بيت بابا وماما في أول يوم العيد كان دايمًا له ريحة مميزة.. ريحة شواء اللحمة الضاني، وريحة القوانين الصارمة…اللحمة كانت بتدوب في البق، لكن القوانين كانت ناشفة ومبتتكسرش لازم الكل يتجمع قبل صلاة العيد، لازم نلبس أشيك ما عندنا، لازم نضحك على حكاوي بابا القديمة عن أيام الزمن الجميل، وطبعاً لازم نسيب ماما ترسم لوحة العيلة السعيدة اللي بطلتها أختي منة وولادها، باعتبارهم الأحفاد اللي يرفعوا الراس….
وصلت أنا وياسين ابني الصبح بدري، وياسين كان شايل في إيده علبة فيها تتبيلة لحمة هو اللي محضرها ببيضة ومستني اللحظة اللي هنبدأ فيها الشوي.
كان طول الطريق يسألني يا ماما تفتكري جدو هيخليني أشوي معاه؟ أنا بقيت كبير وعارف إزاي أهوي على الفحم. ياسين عنده عشر سنين، ولسه قلبه أبيض، فاكر إن الوعود اللي بتتقال في العيد دي عقود مبيتمش الإخلال بيها….
حكايات_انجي_الخطيب
دخلنا البيت، كان عمر وملك ولاد منة، مبهدلين الصالة بلبس العيد الجديد، وصوتهم جايب آخر الشارع. ماما كانت واقفة وسط المطبخ، لابسة الطقم اللي مخصصاه لاستقبال الضيوف، وأول ما شافت منة، فتحت دراعاتها وضحكت ضحكة الرضا التام، كأن منة هي الوحيدة اللي جايبة معاها العيد….
ياسين قرب من جدته وهو شايل التتبيلة تيتة..
بصي، أنا عملت الخلطة دي مخصوص عشان نشوي بيها النهاردة، حطيت فيها كل الحاجات اللي بتحبيها.
ماما بصت للعلبة بطرف عينها، نفس البصة اللي بتبصها للهدوم اللي قدمت ومبقتش تتلبس. قالت ببرود ماشي يا حبيبي، حطها هناك على الرخام، وراحت جابت تتبيلة جاهزة كانت شرياها من بره وحطتها في البولة الكبيرة الغالية.. وعلبة ياسين اتركنت في ركن ضلمة ورا الأطباق، كأنها كركبة ملهاش لزمة….
حكايات_انجي_الخطيب
حسيت بوجع في قلبي، بس كتمت. أنا متعودة أكتم في البيت ده عشان المركب تمشي.
وقت الغداء، بدأت مراسم الفتة واللحمة. بابا كان بيوزع اللحمة كأنه بيوزع أوسمة عسكرية.
يدي لعمر وملك الحتت الملبسة اللي بيحبوها، ويضحك معاهم ويقول كلوا يا حبايب جدو، أنتم اللي بتنوروا العيد.
ياسين سأل ببراءة وهو بياكل
جدو، هو إحنا ليه مش هنشوي في البلكونة زي ما قلت لي الأسبوع اللي فات؟
ماما ضحكت ضحكة صفرا وبصت لياسين وقالت
أصل في ناس حركتها كتيرة وممكن يبهدلوا لنا الدنيا، والشوي ده عايز ناس هادية وبتفهم في الأصول. وقصدت بكلمة ناس دي ابني، قدام الكل.
ياسين وشه جاب ألوان، ونزل عينه في الطبق وبطل يسأل.
استحملت وكملت أكلي بسكوت.
عارفة إن أي كلمة هقولها هتتحول ل نكد وهبقى أنا اللي بوظت فرحة العيد وبابا هيفتح في موال إنتي طول عمرك غيورة وحساسة بزيادة.
بعد الغداء، جه وقت صينية الرقاق الحلو اللي ماما مشهورة بيها في العيد. ريحة السمنة والسكر كانت مالية المكان…
حكايات_انجي_الخطيب
ياسين كان مستني اللحظة دي، وكان بيساعد في نقل الأطباق الصغيرة بمنتهى الأدب، كأنه بيحاول يصالحهم على ذنب هو ميعرفش إيه هو.
ماما بدأت توزع.. قطعة كبيرة لعمر، وقطعة أكبر لملك، ومنة قاعدة بتصورهم ستوري ومبسوطة.
ياسين وقف قدام ماما، مستني طبقه، وعينه بتلمع بالأمل.
ماما سابت المعلقة، وبصت له ببرود وقالت لا.. ياسين ملوش رقاق النهاردة، هو مأثبتش إنه يستحق بعد التجاوزات اللي عملها الصبح.
الهدوء اللي ساد الأوضة كان يذبح. هدوء الظلم اللي الكل شايفه ومحدش عايز يتكلم فيه عشان ميخربش اللمة.
ياسين همس وهو مش فاهم حاجة أنا أسف يا تيتة لو زعلتك.
حكايات_انجي_الخطيب
في اللحظة دي، عمر ابن أختي خبط على الطبق وقال
تيتة، الحتة دي طعمها تحفة، عايز واحدة كمان!
ماما وشها نور فجأة، وضحكت وقالت
عيوني يا حبيب تيتة، الصينية كلها فداك.
وقطعت له حتة تانية وحطتها في طبقه، وياسين واقف بيتفرج بكسرة نفس متمناش لعدو يشوفها في ابنه.
هنا، الغليان اللي جوايا وصل لمرحلة السكون التام.
ياسين مال على كتفي وهمس بصوت مكتوم
ماما.. عادي، أنا مش جعان أصلاً.. يلا نمشي؟
الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر الصبر اللي عندي. ابني بيعتذر لي وهو المظلوم، وبيدور لي على مخرج عشان ميحرجنيش.
قمت من غير ولا كلمة، روحت ناحية شماعة الهدوم، وجبت جاكيت ياسين وكوتشيه.
لبسته الجاكيت، وربطت له الكوتشي وأنا إيدي حديد، متهزتش ثانية واحدة. الغضب لما بيبقى حق بيدي قوة غريبة ووو……!!!!
الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر الصبر اللي عندي. ابني بيعتذر لي وهو المظلوم، وبيدور لي على مخرج عشان ميحرجنيش.
قمت من غير ولا كلمة، روحت ناحية شماعة الهدوم، وجبت جاكيت ياسين وكوتشيه. لبسته الجاكيت، وربطت له الكوتشي وأنا إيدي حديد، متهزتش ثانية واحدة. الغضب لما بيبقى حق بيدي قوة غريبة، والخوف اللي كان ساكن في قلبي سنين طويلة راح كأنه مكنش موجود أصلاً.
كانت عيناي مغمضة من الدمع، لكن خطواتي كانت ثابتة ومش متهدلة زي ما كانت بتكون كل مرة قبل كده.
سحبت ياسين من إيده برفق، وقفت قدام باب الصالة، ولفت جسمي ناحية أهلي اللي كانوا كلهم ساكتين، وبصت لهم بنظرة ما شافوهاش مني قبل كده. نظرة مفيهاش دموع، مفيهاش ضعف، نظرة اللي وصلت لآخر السكة ومش عايزة ترجع ورا أبداً.
بابا كان أول واحد كسر الصمت، بص لي بعبوس ورفع صوته زي ما هو متعود إيه يا انجي؟ إيه اللي انتي عاملاه ده؟ هتخربي لنا الفرحة ولا إيه؟ ارجعي اقعدي مكانك دلوقتي، واحنا نتكلم بعدين.
ماما قامت وقفت جنبه، وابتسامتها المزيفة راحت، وبدلها وشها عابس وزعلانة ايوه يا بنتي، إيه الوقاحة دي؟ كل ده عشان رقاق؟
ياما كليتي رقاق في بيتي، وبعدين ياسين غلط من الأول، كان لازم يعرف قيمته ومكانته.
منة كانت قاعدة ومش بتتكلم، بس عينيها كانت بتشوفني بنظرة الشمتة اللي كنت بحس بيها من سنين، وولادها كانوا بيبصوا لنا ومش فاهمين إيه اللي بيحصل.
أنا سكتة شوية، عشان أجمع كل الكلام اللي كان محبوس جوايا من سنين طويلة، كل المرات اللي كنت أتحمل فيها وأكتم عشان اللمة تفضل قائمة، وعشان مش نكسر خاطر بابا وماما، وعشان الناس تتكلمش. واليوم، قررت إن الكلام ده يطلع كلو، وإن كلمة الحق تطلع من فمي مهما كان الثمن.
قلت بصوت واضح، قوي، مفيهاش أي تردد مش هخرب فرحة حد يا بابا.. لأن الفرحة دي كانت من أولها مش فرحتي، ولا فرحة ابني. أنا جيت هنا كل سنة، وأتحمل كل كلمة، وكل نظرة، وكل ظلم، عشان كنت فاكرة إن الحب اللي بين الأهل بيفضل فوق كل حاجة. بس النهاردة اتأكدت إن الحب ده مش متبادل.. إن الحب هنا بيتقاس بالحظوة، والقرب من العين، وإن العدالة ملهاش مكان في قلوبكم.
بصت لماما وقلت لها بصوت ناعم لكنه قوي يا ماما.. أنا بحبك من كل قلبي، وكنت مستعدة أضحي بحياتي عشان ترضيني. بس ليه بتعاملي ياسين كده؟ هو ذنبه إيه؟
هو جالك بهدومه النظيف، وجابلك التتبيلة اللي تعب وعملها بإيده الصغيرة، وكل أمله إنك تفرحي بيها. وإنتي رميتيها في الزاوية كأنها حاجة عديمة القيمة، وعملتيه يشوف إنه أقل من غيره، وإن مجهوداته ما تعنيلكش حاجة. وآخر حاجة حرمتيله الرقاق؟ الرقاق اللي هو كان مستنيه من الساعة الصبح، وبيحاول يخدم ويقول كلام طيب عشان يرضيكم؟ وده كله قدام الكل، عشان تكسري كرامته قدام ولاد منة؟
ماما كانت عايزة تتكلم، بس كملت قبلها لا يا ماما، اسمعيني للآخر. عمر وملك غاليين عليا زي ياسين، ولا فرق بينهم عندي. بس الفرق الكبير ده من عندكم انتو.
أنا مش بطلب إنكم تكرهوا حد، بس بطلب إنكم تكونوا عادلين. الطفل ده قلبه أبيض ومش شايل شر لحد، وانتو بتبنوا في قلبه جروح مش هتتداوى بسهولة. كل نظرة استهانة، وكل كلمة جارحة، بتعلمه إنه مالهش قيمة، وإن مهما عمل، عمره ما يوصل لمستوى غيره. وده مش صح، وده مش تربية، وده مش أهلية.
بعدين بصت لبابا وقلت له يا بابا.. انت طول عمرك بتقول لنا كلام عن العدل والكرامة، وإن الراجل لازم يخلي كلمته فوق كل اعتبار. وانت اللي قلت لياسين إنكم هتشووا مع بعض، وانت اللي وعدته. ليه خليته يحس إن وعودك مجرد كلام؟
ليه سمحت إن الكلام يتقال له بالطريقة دي؟ انت عارف إن ياسين بيحبك ومش بيتمنى غير رضاك، وانت بتكسر خاطره كل مرة بتفضل غيره عليه.