ما كنتش لوحدي في البيت تلك الليلة.. كان معايا شخص.. شخص أثق فيه بكل شيء.. هو اللي قال لي إنه شافها ركبت العربية.. هو اللي أكد لي إنها سافرت بإرادتها.. وهو اللي نصحني أوزع الكلام إنها هربت.. عشان ما أتعرض للمساءلة.. وعشان يبقى مبرر لما أتصرف في أموالها وأملاكها لحد ما تظهر..
سكت سامر، ونظراته اتجهت ببطء ناحية رجل واقف في الصف الخلفي، كان صامتاً منذ بداية الحكاية، وجهه شاحب، ويداه ترتجفان في جيبه.
اتجهت أنظار الجميع ناحية ذلك الرجل.. كان كريم.. ابن عم سامر.. وصديقه المقرب.. الشاهد الوحيد اللي كان معاه في تلك الليلة..
والشخص اللي كل الناس تعرفه كأمين، لا يكذب ولا يخون.
سامر أشار عليه بيده وقال بصوت تقطع اسألوه هو.. هو اللي كان آخر واحد شاف سناء حية.. وهو اللي قال لي إنه شافها وهي راكبة.. وأنا الآن.. وأنا الآن متأكد إنه كان يكذب عليّ.. لإنني اكتشفت شيء.. شيء مخيف..
كريم تغير لونه واتقدم خطوة وقال بحدة إيه اللي بتقوله يا سامر؟ اتجننت؟! أنا شفتها بنفسي وهي ماشية.. قلتلك من أول يوم!
كذبتني.. قال سامر ببطء وقوة كذبتني من أول يوم.. لأنني وجدت.. وجدت رسالة كانت مخبأة.. رسالة كتبتها سناء في نفس اليوم.. قبل ما تختفي..
وهي تقول فيها إنك أنت اللي كنت تطاردها.. وإنك كنت تهددها.. وإنك طلبت منها أموال كثيرة وقالتلك لا.. وإنك قلت لها ندمانة أنتِ.. وكل ده وأنا ما أعرف..
ليانه اتقدمت خطوة وقالت ولهذا كنت متأكدة إن الحقيقة مش فيك وحدك يا سامر.. لإن الأدلة اللي وصلت لي أشارت لشخص تاني.. شخص كان مستفيد من اختفائها بشكل كبير.. وكل الطرق كانت بتوصل ل.. كريم.
اتجهت ليانه نحو الشاشة مرة تانية وفتحت ورقة تانية من الملف هنا إثباتات
مالية.. تحويلات بنكية.. وأموال وصلت لحساب كريم في نفس أسبوع اختفاء سناء.. وهنا شهادة من خادمة كانت في البيت القديم..
تقول إنها شافت كريم وهو يخرج من بيت سامر في ليلة اختفاء سناء.. وشكله مرتبك.. وملابسه عليها بقع تراب.. وهو ما كانش يخرج إلا لابس نظيف جداً.. وهنا.. وهنا شهادة أخرى من سائق سيارة أجرة.. يقول إنه نقل كريم من منطقة بعيدة عن بيت سامر.. وفي الوقت اللي سناء اختفت فيه.. وحيدة.. في منطقة مقطوعة ما حدش يروحها إلا نادراً.
كريم بدا يتراجع لورا وعيناه بتدور على الباب، والناس بدأت تحيط به وتمنعه من الهرب. صرخ كريم ده كلام مرتزق! ما لوش دليل! هي تريد تفضحنا عشان تهرب من فرحها! البنت كذابة!
أنا مش كذابة..
قالت ليانه بكل هدوء لأنك أنت اللي نسيت حاجة مهمة.. في الليلة دي.. كانت مع سناء سلسال فضي عليه خاتم منقوش عليه اسمها.. ما كانش يفارقها أبداً.. وأنت لما أخذتها.. سقط منك في المكان.. ووجدته.. ووجدته مع شخص عرفته فيما بعد.. باعه له.. وقلتله إنه من ميراث والدتك.. والشخص ده معايا شهادة منه إنه اشتراه منك.. والخاتم نفسه معايا.. وهنا.. هنا بصمة إصبعك الموجودة عليه.. وما تقدرش تنكرها.
ليانه أخرجت الخاتم من جيب فستانها ورفعته عالياً ليشوفه الجميع. في تلك اللحظة، انهار كريم تماماً.. وقع على ركبتيه وبدأ يبكي ويض.رب كفيه ببعضهما وهو يقول بصوت مكسور كنت محتاج فلوس..
كنت مديون.. قلتلهاش اديني المبلغ وأنا أرجعها.. رفضت.. قالت لي الفلوس دي مش ملكي وحدي.. قلت لها تتنازلي عن جزء منها.. رفضت وهددت تقول لسامر.. وفقدت أعصابي.. دفعتها.. دفعتها بقوة.. وقعت على راسها.. وما قامتش تاني..
القاعة كلها صمتت.. صمت رهيب.. لم يسمع فيه غير
صوت تنهدات مرعبة ودموع تنهمر بلا صوت.
كمل كريم وهو يبكي بمرارة كانت ما تتنفسش.. خفت.. خفت مو.ت.. شيلتها ونزلت بها.. وطلعت بها لمنطقة بعيدة.. ودفنتها.. هناك.. في مكان ما حدش يعرفه.. ورجعت وقلت لسامر إنها سافرت.. وقلت له الكلام اللي قلتله.. وقلت له يوزع إنها هربت..
وهددته إن لو كشف الحقيقة حيتفضح هو كمان لإن الناس حتقول هو اللي ق.تلها.. فسكت.. وسكت.. وسرت السنين.. وكنت كل يوم أتمنى أمو.ت وأنا شايف شبحها قدامي.. كل يوم..
سامر كان واقفاً بلا حراك.. وجهه تحول للون أسود.. وبعد صمت طويل.. انهار هو الآخر.. وخرّ على ركبتيه وبكى بصوت عالي زي الطفل.. صرخ وقال أنا ق.تلتها مرتين.. مرة لما صدقت إنها خانتني.. ومرة لما سكتت وعشت بريئتها بلساني.. وظلمتها وهي في قبرها.. سامحيني يا سناء.. سامحيني.. ما كنت أعرف.. ما كنت أعرف إن اللي كنت أثق فيه كان هو السبب.. سامحيني..
المشهد كان يفطر القلوب.. الناس كانت تبكي بصمت..
كريم كان معترفاً بكل شيء.. وكل كلمة يقولها كانت تثقل القلوب وتدمع العيون.. ليانه كانت واقفة مكانها بدموعها تنساب بصمت.. ما كانتش فرحانة بانتصارها.. كانت حزينة.. حزينة على سناء اللي ظلمتها الدنيا مرتين.. مرة بمو.تها.. ومرة بلسان من أحبها.
بعد يومين.. اتقدمت البلاغات.. ونُقل كريم للسجن لينال جزاء ما اقترفت يداه.. وسُمح لسامر بزيارة القبر الذي أشار إليه كريم.. واستُخرجت رفات سناء.. ودفنت في مقبرة أهلها بصمت وحزن.. ووقف سامر على قبرها أياماً لا يأكل ولا يشرب.. لا يكلم أحداً.. لا يقول إلا كلمة واحدة سامحيني..
وبعد أسابيع.. التقيت بليانة في مكان هادئ.. كانت جالسة بصمت تنظر للبعيد..
سألتها ندمانة؟
نظرت إليّ ببطء وقالت بصوت
خافت على إني عرفت الحقيقة؟ لا.. لكن على الطريقة اللي عرفتها بيها.. وعلى الألم اللي كان لازم يتحمله كل واحد.. سامر كان ضحية هو الآخر.. ضحية ثقته العمياء في الغير وضحية خوفه من كلام الناس.. خاف يقول الحقيقة فخسر كل شيء.. وآخرته كانت أشد من الأولى.
سألتها وترجعيله؟
هزت راسها ببطء وقالت ما أقدرش.. الجرح عميق.. والسر اللي كان بينا أكبر من حبنا.. ممكن أسامحه.. بس ما أقدرش أنسى.. وأنا ما أقدرش أعيش مع إنسان خبى عني حاجة بهالحجم.. مهما كان السبب..
سكتت شويه ثم كملت بنظرة حزينة واثقة في نفس الوقت لكن تعلمت درساً غالياً.. إن ما بُني على كذب يذهب.. وإن الحقيقة وإن تأخرت.. لابد تظهر.. وإن العيش بكرامة وصدق.. خير من ألف مرة تعيشها بسر وخوف وخداع..
تركتها ومشيت.. وبقيت الحكاية تُحكى في مدينتنا حكاية عبرة واتعاظ.. حكاية فتاة هربت من فرحها لتبدو في عيون الناس خائنة.. ولكنها في الحقيقة كانت الوحيدة اللي شافت الحقيقة مبكرة.. واختارت أن تهرب من الظلم بدل ما تعيش فيه..
وظل سامر يعيش وحيداً.. يزور قبر سناء كل جمعة.. ويبكي ذنبه الذي لم يرتكبه بيده ولكنه ارتكبه بلسانه وصمته..
وظل يردد دائماً الصمت في وجه الكذب جريمة.. والكلام بدون يقين جريمة.. والثقة بلا تمحيص جريمة.. لو كنت فتشت وسألت.. ما كانت ضاعت.. وما كنت ظلمتها.. وما كان اللي حصل حصل..
وما زال الناس يتساءلون لولا أن ليانه هربت في تلك الساعة.. أين كانت ستكون نهايتها؟ وهل كانت ستعيش حياتها زوجة لرجل خبى عنها كل شيء.. أم كانت ستعرف الحقيقة بعد فوات الأوان.. وربما بعد أن تكون قد
وقعت في الفخ نفسه؟
إن الحقيقة لا تُحبّ أن تُخفى.. مهما طال الزمن.. ومهما بُنيت حولها الجدران.. لابد
أن تظهر.. ولو بعد حين..