جوزى كان بيكلم واحده تانيه

جوزي وشه اتخطَف، وبقى لونه أصفر زي الليمونة، وبدأ يتلعثم ويقول: “قبض؟ قبض إيه يا فندم؟! في إيه؟ أنا عامل إيه؟” الأمين رد عليه وهو بيكلبشه: “هتعرف كل حاجة في القسم.. اتفضل معانا من غير شوشرة”. بص لي وهو بيتسحب من وسط الصالة، وعينه كانت مليانة رعب وزهول، كأنه بيستنجد بيا أو بيحاول يفهم أنا عملت إيه.. وأنا؟ أنا كنت واقفة في وسط الصالة، نفس الصالة اللي صورني فيها وأنا بطبخ غفلة، وبصيت له بابتسامة برود ونظرة مكسرتش، وقلت له بصوت واطي سمعه هو بس: “سلم لي على الفضول يا حبيبي”.

نزلوا بيه على السلم، وصوت جرجرة رجليه والكلبشات في إيده كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي. أول ما باب الشقة اتقفل، رجلي مأشالتنيش.. قعدت على أقرب كرسي وفضلت أتنفس بصعوبة، كأني كنت غرقانة وتحت المية بقالي شهور، ولسه حالا واخدة نفس طويل. مفاتش ساعتين، وتليفوني رن.. كان رقم حماتي. رديت وأنا مجهزة نفسي. صوتها كان جاي مولع نار، بتصرخ وبتلطم: “إلحقينا يا بنتي! جوزك اتقبض عليه من وسط الشارع والناس بتتفرج! راحوا بيه على القسم وبيقولوا قض*ية إنترنت.. أنتِ عندك علم باللي بيحصل ده؟”

رديت عليها بمنتهى البرود والهدوء اللي في الدنيا: “آه يا طنط، عندي علم.. أنا اللي حبسته”. الست صدمتها خلتها تسكت ثواني مش قادرة تنطق، وبعدين بدأت تشتم وتدعي عليا: “تخربي بيت جوزك يا فاجرة؟ تحبسي أبو عيالك؟ عشان إيه؟ عملك إيه لكل ده؟”

قلت لها وصوتي بدأ يعلى ويتحول لحديد: “ابنك المصون كان بيصورني في أوضاع لا تصلح وأنا نايمة وأنا في المطبخ بجلابية البيت، وبيبعتها لعشيقته الهانم عشان يتسلوا بيا، والهانم نزلت صوري على الفيس بوك وفضحتني قدام أهلي وناسي وشككتوني في شرفي! ابنك اللي بتقولي عليه راجل، مأصانش عرضه ولا صان بيته.. روحي ادعي عليه هو يا طنط، عشان ابنك مش بس خاين، ده قليل الأصل كمان.. وأنا مش هتنازل عن المحضر لو انطبقت السما على الأرض”. وقفت السكة في وشها قبل ما تسمع ردها.

تليفوني مأبطلش رن.. أهلي اللي كانوا مقاطعني وبيصرخوا في وشي بسبب الصور، عرفوا باللي حصل، وأخويا كلمني وهو صوت عياطه جايب آخره من الندم: “سامحينا يا بنتي، إحنا اضحك علينا.. إحنا فكرنا فضحتينا، مكنّاش نعرف إنك متجوزة ندل وخسيس بالشكل ده! أنا جيلك حالا ومش هسيبك”. قلت له: “تجيلي فين يا أخويا؟ أنا رايحة وراهم على النيابة.. عايز تقف معايا بجد؟ تعالى ورايا هناك عشان تشوفوا غسيل عاركم بيتمسح بالقانون”. لبست ونزلت ورحت على سرايا النيابة.. وهناك كانت المواجهة التانية اللي كنت مستنياها بفارغ الصبر.

قعدت في الممر مستنية دورنا في التحقيق، ولمحتهم وهم جايبينه.. كان مكلبش، وعينه في الأرض، ووشه خالي من أي ذرة رجولة. وجنب منه، كانت واقفة ست تانية، شكلها متلقح من بره، باين عليها الرخص، والكلبش برضه في إيدها.. عرفت فوراً إنها هي! هي دي صاحبة “الفضول القاتل”. أول ما عينه جت في عيني، حاول يقرب مني وهو بيعيط زي العيال الصغيرة: “سامحيني يا رودينا أنا الشيطان غواني، والله مكنت أعرف إنها هتعمل كده وتنشرهم! أنا كنت بتباهى بيكِ قدامها.. سامحيني وماتخربيش بيتنا!”

بصيت له وبصيت للست اللي جنبه اللي كانت بتبص لي بغل وخوف في نفس الوقت، وقربت منهم خطوتين، وقلت لها بكسرة عين: “أهو وراني شكلي وحياتي في البيت وأنا مش واخدة بالي.. تفتكري النيابة بقى هتوريكِ شكل السجن من جوه وإنتِ واخدة بالك؟” العسكري شدّهم هما الاتنين ودخلوا مكتب وكيل النيابة، وأنا قعدت بره، حاطة رجل على رجل، ومستنية كلمة واحدة بس تبرد ناري: “حبس 4 أيام على ذمة التحقيق”. وكلمة “حبس 4 أيام على ذمة التحقيق” مأخرتش كتير.. طلعت من جوه المكتب زي حكم الإعدام عليه وعلى الهانم بتاعته.

أول ما سمعت الكلمة، حسيت إن روحي ردت فيّ، وناري اللي كانت قايدة بقالها أيام بردت وبقت رماد. بصيت عليه وهو خارج من المكتب مع العسكري، كان مكسور، عينه متثبتة في الأرض، والدموع نازلة على وشه زي العيل اللي تاه من أمه. أما الهانم، فكانت ماشية جنبه ووشها متداري بالطرحة، بتحاول تستخبى من نظرات الناس في الممر، بعد ما كانت مستبيحة لحمي وعرضي وصوري لكل من هب ودب على النت. حاول يلتفت لي وهو بيتسحب لزنزانة الحجز، وصوته طالع مخنوق: “عشان خاطر عيالنا يا فلانة.. بلاش فضايح، أنا هطلقها وهعمل لك كل اللي أنتِ عايزاه، بس تنازلي!”

رديت عليه بنظرة خالية من أي مشاعر، نظرة موتت جوايا كل السنين اللي عشتها معاه تحت سقف واحد: “عيالنا؟ أنت مأفكرتش في عيالك وأنت بتصور أمهم غفلة وتبعت لست غريبة تتفرج عليها وتعايرها؟ أنت مأفكرتش في فضايحهم لما خالهم وعمهم والناس في الشارع يشوفوا صور أمهم بلبس البيت؟ أنت اللي فضحتنا.. ودلوقتي هتدفع الثمن”. العسكري زقه وقاله: “امشي يا متهم من غير كلام.. قدامي!”

خرجت من سرايا النيابة وأنا رافعة راسي، لقيت أخويا وأمي واقفين مستنييني بره، أول ما شافوني أمي أخدتني في حضنها وقعدت تعيط وتدعي على اللي ظلمني، وأخويا مسك إيدي وقال لي وصوته مخنوق بالندم: “حقك علينا يا خيتي.. إحنا اضحك علينا والشيطان دخل بيننا، بس من النهار ده مالكيش قعاد في بيته، حاجتك وهدومك هتوصل لحد بيت أبوكِ ورجلك فوق رقبتنا”.

قلت له وأنا بمسح دموع أمي: “أنا مش هسيب بيتي يا أخويا.. البيت ده بيتي وبيت عيالي، وهو اللي هيخرج منه على السجن، ومن السجن على الشارع.. أنا هرفع قض*ية طلاق للضرر، وهآخد كل مليم وكل حق ليا ولعيالي بالقانون.. الندل ده مأيلزمنيش، والصفحة دي اتقفلت من حياتي لِلأبد”. رجعت بيتي في ليلتها، دخلت الصالة، مكنتش حاسة بالخوف ولا بالوحدة.. بالعكس، كنت حاسة بنظافة. قعدت في المطبخ، عملت كوباية قهوة مظبوطة، وقعدت أشربها وأنا ببص حواليا براحة مأحستهاش من يوم ما المصيبة دي بدأت.

التليفون في إيدي نور.. كانت رسالة من محامي مباحث الإنترنت بيطمني إن القض*ية متقفلّة بالدليل المادي، وإن العقوبة هتكون رادعة للاتنين بتهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة والتشهير. قفلت التليفون، وبصيت من البلكونة على الشارع، وأنا بأخذ نفس طويل، وكأني بتولد من جديد.. الحكاية مكنتش حكاية خيانة، الحكاية كانت درس لكل واحد فاكر إن حيطان البيوت مالهاش صاحب، وإن الست الحرة ممكن تتكسر لو جوزها باعها.. أنا مبِعتش، أنا حاربت، وكسبت شرفي وكرامتي بالقانون.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0