حاولت أفهمها السبب.. كانت عيونها بتدمع وما بتتكلمش.. سحبت إيدها ومشيت.. وقفت في الشباك وشفتها وهي نازلة الشارع.. ركبت عربية ما عرفتش صاحبها.. ومشيت.. ومن يومها ما شفتهاش تاني.
وطلبت الطلاق منها؟ سأله أخو ليان بصرامة.
طلبته.. رفضت.. ردت عليّ وقالت لي أنا طالقة منك بس مش وقته.. اصبر شوية وكل حاجة تبان. ومرت الشهور.. والسنين.. وما ردتش عليّ تاني.. كلمتها كتير.. راسلت.. ما فيش رد.. لحد ما عرفت إنها سافرت بره البلد.. ساعتها قلت لنفسي.. خلاص.. راحت.. وكل حاجة انتهت.. وقلت لنفسي إني لازم أعيش حياتي.. لحد ما قابلت ليانه.
وليه ما قلتلهاش الحقيقة؟ ليه خدعتها؟!
صوت ليانه أمها اللي كانت واقفة تبكي من أول الفيديو.
سامر خفض راسه وقال بصوت خافت كنت خايف.. خايف لما أعرفها تسيبني.. كنت فاكر إن سناء رجعت لبلد تاني وخلاص.. وإن الموضوع هين.. وإن الزواج ده ما كانش حقيقي بالنسبة لي.. وإن ليانه هي اللي تستاهل تكون معايا.. ما كنتش أعرف إنها هتكتشف كل ده.. إزاي عرفتي يا ليانه؟.. إزاي وصلتي للمعلومات دي؟
قبل ما أحد يرد عليه، سمعنا صوت ليانه من ورانا! الكل التفت بصدمة..
ليانه كانت واقفة عند باب القاعة، بفستان الفرح اللي ما زالت لابساه، وشعرها منكوش، وعيونها حمراء من البكاء، بس نظراتها كانت قوية ومستقرة، ما فيها خوف ولا تردد.
اتقدمت شويه لقدام، وقالت بصوت واضح سمعه كل واحد أنا عرفت لأنك نسيت إن وراك أهل ما بيسكتوش عن الحق.. ولأن سناء ما رحلت بره البلد يا سامر.. سناء ما سافرتش أبداً.
الكلام ده زي الصاعقة اللي ض.ربت القاعة. سامر اتفتحت عيناه على آخرها واتطلع ليانه وكأنه شاف شبح.
ليانه كملت وهي بتثبت عينها في عينه سناء ما ركبتش عربية غريبة تسافر.. سناء اختفت في نفس اليوم ده.. من بيتك.. ومن يومها ما حد شافها.. وأنت عارف كويس وينها.. وأنت عارف كويس ليه هي ما ردتش عليك ولا طلقتك.. ولأني تعبت وتعبت حتى وصلت للحقيقة.. ووجدت الشهود.. ووجدت الأدلة.. ولهذا جيت أهرب منك قبل ما أكون زيها.
القاعة صارت تعج بالهمس والصراخ. الناس اتجمعت حول ليانه تسأل وتستفسر، وهي رفعت إيدها تسكتهم وقالت أنا هربت عشان ما أكون زوجة لشخص أتهم في اختفاء زوجته الأولى.. وأنا عندي من الأدلة ما يكفي ليودي وراء القضبان..
ولهذا فضلت أهرب وأكشف الحقيقة لكم كلّكم، بدل ما أدخل في زواج مبنى على الكذب والسر والخوف.
اتجهت ليانه نحو الشاشة واشارت للملف وقالت اقروا كويس.. في الشهادة دي اسم الشاهد اللي كان معاها آخر يوم شافتوه.. وفيها كلام كتير ما حدش سأل عنه.. وفيها أسرار لو فتحتوها هتعرفوا إن اللي حصل لسناء كان ممكن يحصلي أنا كمان.. ويمكن أسوأ.
سامر كان واقف زي ما اتسحب منه الروح، ما بيتكلمش ولا بيتحرك، بس عيناه كانت مثبتة على ليانه، وبنظرات لم أفهمها.. كانت نظرات غضب.. وخوف.. وشيء من الندم العميق.
جاء صوت رجل من وراء الحضور، صوت رخيم وهادئ كفاية كلام.. خلينا نسمع الحقيقة كاملة.. ليانه.. تفضلي احكي لنا كل اللي وصلتي ليه.. ونحن نسمعك.
كان واحد من كبار العائلة، راجل عاقل الكل بيحترمه. ليانه هزت راسها وبدأت تحكي بصوت ثابت، وكل كلمة بتقولها كانت بتزلزل القاعة من تحت أقدامنا
بدأت القصة من أول ما قررنا نكتب الكتاب.. كنت سعيدة.. وكنت فاكرة إني قابلت الإنسان الصحيح.. بس كنت أشوف
حاجات غريبة.. كان عنده صدريه مقفول دائماً.. كان يغير الموضوع لما أسأله عن ماضيه.. كان يقول لي أنا ما عندي ماضٍ.. أنا كلي حاضر ومستقبل ليكِ أنتِ بس..
وكنت أصدقه.. لحد ما جات يوم واحدة من جيرانه القدامى شافتني معاه وقالت لي بلمحة عين أنتِ تشبهي مرته الأولى كتير.. سبحان اللي غير الأحوال.
قلت لها مرته الأولى؟ هو ما كانش متجوز! ضحكت وقالت هو قال كده؟ طب اسأليه عن سناء.. واسأليه ليه سيرتها ما تذكرش في بيته ولا بين أهله؟
من هنا بدأت الشكوك تدخل قلبي.. سألت سامر.. أنكر تماماً.. قال لي إنها كانت مجرد جارة صغيرة وتوفت.. وإن الكلام ده ما لوش أساس.. بس الكلام ده ما ريحني.. بدأت أبحث بنفسي.. سألت هنا وهناك.. حتى وصلت لبيت أخت سناء.. وهناك عرفت الحقيقة خطوة بخطوة.
ليانه سكتت شويه تاخد نفسها، ونظراتها اتجهت لسامر اللي كان لسه متجمد في مكانه
سناء كانت تحبك بجنون.. كانو يقولوا إنها ما كانتش ترى غيرك في الدنيا كلها.. ومالها وأموالها كلها كانت تحت تصرفك.. وهي ما كانتش ترفض لك طلب.. وفي فترة ما.. بدأت الناس تلاحظ إنك تغيرت عليها.. بديت تخرج من البيت وتتأخر.. بديت تقلل الكلام معاها.. وتخاصمها على أشياء تافهة.. وكل ما تسألك تقول لها أنا تعبان.. أنا مشغول.. ما تفهمينش؟
وآخر يوم شافتك سناء.. كانت بتعتزم تسافر معاك لشباك.. كانت جهزت كل حاجة.. وانت قلت لها ما فيش سفر.. ألغيت الحجز.. وتخاصمتوا في تلك الليلة..
الجيران سمعوا صوتكم عالي.. سمعوها بتقولك لو مش عايزني قول لي من غير ما تكلمني كده.. وسمعوك وأنت بترد عليها بصوت قاسي.. وبعدها.. اختفت.. من غير أثر.. من غير ما تاخذ معاها
شيء.. لا فلوسها ولا مجوهراتها.. ولا حتى ملابسها المفضلة.. وكأن الأرض انشقت وبلعتها.
ليانه هنا رفعت صوتها وقالت بكل قوة والغريب إنك لمّا سُئلت عنها قلت إنها سابتك وراحت مع راجل تاني! وشاعت الكلامه دي بين الناس.. واتقالت إنها خانتك وهربت.. وبهذا تكون رميت عليها التهمة وأريحت نفسك من السؤال.. وأكلت ميراثها.. وخلّيت سيرتها سيرة ساقطة خانت زوجها.. ونسيت إن لله في خلقه شؤون!
القاعة كانت بتعج بالصراخ واللعنات، والناس كلهم اتجهوا نحو سامر يسبوه ويشتموه، وهو ما زال قاعد لا يتكلم ولا يحرك ساكناً، غير أن دموعه بدأت تنهمر بغزارة على خديه، وبدا جسمه يرتجف كمن به مس.
ليانه كملت بصوتها المرتعش من الغضب ظلمتها يا سامر.. ظلمتها بلسانك.. وبعدين.. جيت تتقدّم لي أنا.. وتقول لي إنك ما اتجوزتش من قبل.. وتقول لي إنك أول مرة تحب بهالشكل.. وأنا صدقتك.. لحد ما عرفت إنك لسه بتبحث عن شيء كان معاها يوم اختفت.. شيء ثمين.. وإنك ما رجعت تشوفه لحد الآن.. ولهذا كنت خايف من أي سؤال عن ماضيك..
ولهذا كنت ترفض تفتح لي أي باب في بيتك مقفول.. لأنك كنت خايف أفتح الباب اللي دفنت ورّاه سرّك!
هنا صرخ سامر بصوت أليم أنا ما ق.تلتها! أقسم بالله ما ق.تلتها! هي رحلت من عندي بقدميها.. أنا لمّا رجعت للبيت لقيتها مشيت.. قلت لكم مشيت! وأنا ظلمتها بلساني عشان كنت مجنون ومكسور.. كنت فاكرها حقاً راحت مع غيري.. فكرت كده عشان أقدر أتحمل الألم.. ما كنتش أعرف إنها راحت كده من غير سبب.. ما كنتش أعرف إن في حاجة تانية حصلت!
إذًا مين اللي أخذها؟! صرخ فيه أخو ليان.
سامر قام على رجليه بصعوبة، وتنهد بصوت عميق كأنه بيخرج
من أعماق قلبه، وقال أنا