من نفسهم.
أما داليا؟
فبقت كل ما حد يمدح ولادها، تبتسم وتقول
ربنا يحفظهم ويحفظ ولاد نهى كل طفل له رزقه وطريقه.
وأنا كنت بسمعها وأبتسم.
لأن الست اللي كانت بتقارن ولادها بولادي كل يوم
هي نفسها اللي اتعلمت في أصعب موقف إن المقارنة ممكن تعمي الإنسان عن الحقيقة.
والحقيقة إن كل أم بتفتخر بولادها.
لكن الأم الحقيقية مش محتاجة تكسر ولاد غيرها عشان تثبت إن ولادها حلوين.
واللي حصل في بيت حماتي خلاني أفهم إن أوقات كتير، الشخص اللي بنحاول ندافع عن نفسنا قدامه مش هو اللي محتاج يتغير
إحنا اللي محتاجين نفضل ثابتين على تربيتنا ومبادئنا.
ومن يومها، مبقتش بخاف من كلام داليا.
ولا من مقارنتها.
ولا من نظراتها.
لأني بقيت عارفة إن أولادي، لما الدنيا حطتهم في أصعب اختبار
اختاروا الصح.
وده بالنسبة لي كان أغلى من أي هدية غالية، وأكبر من أي شهادة نجاح.
لأن الشهادة ممكن تثبت إن ابني شاطر
لكن الموقف هو اللي أثبتلي إنه متربي.