في عزومة كبيرة عند اهل جوزى

العربية البيضاء عدت من قدامنا بسرعة جنونية. كلنا لفينا نبصلها. وفجأة فؤاد قال بصوت مخنوق: “إلحقوه… دي هي.” بصيتله باستغراب. “هي مين؟” قال وهو بيجري ناحية عربيته: “سمر.” اتجمدت. “سمر؟… صاحبتي؟” هز راسه وقال: “للأسف.” حسيت إن الأرض بتميد بيا. سمر كانت أعز واحدة في حياتي. كانت أول واحدة حضرت ولادة يوسف. وأول واحدة جريت عليا يوم وفــ,,ـــــاه بابا. مكنش يوم يعدي من غير ما تكلمني. قلت وأنا مش مستوعبة: “مستحيل… سمر عمرها ما تعمل كده.”

فؤاد فتح باب العربية وقال بحزم: “أبوك كان شاكك فيها من زمان.” ركبت بسرعة، وربطت يوسف في الكرسي. العربية انطلقت ورا العربية البيضا. الطريق كان فاضي، لكن سمر كانت بتسوق كأنها عارفة كل شارع وكل ملف. أحمد كان واقف مكانه، مذهول، قبل ما يركب عربيته هو كمان ويحاول يلحقنا. بعد عشر دقايق من المطاردة، وصلنا قدام القصر القديم. القصر كان مهجور من يوم وفــ,,ـــــاه بابا. بوابته الحديد كانت مفتوحة. وده عمره ما كان بيحصل. فؤاد نزل بسرعة وقال:

“وصلت قبلنا.” دخلنا نجري. التراب مالي المكان. وريحة الخشب القديم في كل حتة. يوسف كان ماسك إيدي بقوة. وفجأة سمعنا صوت درج بيصر. حد كان بيطلع لفوق. جرينا ورا الصوت. أول ما وصلنا للدور التاني، لقينا باب المكتب مفتوح. دخلنا. المكتب كله متقلب. الأدراج مكسورة. الملفات مرمية على الأرض. لكن سمر كانت واقفة قدام لوحة كبيرة معلقة على الحيطة. كانت بتشدها بكل قوتها. أول ما شافتنا، شهقت. وقالت: “اتأخرتوا.” فؤاد صرخ: “ابعدي عن اللوحة.” لكنها زقتها على الأرض.

وراء اللوحة ظهر باب حديد صغير. طلعت من شنطتها مفتاح. إيدي اترعشت. المفتاح ده… كنت شوفته قبل كده. كان متعلق في سلسلة مفاتيح بابا. قلت بصدمة: “إنتي خدتيه منين؟” ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت: “باباك هو اللي اداهولي.” صرخت: “كدابة!” قالت وهي بتحط المفتاح في الخزنة: “الحقيقة أصعب بكتير من اللي تتخيليه يا ياسمين.” وفجأة… لفت ناحيتي وقالت جملة خلت فؤاد نفسه يتجمد في مكانه: “أنا مش صاحبتك… أنا أختك.” وساد صمت مرعب في المكان…

وكل واحد فينا كان بيبص للتاني، مش عارف إذا كانت بتكدب… ولا الحقيقة اللي مستخبية من سنين بدأت تظهر أخيرًا… يتبع.ياسمين اتراجعت خطوة، وحست إن نفسها اتقطع. قالت وهي بتبص لسمر بذهول: “إنتي اتجننتي؟ أختي إزاي؟! أنا بابا وماما مخلفوش غيري.”
سمر ضحكت ضحكة قصيرة، لكن عنيها كانت مليانة دموع. “وده اللي خلاكي تصدقي إنك وحيدة.” فؤاد اتدخل بعصبية: “كفاية كذب. سيبي المفتاح.” لكن سمر هزت راسها. “أنا مش بكذب… والكلام ده هيثبته اللي جوه الخزنة.”

بصيتلها وأنا مش قادرة أستوعب. “لو إنتي أختي… ليه دخلتي حياتي من الأول؟ وليه خبيتي الحقيقة؟” قالت بصوت مكسور: “لأني اتربيت وأنا فاكرة إن والدك ظلــ,,ـــــم أمي وخد منك كل حاجة وسابنا نمــ,,ـــــوت من الجوع.” الهدوء خيم على المكان. حتى يوسف كان ساكت، مستخبي ورا ضهري. سمر كملت: “كبرت على كلمة واحدة… (استردي حقك). ولما كبرت، ناس كتير قربوا مني، وقالولي إن الطريق الوحيد هو إني أقرب منك.” بصيتلها بصدمة. “يعني صداقتنا كلها كانت تمثيل؟”

سمر نزلت عينيها للأرض. “في الأول… أيوه.” قلبي اتقبــ,,ـــــض. لكنها رفعت وشها بسرعة وقالت: “بعد كده لأ.” “بقيتي أختي بجد… من غير ما تعرفي.” دموعها نزلت. “كل مرة كنتي بتحــ,,ـــــضنيني، كنت بحس بالذنب.” “كل مرة يوسف يناديني خالتو، كنت بحس إني بخونه.” فؤاد قال بحدة: “ولو كلامك صحيح… مين اللي كان بيحركك؟” سمر سكتت. ثواني طويلة. وبعدين قالت اسم واحد. “كمال.” فؤاد وشه اتغير فجأة. “كمال؟!” بصيت بينهم باستغراب. “مين كمال؟” فؤاد رد بصوت منخفض:

“شريك والدك القديم.” “الراجل اللي اختفى من عشرين سنة بعد ما سرق ملايين.” سمر هزت راسها. “مختفاش.” “كان عايش… وبيخطط.” وأشارت ناحية أحمد اللي كان واقف عند باب المكتب، بيحاول يسمع كل كلمة من غير ما حد يحس. وقالت: “وأحمد كان واحد من الناس اللي بيشتغلوا معاه.” أحمد صرخ بغضب: “اخرسي!” لكن في اللحظة دي… دوى صوت طلقة نــ,,ـــــار هز القصر كله. الطلقة خبطت في النجفة الكبيرة، والزجاج اتكسر ونزل على الأرض. يوسف صرخ بخوف، وياسمين حــ,,ـــــضنته بسرعة.

كلنا لفينا ناحية الباب. كان فيه راجل كبير واقف، شعره كله أبيض، وفي إيده مس\دس. ابتسم ابتسامة باردة وقال: “واضح إنكم عرفتم أكتر مما كان المفروض تعرفوه.” سمر اترعشت. وفؤاد همس: “كمال…” الراجل دخل بخطوات هادية، ومن غير ما يرمش وجه الم\سدس ناحية ياسمين وقال: “دلوقتي… هنسكت كل اللي يعرف الحقيقة.” وانتهى المشهد عند صوت طرقعة أمان المس\دس وهو بيتجه مباشرة نحو ياسمين… يتبع.أول ما صوت أمان المس\دس اتفتح، المكان كله سكت. يوسف استخبى في حــ,,ـــــضني وهو بيعيط.

حطيت إيدي على راسه وضمّيته بكل قوتي. كمال ابتسم ابتسامة باردة وقال:
“آخر مرة هسأل… فين مفتاح الخزنة التاني؟” بصيتله باستغراب. “مفتاح تاني؟” ضحك وقال: “واضح إن أبوكي حتى دي مخبيها عنك.” فؤاد اتقدم خطوة. “سيبها… هي متعرفش حاجة.” كمال وجه المس\دس ناحيته. “وأنت هتسكت خالص.” في اللحظة دي أحمد اتكلم لأول مرة. “كمال… إحنا اتفقنا إن مفيش أذى.” كمال لفله ببطء. “اتفقنا؟” وبمنتهى البرود ضــ,,ـــــربه بكعب الم\سدس في وشه. أحمد وقع على الأرض وهو بيتأوه.

كمال قال وهو بيبصله باحتقار: “إنت مجرد أداة… ولما الأداة تخلص شغلها بتترمي.” أحمد رفع عينه ناحيته، وكانت الصدمة مرسومة على وشه. واضح إنه لأول مرة يكتشف إنه هو كمان كان بيتضحك عليه. سمر قربت مني وهمست: “اسمعيني كويس… الخزنة دي فيها أكتر من فلوس.” قلت بسرعة: “فيها إيه؟” قالت: “فيها مستندات تثبت إن كمال استولى على شركات كتير بأسماء ناس ماتوا… ولو الورق ده خرج للنور هيدخل السجــ,,ـــــن هو وكل اللي معاه.” كمال زعق:

“اخرسي!” وفي ثانية واحدة ضغط على الزناد. صوت الطلقة دوّى في القصر. صرخت وأنا غمضت عيني. لكن بعد ثواني… اكتشفت إن الطلقة ماجتش فيا. فتحت عيني ببطء. لقيت فؤاد واقع على الأرض. كان واقف قدامي في آخر لحظة وتلقى الرصاصة بدلًا مني. الدم بدأ ينتشر على قميصه. جريت عليه وأنا بعيط. “أستاذ فؤاد… فوق!” ابتسم بصعوبة وقال: “وعد… وعد أبوكي… إني أحميكي.” يوسف كان بيعيط بصوت عالي. أما أحمد، فكان باصص للمشهد وهو مصدوم، وكأن كل حاجة كان فاكر إنه مسيطر عليها بتنهار قدامه.

وفي وسط الفوضى… سمعنا صوت صفارات شرطة بتقرب من القصر. كمال اتوتر لأول مرة. بص ناحية الشباك، ثم رجع بص ناحيتي. وقال بصوت مليان غضب: “واضح إن اللعبة لسه مخلصتش.” ثم مد إيده بسرعة ناحية الخزنة… وفي اللحظة اللي فتح فيها بابها، اتغيرت ملامحه تمامًا. اتراجع خطوة للخلف وهو بيهمس: “مستحيل…” بصينا كلنا جوه الخزنة… ولقيناها… فاضية تمامًا. لكن كان فيه ظرف أبيض واحد في النص، مكتوب عليه بخط واضح: “إلى ياسمين… لو وصلتي للظرف ده، اعرفي إن الحقيقة الحقيقية لسه ما بدأتش.”

ياسمين مدت إيديها ببطء ناحية الظرف… وقبل ما تلمسه بثانية واحدة، دوّى انفجار هائل في أسفل القصر، واهتزت الأرض تحت أقدامهم، بينما بدأت الجدران تتشقق من كل ناحية… يتبع.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
12