ولدت انا وسلفتي في نفس اليوم

مدير المستشفى كان واقف ومعاه اتنين من الأمن بيحاولوا يكسروا باب أوضتي اللي أسماء قفلته من جوه، وندى وحماتي واقفين بيصرخوا. شريف صرخ بصوت هز الدور كله: “ااااقف مكانك أنت وهو!” الكل اتلفظ وراهم. شريف قرب ورفع التقرير المطبوع والفلاشة في وش مدير المستشفى والجميع: “التقرير الأصلي لسيرفر العمليات اتطبع وتوثق قبل التحديث بـ 3 دقائق! ابني أنا هو الطفل السليم اللي فصيلة دمه A positive.. وابن ندى هو الطفل المريض!” ندى وشه باخ كأنها شافت شبح، وراجعت خطوتين لورا وهي بتنكر بهستيريا: “كذب! ده ورق متزور! أنت اشتريت المهندس تحت!”

شريف بصلها ببرود وقسوة وقال: “التقرير فيه الختم الإلكتروني للسيستم، والنيابة العامة هي اللي هتفتح الفلاشة دي دلوقتي.. وبالمناسبة، النجدة والشرطة على أبواب المستشفى حالياً!” ساد صمت قـ,ـاتل في الممر.. مدير المستشفى وشه بقى أبيض زي الورق وبص لندى ولأم أحمد بغضب مكتوم: “انتي دبستيني يا ندى هانم في مصيبة!” وفجأة.. الباب اتفتح، وخرجت أنا وأنا شايلة الطفل اللي معايا، وبصيت لندى في عينيها بثبات وقوة وقُلت: “النهار طلع يا ندى.. واللعبة بتاعتك انكشفت.” نزلت كلمة “الشرطة” على الممر زي الصاعقة. مدير المستشفى كان بيعرَق بغزارة، وبص لندى ولأم أحمد وكأنه بيشوف مشنقته بتتجهز قدام عينيه.

أم أحمد انهارت ووقعت على الأرض وهي بتصرخ وتتوسل: “والله ما كان قصدي يا شريف بيه! هي ندى هانم اللي ضحكت عليا وإدتني مية ألف جنيه عربون ووعدتني بثلثمائة ألف بعد ما العملية تكتمل! هي اللي قالتلي إن الفلوس دي مش هتتضر حد وأن أهلك أصلًا أغنياء وتقدروا تعالجوا الولد برة!” حماتي الحاجة نادية اتسمرت مكانها، وبصت لندى بصدمة ومش قادرة تستوعب: “أنتِ تعملي كدة يا ندى؟! أنتِ تخوني شرف العيلة وتدبسي ابن نيرمين في المرض وتسـ,ـرقي عيل مش بتاعك عشان الفلوس؟!”

ندى لما لقيت الكروت كلها اتكشفت وأم أحمد اعترفت عليها، وشه اتغير تماماً.. الابتسامة المكسورة والدموع اختفوا في ثانية، وحل محلهم غل وشر رهيب. بصتلي بنظرة كلها كره وقالت بصوت مليان سم: “أيوه عملت كدة! اشمعنى أنتِ؟! اشمعنى أهلك يعملوا لابنك صندوق ائتماني بالملايين ويضمنوا له مستقبله قبل ما يتولد، وأنا ابن حسام يتولد مريض بالضمور الشوكي وما نلاقيش ثمن الحقنة اللي بمليارات؟! أنا ابني كان هيضيع، وما كانش قدامي غير إن ابنك هو اللي يشيل المرض مكان ابني!”

شريف قرب منها ونظراته كفيلة تحرقها: “أنتِ مش مجرد مريضة بالغل.. أنتِ مجرمة وسارقة! والطفل اللي في حضنك ده ابني أنا ونيرمين، ورجليه مش هتعتب المستشفى دي معاكي!” في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينات عربيات الشرطة وهي بتهز الشارع برة المستشفى، وأصوات أقدام الضباط وهي طالعة على السلم بسرعة. مدير المستشفى حاول يلحق نفسه، ومسك تليفون الأوضة يكلم الأمن الداخلي أو يغير أقواله، بس محمود صاحب شريف زقه بعيد وقفل خط التليفون. دخل ضابط الشرطة ومعاه قوة من الأمناء، وبص للمنظر في الممر: “مين شريف الشناوي اللي طلب النجدة للبلاغ عن تزوير وتبديل مواليد؟”

شريف تقدم بثبات ورفع الفلاشة والورق المطبوع من السيرفر: “أنا يا فندم.. ودي الأدلة الرسمية الموثقة بالختم الإلكتروني من سيرفر المستشفى الرئيسي بتثبت التزوير، ومعايا اعتراف الممرضة أم أحمد المباشر قدام الكل.” أم أحمد زحفت على أقدام الضابط وهي بتعيط: “أنا هعترف على كل حاجة يا باشا! ندى هانم والدكتورة نهى بتوع المعمل هما اللي اتفقوا معايا!” الضابط شاور للأمناء: “اتقبض على الممرضة أم أحمد، وهاتوا الدكتورة نهى من المعمل تحت، ومدير المستشفى يتحفظ عليه فوراً للتحقيق!”

ندى لما شافت الكلبشات بتطلع، اتجننت وحاولت تجري بالطفل السليم اللي في حضنها ناحية السلم الخلفي! بس حسام جوزها وقف في طريقها، ومسك إيدها بقوة وهو عيونه دموع وكسرة: “أنتِ رايحة فين يا ندى؟! أنتِ وصلتينا للقاع ودمرتي اسم العيلة وحياة ولادنا!” شد حسام الطفل السليم من حضن ندى بالراحة وهو بيعيط، وتسلمه لشريف بقلب مكسور: “سامحني يا شريف.. والله ما كنت أعرف حاجة عن القذارة دي كلها.” شريف أخد ابنه السليم في حضنه، وجاب الطفل المريض وسلمه للممرضات تحت إشراف الشرطة عشان يتحط في العناية المركزة الخاصة بالأطفال فوراً.

الضابط كلبش إيد ندى، وهي بتصرخ وتسب في الجميع وهي بتتسحب برة الممر: “مش هسيبكم يا نيرمين! مش هسيبكم تفرحوا بالولد والفلوس!” بعد ما الهدوء رجع للممر، شريف دخل الأوضة وهو شايل ابننا السليم، وقرب مني.. أنا كنت واقفة ومسكت ابني بدموع فرحة وارتياح، ورسيت راسي على صدره وأنا بضمه بقوة. بصيت لكعب رجله الصغير.. ولقيت الوحمة البيضا الصغيرة اللي زي النجمة على كعب رجله اليمين! شريف باس راس ابني وراسي وقال بنبرة مليانة حب وامتنان: “الحمد لله يا نيرمين.. حق ابننا رجع، والشر اتكشف.”

بس وأنا باصة للولد وهو نايم في حضني بسلام، افتكرت كلام ندى وهي بتتسحب بالكلبشات.. وافتكرت نظرة عين الحاجة نادية حماتي اللي كانت واقفة في الزاوية بتتابع كل حاجة بصمت غريب وغموض بعد ما ندى اتأخدت. لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في المستشفى.. الصدمة بدأت بعد أسبوعين، لما رجعنا البيت مع المولود، ووُصلنا جواب رسمي ومظروف مغلق من المحكمة، يطالبنا بإجراء تحليل DNA جديد بالكامل بناءً على طـ,ـعن وقض*ية جديدة اترقعت ضدنا من طرف ما كناش نتوقعه أبداً!

استلم شريف المظروف الرسمي اللي عليه شمع المحكمة الأحمر، وإيده كانت بتترعش وهو بيفتحه. أنا كنت واقفة جمبه شايلة ابننا، وقلبي مقبوض كأن الكابوس رفض ينتهي مع خروج ندى بالمكلابش من المستشفى. شريف قرأ الجواب، ووشه باخ تماماً وبقت عينيه تزيغ بين السطور: “طعـ,ـن في نسب المولود وطلب إعادة تحليل الـ DNA بصورة مستعجلة تحت إشراف الطب الشرعي… المتقدم بالطلب: الحاجة نادية!” أنا صرخت بصوت مكتوم: “حماتي؟! الحاجة نادية هي اللي رافعة الق*ضية دي؟!” في نفس اللحظة، الباب اتفتح بدفعة قوية، ودخلت الحاجة نادية ووراها حسام أخو شريف اللي كان شكله مكسور ومطأطأ راسه للأرض.

شريف اتنفض ورفع الورقة في وش أمه: “أنتِ بتعملي إيه يا أمي؟! أنتِ بتطعـ,ـني في شـ,ـرف مراتي ونسب ابني بعد كل اللي عدى عليه في المستشفى وبعد ما الشرطة والطب الشرعي أثبتوا كل حاجة؟!” الحاجة نادية وقفت بثبات غريب، ونظراتها لينا كانت أبرد من التلج، وقالت بنبرة حادة خالية من أي رحمة: “أنا ما بطلعش في شرف حد يا شريف.. أنا بحمي حق عيلة الشناوي وبحمي اسم أباك المرحوم! أنت فاكر إني كنت نايمة على وداني طول الأسبوعين اللي فاتوا؟”

قربت مني خطوات وركزت عينها في عيني وقالت بابتسامة خبيثة: “ندى المجرمة أخدت جزاها ورا الشمس، ماشي.. بس ندى وهي محبوسة في التخشيبة بعتتلي رسالة مع المحامي بتاعها، رسالة فيها سر أنتِ يا نيرمين كنتِ فاكرة إن محدش يعرفه غيرك أنتِ وأهلك!” جسمي اتخشب، والدم جف في عروقي وأنا بصة لها برعب. الحاجة نادية كملت بثقة وشماتة:

“ندى كشفت لي إنك قبل ما تتجوزي شريف بسنة، كنتِ متجوزة بعقد عرفي سرًا في الساحل من رجل أعمال أجنبي وسافرتي معاه برة مصر ست شهور، وإن الحمل ده أصله مش من شريف.. وإن الصندوق الائتماني الصخم اللي أهلك عملوه للمولود ده، ما اتعملش من فلوس أهلك أصلاً! ده اتعمل بفلوس رجل الأعمال ده عشان يغطي على نسب العيل ويضمن إن ابن شريف الشناوي يتربى بفلوس غيره!” شريف اتجنن وصرخ في أمه: “كذب! أمي أنتِ بتصدقي كلام واحدة مجرمة ومحبوسة بتنتقم مننا عشان بوظنا خطتها؟!”

الحاجة نادية طلعت من شنطتها ملف أوراق وصور ورمتهم على الترابيزة: “أنا ما بصدقش كلام يا شريف! الأوراق دي فيها صورة العقد العرفي القديم، وفيها تحويلات الصندوق الائتماني اللي جاية من بنك أوف أمريكا باسم الشخص ده! نيرمين استغلت إنك بتحبها وجوزتك عشان تلبسك الولد وتعمل لنفسها ست شريفة!” شريف مسك الورق وبدأ يقرأ بذهول، وعينيه بدأت تروح وتيجي عليا وهي بتتملي بشك قـ,ـاتل: “نيرمين.. انطقي! الورق ده إيه؟ والعقد العرفي ده بتوقيعك فعلاً؟!” أنا الدموع نزلت من عيني زي المطر، وبصيت لشريف بكسرة وقولت بصوت بيترعش:

“شريف.. اسمعني، الورق ده نص حقيقة ومصنوع منه كذبة كبيرة! أنا فعلاً اتدبست في الزواز ده وأنا صغيرة وأهلي فسخوه ومسحوا كل حاجة، لكن الصندوق الائتماني والولد ده…” الحاجة نادية قاطعتني بقسوة وصرخت: “المحكمة هتفصل بيننا يا نيرمين! الطب الشرعي هيسحب عينة من شريف وعينة من الولد يوم الأحد الجاي.. ولو طلع الولد مش ابن شريف، مش بس هتترمي في الشارع بالهدوم اللي عليكِ، أنتِ وهتاخدي حكم بالسجن بتهمة التزوير ونسب طفل لغير أبوه!” خرجت الحاجة نادية ووراها حسام، وسابوا الباب مفتوح.

الأوضة سادها صمت يق*تل.. شريف كان واقف يبص للورق اللي في إيده، وبعدها بص لي وللمولود اللي في حضني ونظرة الحب اللي في عينيه اختفت تماماً وحل محلها جدار عازل من الشك والتائه. شريف قال بصوت واطي ومكسور: “نيرمين.. اسيبك في البيت هنا لحد يوم الأحد.. ما تخرجيش من باب الشقة، والطفل ده ما يتحركش من هنا.. ولحد ما نتيجة الطب الشرعي تطلع، أنتِ مش مراتي.” سابني وشريف خرج وقفل الباب وراه بصوت هز أركان البيت.

بقيت لوحدي في الضلمة، ماسكة ابني وببص في وشه الصغير.. وعرفت إن ندى وهي جوة السجن سابتلي لغز وقنبلة موقوتة أكبر بكتير من لعبة المستشفى. الأحد الجاي هو اليوم اللي هيتحدد فيه مصيري.. إما أثبت إن ابني هو سليل عيلة الشناوي.. أو ينكشف السر اللي أنا نفسي ما كنتش أعرف إنه متخبي جوة تحليل الـ DNA! مرت الأيام لحد يوم الأحد وكأنها دهور. كنت قاعدة في صالة العرض بالطب الشرعي، ماسكة ابني بين إيديا وبحميه بنظراتي من عيون الحاجة نادية اللي كانت قاعدة قصادي بثقة وشماتة، وشريف قاعد على مسافة مني، وشه باهت وعينيه مليانة انكسار وحيرة.

ساد الصمت التام لما الباب اتفتح، ودخل الطبيب الشرعي ومعاه المظروف المكتوم عليه بالشمع الأحمر. وقفت الحاجة نادية فوراً وقالت بثقة:

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
28