ـ أنا عارف إن الاعتذار مش هيمحي اللي حصل. لكن أنا مستعد أصلح كل حاجة… حتى لو أخد سنين. سألته بهدوء: ـ ولو أمك رفضت كلامك؟ أجاب دون تردد: ـ يبقى اختار بيتي. كانت هذه أول مرة تشعر أن كلامه ليس مجرد محاولة لإنهاء المشكلة. قالت المحامية: ـ القرار في النهاية ليكي يا مدام ياسمين. لو حبيتي ترجعي، يبقى باتفاقات واضحة. ولو حبيتي تنفصلي، ده حقك برضه. طلبت ياسمين مهلة أسبوع. وفي ذلك الأسبوع… لم يتصل كريم إلا مرة واحدة كل مساء، يسألها إن كانت بخير، دون ضغط أو لوم.
وبدأ بالفعل يبحث عن شقة جديدة بعيدًا عن بيت أمه، وأرسل لها عقد الإيجار بعد توقيعه. وعندما ذهبت لترى الشقة… وجدت شيئًا لم تتوقعه. على باب المطبخ كانت هناك لوحة خشبية صغيرة مكتوب عليها: “هذا البيت لا يدخله إلا الاحترام.” ابتسمت لأول مرة منذ أيام. لكنها قالت لكريم: ـ البداية كويسة… إنما الثقة مش بتترمم بالكلام. بتترمم بالمواقف. خفض رأسه وقال: ـ وأنا مستعد أثبت ده كل يوم. وبينما كانا يتحدثان… رن هاتف ياسمين. نظرت إلى الشاشة…
فتغيرت ملامح وجهها فجأة. كان رقمًا غريبًا… والمتصل قال أول جملة جعلت الجميع يتجمد في مكانه: ـ حضرتك مدام ياسمين؟… معانا تسجيل صوتي يخص اللي حصل ليلة العزومة، ولازم تسمعيه. يتبع…أمسكت ياسمين الهاتف بقوة. ونظرت إلى كريم للحظة، ثم أعادت الهاتف إلى أذنها. ـ مين حضرتك؟ جاءها صوت رجل هادئ. ـ أنا محمود، مدير الكاميرات في المطعم اللي جنب العمارة. عندنا كاميرا بتغطي مدخل العمارة، وأحد الموظفين سمع جزءًا من اللي حصل وقتها لأن الشباك كان مفتوحًا. وبعد ما عرفنا إن فيه خلاف كبير، حسينا إن التسجيل ممكن يهمك.
استغربت ياسمين. ـ تسجيل إيه؟ ـ التسجيل التقط كلامًا دار قبل وصول أهلك بدقائق. وافقت أن تذهب لسماع التسجيل. وفي اليوم التالي، ذهبت مع كريم ومحاميتها. شغّل الرجل المقطع. ظهر فيه مدخل العمارة، ثم سُمعت الأصوات بوضوح. كان صوت نوال يقول: ـ سيبيهم يتأخروا… ناكل الأول. البنت دي لازم تتعلم إن أهل جوزها أهم من أهلها. ثم جاء صوت دينا وهي تضحك: ـ ولما يجوا نقولهم: “لو جيتوا بدري كنتوا لحقتوا.” ساد الصمت في الغرفة.
كريم أغلق عينيه. كان آخر أمل عنده أن تكون أمه لم تقصد ما فعلته. لكن التسجيل أنهى أي شك. ثم جاء صوته هو في التسجيل. ـ يا ماما… كفاية. لكن صوته كان ضعيفًا ومترددًا. وردت نوال: ـ إنت اسكت… وسيبني أعرف أربي مراتك. أوقف محمود التسجيل. نظر كريم إلى ياسمين، والدموع تلمع في عينيه. ـ سامحيني… أنا كنت فاكر إنك بتبالغي. طلعت ياسمين نفسًا طويلًا. ـ أنا مش مستنية اعتذار… أنا مستنية أشوف إن اللي حصل مش هيتكرر.
خرجوا من المكان. وفي المساء، جمع كريم أمه وأخته في بيت العائلة. قال لهما بوضوح: ـ من النهارده، أي إساءة لياسمين أو لأهلها معناها إن عـ,ـلاقتنا هتتغير. ضحكت نوال باستهزاء. ـ علشان تسجيل؟ أجابها بهدوء: ـ لا… علشان الحقيقة. ولأول مرة، خرج كريم من بيت أمه دون أن يقبّل يدها أو يحاول إرضاءها. كان يعرف أن ما فعله سيغضبها. لكنه كان يعرف أيضًا أن احترام زوجته ليس شيئًا يمكن التفاوض عليه. أما ياسمين… فوقفت في شرفة بيت أهلها تنظر إلى السماء.
شعرت أن الحمل الذي كانت تحمله على كتفيها منذ سنوات بدأ يخف. لم تكن تعرفبعد ثلاثة أشهر… لم تعد ياسمين إلى بيت كريم مباشرة. كانت قد اشترطت أن يثبت بالأفعال، لا بالكلام، أن حياتهما ستكون مختلفة. وخلال تلك الأشهر… لم تتدخل نوال مرة واحدة. ليس لأنها اقتنعت… بل لأن كريم أوصل لها رسالة واضحة: ـ لو زعلتِ ياسمين أو أهلها مرة تانية… مش هتعرفي عنوان بيتنا الجديد. وبالفعل، انتقل إلى شقة جديدة. لم يعطِ مفتاحًا لأحد.
ولا حتى لأمه. وفي أول عزومة في البيت الجديد، أصرت ياسمين أن يكون الضيوف هم أهلها وأهل كريم معًا. دخلت نوال وهي تنظر حولها. كانت تنتظر أن تجد شيئًا تنتقده. لكنها فوجئت بصورة كبيرة معلقة على الحائط. كانت صورة من يوم زفاف ياسمين وكريم، وبينهما والداهما. وتحتها عبارة بسيطة: “البيت الذي يُكرم الأهل… تدخله البركة.” جلست نوال في صمت. وقبل موعد الغداء بدقائق… رن هاتف والد ياسمين. كان يخبرهم أن الطريق مزدحم، وسيتأخر نصف ساعة.
نظر كريم إلى الجميع، ثم قال بابتسامة: ـ يبقى نستنى. قالت نوال تلقائيًا: ـ ما ناكل إحنا الأول… لكنها سكتت في منتصف الجملة. لأن كريم نظر إليها نظرة حاسمة، وقال: ـ مستحيل. الأكل معمول علشان كلنا ناكل سوا. ولو استنينا ساعة… هنستنى. ابتسم أبو ياسمين عندما وصل بعد قليل. وجد السفرة كما هي… لم يلمسها أحد. نظر إلى كريم وقال: ـ واضح إنك اتعلمت الدرس. ابتسم كريم في هدوء. ـ اتعلمته… لكن بعد ما دفعت تمن غالي.
اقتربت نوال ببطء من أم ياسمين. وبصوت خافت لا يكاد يُسمع قالت: ـ أنا غلطت يومها… وسامحيني. كانت أول مرة تعتذر اعتذارًا حقيقيًا، بلا سخرية ولا تبرير. ابتسمت أم ياسمين، وقالت: ـ كلنا بنغلط… المهم ما نكررش الغلط. جلس الجميع حول السفرة. ولأول مرة منذ سنوات… لم يكن هناك فائز ولا مهزوم. كان هناك فقط عائلة تعلمت أن الاحترام هو أول طبق يجب أن يُقدَّم على أي مائدة. تمت.بعد سنة كاملة… كانت ياسمين واقفة في نفس المطبخ.
لكن المرة دي… المطبخ كان أوسع، والبيت كله مليان ضحك. النهارده كان عيد ميلاد أبوها السبعين. هي اللي أصرت تعمل العزومة بنفسها. وأول شخص وصل… كان كريم. شايل بوكيه ورد كبير، وداخل يبتسم. ومن وراه نوال. لكنها كانت مختلفة. شايلة صينية كنافة بإيديها، وأول ما دخلت قالت: ـ يا ياسمين… أحطها فين؟ ابتسمت ياسمين وقالت: