كان يوم عادي، وأنا بتمشى في المول، وفجأة لقيت ست في أواخر الأربعينات اندفعت ناحيتي من غير أي مقدمات، ورفعت إيديها وضـ,ـربتني قلم خلّى الدنيا تلف قدام عيني، وهي بتصرخ بأعلى صوتها
يا ناس! أنا هربي البنت دي! دي اللي خطفت جوزي وخرّبت بيتي! النهارده هعرفها مقامها!
فضلت واقفة مكاني ثواني مش مستوعبة اللي حصل، وحطيت إيدي على وشي وأنا ببص للست. كانت لابسة فرو غالي، وحاطة سلسلة دهب تخينة في رقبتها، وشكلها من بعيد يوحي إنها ست مرتاحة مادياً.
قلت لها وأنا بحاول أفهم
حضرتك بتكلمي مين؟ شكلك لخبطتِ بيني وبين واحدة تانية.
لكن بدل ما تهدى، زادت شراسة.
هجمت عليا، ومسكت شعري بكل قوتها وشدته لورا، ولسانها ما بطلش شتيمة.
يا قليلة الأدب… يا خرابة البيوت… يا وسخة!
وفي نفس الوقت فضلت تنادي بصوت عالي
تعالى يا ناس شوفوا المصيبة… تعالى شوفوا الست اللي سـ,ـرقت جوزي!
الناس بدأت تتجمع حوالينا بسرعة.
كل واحد واقف بيتفرج، وفيه اللي بدأ يشاور عليّا ويتكلم، لكن ولا شخص واحد حاول يبعدها عني.
كنت هفتح بقي علشان أشرح، لكن فجأة افتكرت كام قصة قريتها قبل كده على الإنترنت.
قصص عن عصابات بتخطف البنات في الشارع.
مرة يمثلوا إن البنت حرامية.
ومرة يقولوا إنها مرات واحد هربانة.
ومرة يتهموها إنها مجنونة بتحاول تخطف طفل.
وفي الآخر، وسط الزحمة والناس اللي بتصدق أي حاجة، البنت بتختفي.
في اللحظة دي، قلبي وقع.
قلت لنفسي…
يا نهار إسود…
أنا وقعت في إيد عصابة خطف.
ولو خدوني…
يمكن عمري ما أرجع أشوف بيتي تاني.
يمكن يبيعوني في مكان محدش يعرف أوصله.
يمكن حياتي كلها تنتهي النهارده.
الفكرة دي خلت الرعب يتحول لغضب.
بصيت بسرعة على الست اللي ماسكة في شعري.
رغم إنها لابسة لبس غالي، إلا إن إيديها كانت خشنة بشكل غريب.
جلدها متشقق.
وفيه كالو واضح بين الإبهام والسبابة.
الإيد دي مش إيد واحدة عايشة في نعيم.
دي إيد واحدة متعودة على الشغل الشاق.
كل شكوكي زادت.
وقررت إني مش هفضل أشرح ولا أبرر.
وأول ما فتحت بقها علشان تكمل شتايم…
مديت إيدي ومسكت شعرها أنا كمان.
وشديته بكل القوة اللي عندي.
آاااه!
صرخت صرخة عالية.
واضح إنها ما كانتش متوقعة إني أرد.
كانت فاكرة إني هقعد أعيط.
أو أرجّي الناس يصدقوني.
أو أفضل أقول
والله أنا معرفهاش.
لكن أنا ما عملتش أي حاجة من دي.
أنا ضـ,ـربت.
بمجرد ما شديت شعرها، إيديها ارتخت عن شعري.
جسمها مال لقدام، وكانت هتقع على ركبها.
استغليت اللحظة فوراً.
لفيت دراعي حوالين رقبتها من ورا.
وثبتها بكوعي بكل قوتي.
رجليا كانت بتترعش.
لكن ما كنتش قادرة أسيبها.
لأني كنت حاسة إن أول ما أفلتها…
مش هرجع البيت تاني أبداً.
الست بدأت تصرخ بصوت مبحوح
إنتِ بتعملي إيه؟ يا قليلة الأدب! خطفتي جوزي ولسه بتمدّي إيدك عليّا؟!
وبعدين صرخت في الناس
الحقوني! امسكوا البنت دي!
واحد من الواقفين قال
يا بنتي، مهما حصل، اللي بتعمليه ده غلط… سيبي الست.
واحدة تانية قالت
بصراحة شكلك صغيرة ومحترمة… إزاي توصلي لكده؟
ورجل من وسط الناس تمتم
لبسها أصلاً يبين إنها مش محترمة.
الكلام بدأ يزيد.
وفيه ناس بدأت تشمر هدومها وكأنها داخلة تساعد الست.
لكن أنا ما كنتش عارفة…
هل دول فعلًا ناس طيبين؟
ولا شركاهم؟
وكنت متأكدة من حاجة واحدة…
لو حد منهم وصل لي…
أنا خلصت.
من غير ما أفكر، مدت إيدي ناحية دبوس الشعر المعدني اللي كنت مثبتاه في شعري.
ولأول مرة حسيت إن حظي حلو، لأني اخترت ألبسه النهارده مع الفستان. كان طويل، وطرفه حاد.
رفعته قدامهم وأنا بصرخ بكل صوتي
محدش يقرب! والله اللي هيقرب خطوة واحدة هطـ,ـعن الست دي!
في لحظة واحدة، الناس كلها رجعت لورا.
الراجل اللي كان بيمد إيده ناحيتي سحبها بسرعة، وقال وهو بيبصلي بخوف
دي مجنونة!
أما الست، ففضلت تصرخ وهي بتحاول تفلت من تحت دراعي
الحقوني! دي هتمـ,ـوتني! البنت دي مجنونة!
رغم الخوف اللي كان جوايا، لقيت نفسي بضحك.
كنت عارفة إن منظري دلوقتي مرعب.
شعري منكوش.
وهدومي اتبهدلت.
وعيني مليانة خوف وغضب.
أكيد أي حد يبصلي هيقول إني هربانة من مستشفى أمراض نفسية.
قربت منها وهمست بصوت سمعه اللي حوالينا
طالما بتصرخي الحقوني… ليه مش بتصرخي حد يبلغ الشرطة؟
وبعدين كملت وأنا ببص في عينيها
ولا عندك حاجة خايفة الشرطة تعرفها؟
وشها اتشنج للحظة.
لكنها بسرعة استجمعت نفسها، وبدأت تعيط بصوت أعلى
يا ناس! البنت دي بتتبلى عليّا! أنا تعبت مع جوزي سنين… اشتغلنا وكافحنا لحد ما بقينا واقفين على رجلينا… وهي جت خطفته مني! اشترالها دهب وهدوم وفلوس… ولسه جاية تضـ,ـربني!
كانت بتتكلم بذكاء.
اختارت الكلمات اللي أي حد يسمعها يتعاطف معاها فورًا.
زوجة اتظلمت.
وجوز خاين.
وبنت خطفت راجل من مراته.
بمجرد ما خلصت كلامها، الناس بدأت تنقلب عليّا.
واحد قال
يا خسارة التربية… البنات بقت تعمل أي حاجة.
واحدة قالت
صوروها وانشروا صورتها… خلي شغلها يعرف حقيقتها.
وراجل وقف يطمني الست
متخافيش يا حاجة… إحنا كتير، وهي مش هتقدر تعمل حاجة.
وسط الزحمة، خرجت ست قصيرة، شعرها مقصوص، وماسكة شنطة قماش بتاعة السوق.
بدأت تصرخ هي كمان
يا جماعة امسكوها! متسيبوهاش تهرب! حتى لو معاها سـ,ـلاح، كلنا نمسكها مرة واحدة!
وقتها بصيت فيها كويس.
الكلام اللي بتقوله كان منظم بشكل غريب.
وكأنها عارفة هتقول إيه من قبل ما تيجي.
وفي نفس اللحظة، لمحت الست اللي في حضني وهي بتبصلها بسرعة بطرف عينها.
كانت نظرة صغيرة جدًا…
لكنها كانت كفاية.
في اللحظة دي فهمت.
الست دي مش واحدة من الناس اللي اتجمعت.
دي معاهم.
من غير تردد، زقيت رأس الست اللي ماسكاها بكل قوتي ناحية السور الزجاجي.
طاخ!
صوت الخبطة دوّى في المكان.
جبينها اتفتح، والدم بدأ ينزل على وشها.
كل اللي كانوا من شوية بيشجعوا الناس يهجموا…
سكتوا مرة واحدة.
شددت دراعي حوالين رقبتها أكتر، وبصيت مباشرة للست اللي كانت ماسكة شنطة السوق، وصرخت
بلغوا الشرطة!
يلا… حد يتصل بالشرطة!
الست اللي معايا بدأت ترتعش، وصرخت هي كمان
حد يبلغ الشرطة… الحقوني!
الناس لأول مرة بدأت تحس إن الموضوع مش طبيعي.
فيه كذا واحد طلع موبايله.
وأنا كل أملي إن حد فعلًا يكون بيتصل.
أنا ما كنتش خايفة من الشرطة.
أنا كنت خايفة إنها تيجي بعد فوات الأوان.
بصيت للست وقلت بصوت واطي
بتقولي إني خطافة رجالة؟ ولسه عايزين تمسكوني؟
وبعدين كملت
فاكراني معرفش لعبتكم؟ واحدة تتهمني قدام الناس، والباقي يمثلوا إنهم شهود ويشدوني بعيد… وبعدها أختفي، ومحدش يعرف أنا روحت فين.
صرخت في وشي
كدابة!
ابتسمت وأنا برد
طب لو أنا كدابة… إنتِ مرعوبة ليه؟
في اللحظة دي، جري علينا أفراد أمن المول.
وقفوا بعيد شوية، وأحدهم قال بهدوء
يا آنسة… اهدي بس، وسيبي الست، وكل حاجة هتتحل.
لوحت بدبوس الشعر في الهوا وقلت
محدش يقرب! مين يضمن إنكم مش معاهم؟
وقفوا مكانهم، واضح إنهم اترددوا.
لفيت بصري وسط الناس، ووقفت عند بنت صغيرة لابسة نضارة.