بيت بابا وماما في اول يوم العيد

صوتي بدأ يعلو شوية من تأثر، بس حافظت على هدوئي قدر المستطاع أنا مش عايزة أفرق بينكم، ولا عايزة أكسر بيتكم. بس أنا أم، وكرامة ابني غالية عليا أكتر من أي حاجة في الدنيا، أكتر من رضاكم، أكتر من اللمة، أكتر من كل حاجة. لو كنت أنا اللي بتتألم، كنت أتحمل وأكتم. بس لما بيصل الألم لابني، فهنا الخط الأحمر اللي مينفعش أحد يتعداه. مهما كانوا الأهل، ومهما كانت الأسباب.
منة قالت لي بصوت عالي وبعدين يا انجي؟ كل ده عشان علبة تتبيلة وقطعة رقاق؟ إنتي بتكبرين الحاجات ومش عارفة قيمتها، وبتخلي الولد يكبر على النكد والكره لأهله.

رديت عليها بكل هدوء ده مش تكبير يا منة، ده أصل الأصول. الكرامة مش بتتقاس بحاجة غالية أو رخيصة، الكرامة في المعاملة، وفي القلب اللي بيعطي وياخد بالعدل. أنا مش بعلم ياسين الكره، أنا بعلمه إن يصون كرامته، وإن ما يقبلش الظلم مهما كان صغير. وإن كان أهله ظلموه، فده مش عيب فيه، العيب في اللي ظلمه. وصدقيني، لو كنتي مكاني، كنتي عملتي أكتر من كده عشان كرامة ابنك.
بابا كان واقف ساكت، وملامح وشه اتغيرت، والغضب اللي كان عليه بدأ يختفي ويحل محله حاجة تانية.. ربما ندم، ربما تفكير، مكنتش عارفة بالظبط.

ماما كانت عينها مليانة دموع، وبدأت ترتجف إيديها، وكأن الكلام ده وصل لقلبها بعد ما كان مغلق سنين.
قلت لهم في الآخر أنا مش عايزة مشاكل، ولا عايزة أحد يزعل. النهاردة خدت قرار صعب، بس هو القرار الصح. من النهاردة، أنا مش هجي هنا إلا لو اتغيرت المعاملة، ولو عرفتم إن كل واحد منا له قيمته، وإن العيلة بتتجمع على الحب والعدل مش على التفضيل والظلم. ياسين حفيدكم، وله مكان في قلوبكم زي ما لغيره. وإن محبتوش تعاملوه كده، فأنا هحافظ عليه وأعطيه كل الحب والعدل اللي محتاجه، بعيد عن أي مكان يكسروا فيه خاطره.

سحبت ياسين اللي كان واقف جنبي بيلمس إيدي ويشجعني، وقلت له يلا يا حبيبي، نمشي. ولفت ومشيت ناحية الباب، ومحدش منعني ولا كلمني. وصلت للباب، وفتحته، وكنت على وشك أطلع، لما سمعت صوت ماما بينادي بصوت مهزوز انجي.. استني شوية.
وقفت ومش لفت، قلت نعم يا ماما؟
قالت وهي بتكاد تبكي الرقاق.. كان غلط مني. . والكلام اللي قلتله كان غلط.. تعالي خدي معاكم صينية كاملة ليه وللكل.. و.. والتتبيلة.. أنا استخدمتها وشويتها مع اللحمة، وطلعت طعمها أحلى من أي تتبيلة جاهزة.. اللحمة اللي شويتها بيها كلها للولد ده.

لفت لقيتها ماشية ناحيتنا ومعاها صينية الرقاق مليانة، وصينية تانية فيها لحمة شوية ريحتها مالية المكان، وعلبة نظيفة. قربت من ياسين، وحطت إيدها على كتفه وقالت بندم واضح سامحني يا حبيبي.. تيتة كانت غلطانة، وما كانتش تعرف قيمتك وقيمة تعبك. أنت أحلى حفيد عندي، وكل الحاجات دي فداك. ما تزعلش مني، عشان خاطري.
ياسين بص لي، وبص لتيتة، ودموعه نزلت، وقال أنا مسامحك يا تيتة.. بس المرة الجاية خليك تعرفي إن أنا برضه بحبك وبحاول أرضيك.
ماما حضـ,ـنته بقوة، وبابا جه وراها وقال لي سامحيني يا بنتي.. كنت غلط، وكنت عمياني عن الحق.

العدل لازم يكون في كل حاجة، ولو بين الأهل. ما كنتش عايز أكسر خاطرك ولا خاطر الولد. تعالوا، نكمل العيد مع بعض، وكلنا نبدأ صفحة جديدة من النهاردة. وعد مني، إن ياسين يكون في عيني زي عمر وملك، وإن ما يفرق بينهم حاجة أبداً.
منة كانت قاعدة ومش عارفة تقول إيه، بس قامت وجت وسلمت عليا وقالت سامحيني انجي.. أنا كنت مش واخدة بالي، وصدقيني ما كنتش عايزة يصير كده. خلينا كلنا نكون مع بعض، ونعامل كل الأطفال بالحب والعدل.
رجعت وقعدت معاهم، والنهاردة اتغيرت تماماً.

بابا شوى مع ياسين في البلكونة، وسمحله يقلب الفحم ويحط اللحمة، وكل شوية يقول له شاطر يا ولدي، كده تمام، انت بتعرف تعملها أكتر مني. ماما كانت بتعطيه أكتر قطع الرقاق، وتقول للكل إن تتبيلة ياسين كانت سر نجاح اللحمة النهاردة. وحتى عمر وملك كانوا بيجلسوا جنبه ويلعبوا معاه، ويقولوا له علمنا إزاي عملت الخلطة دي يا ياسين، عشان نعملها المرة الجاية.
العيد ده كان مختلف عن كل الأعياد اللي فاتت. مش عشان الأكل كان أحلى، ولا عشان الهدوم كانت أجمل، ولا عشان الضيوف كانوا أكتر. لأ..

العيد ده كان مختلف عشان استعدت فيه كرامتي، وعشان رجعت الحق لابني، وعشان كلمت الحق طلعت وسمعها كل واحد، واتغيرت القلوب بعد ما كانت قاسية.
اتعلمت في اليوم ده إن الصبر جميل، بس الصبر على الظلم مذلة. وإن الأهل مهما كانوا غاليين، فالعدالة والكرامة أغلى. وإن الحب الحقيقي مش بيعرف التفضيل، ولا بيعرف الاستهانة. الحب بياخد ويعطي بالعدل، وبيصون كرامة الغير مهما كان صغيراً أو كبيراً.
وآخر الحكاية، بعد ما الكل نام وخلص اليوم، جاني ياسين وقعد جنبي، وحط إيده في إيدي وقال شكراً يا ماما.. انتي عملتي لي أكتر من كل حاجة.

عرفتيني إن لو الحق معاك، فمش تخاف من حد أبداً.
حضنته وقبلته في راسه وقلت له ده واجبي يا روحي. أنا طول عمري معاك، وهفضل أحارب عشانك وعشان حقك لآخر نفسي. وتفتكر دايماً إنك غالي، وقيمتك عالية، ومحدش يقدر يقلل منك أبداً، مهما كان.
والعام الجاي، والكل الأعياد اللي جاية، وعدت نفسي وعدت ياسين، إن العيد يكون عيد فرح حقيقي، عيد عدل ومساواة، عيد ما فيهش كلام جـ,ـارح ولا نظرة استهانة، عيد بتجمعنا القلوب الصافية والحق الواضح، في بيت بابا وماما اللي ريحته هتبقى من النهاردة ريحة حب وعدل، قبل ما تكون ريحة شواء اللحمة والقوانين الصارمة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
4