دهبي مني السيد

بنتي اللي كانت قاعدة في ركن الصالة قامت وقفت، عيونها كانت بتطلع شرار:
* “عزت؟ ده اللي كان زميلك في الجامعة يا محمد؟ اللي كنت بتعتبره أخوك؟”
ابني سكت، وشوشته كانت مليانة بصدمة ما بعدها صدمة.
* “أيوة هو.. بس ليه؟ ليه يعمل كدة؟ كان بياخد مني فلوس ويقولي إني شريك، طلع بيسحب مني عشان يغرقني؟”
الراجل كمل بمرارة:
* “مش بس عشان الفلوس يا ابني، في ‘تار’ قديم بينه وبين أبوك.

عزت ده كان ابن واحد أبوك كان شريكه من سنين، ولما حصلت مشاكل في الشركة والشركة اتصفت، أبوك خرج بقرشين، وأبوه خسر كل حاجة وانتحر بعد ما اتسجن في ديون. عزت كبر على الحقد، وكان مستني اللحظة اللي يك.سر فيها عيلة أبوك.. وبما إنك كنت الأضعف والأكثر اندفاعاً، كنت أنت هدف الخطة.”
بصيت لجوزي، كان قاعد وشه ميت.. شاحب جداً. ماقدرش يتكلم، كان بيبص في الفراغ وكأن شريط حياته كله بيعيد قدامه.
* “يا حاج.. الكلام ده صح؟ إنت خبيت علينا إيه؟”
جوزي هز راسه ببطء، صوته كان زي خروشة ورق الشجر:

* “كنت فاكر إني قفلت الصفحة دي.. كنت فاكر إني سددت ديون الدنيا لأبوه، بس الظاهر إن الحقد مبيتشبعش.”
في اللحظة دي، البيت كله اتحول لمكان تاني خالص. كل غصة وكل وجع عشناهم، كل خسارة، وكل “كلمة وحشة” قلناها لبعض، اتضح إنها كانت “وقيعة” مدروسة. عزت ما ك.سرش ابني بس، ده ك.سر البيت كله، ك.سر العلاقة بيني وبين بنتي، ك.سر صحتي وصحة أبوها.
بنتي بصت للراجل وسألته بحدة:
* “وأنت؟ إنت كنت بتعمل إيه معاه؟ وليه جاي دلوقتي تتكلم؟”
الراجل نزل راسه في الأرض:
* “لأني بدأت أشوف ولادي في وشوشكم.

شفت الأم اللي بتمو.ت بالبطيء، وشفت البنت اللي خسرت أخوها، وشفت الشاب اللي بقى مريض بالسكر من كتر الهم. عزت دلوقتي بيخطط لحاجة تانية، عايز يشتري البيت ده، البيت اللي أنتم ساكنين فيه، عشان يطردكم منه ويذلكم في الأرض.”
حسيت ببرودة في جسمي كله. “يطردنا من بيتنا؟”
قمت وقفت، وبقيت حاسة بقوة غريبة، قوة الأم اللي بتحمي بيتها.
* “مش هيحصل.. طالما فينا نفس، مش هيحصل.”
ابني قام وقف، مسح دموعه، وبص لعزت اللي في خياله:
* “خلاص، كفاية لحد كدة. أنا كنت بلوم نفسي، بس دلوقتي عرفت إن العدو كان جنبي ومكنتش شايفه.

يا جماعة، مفيش وقت للندم، لازم نتحرك.”
بنتي مسكت إيدي وقالت:
* “يا ماما، إحنا محتاجين نكون أقوى من كدة. عزت عايز يشوفنا مكسورين، عايز يشوفنا بننهش في بعض، بس إحنا مش هنعطيه الفرصة دي.”
بدأنا نخطط، بس كان تخطيط من نوع تاني. مش تخطيط انتقام، لأ، تخطيط “كشف”. ابني بدأ يجمع كل الإيصالات، كل الرسائل، كل دليل كان مخليه يثق في عزت. وبنتي، بذكائها اللي مكنتش أعرفه، بدأت تتواصل مع ناس كانوا شغالين مع عزت، وبدأت تجمع شهادات عن طريقته في النصب.
حياتنا في الأسبوع ده كانت زي الجمر.

كنا بنصحى وننام على ريحة الخوف، بس كان معاها ريحة “الأمل”. لأول مرة من سنين، بقينا “عيلة” بجد، بنحارب مع بعض، بنخطط مع بعض، بنسند بعض. حتى أبوهم، قام من سريره، وبدأ يلملم قوته عشان يقف معانا.
في يوم، عزت اتصل بابني. كان صوته فيه نبرة انتصار مستفزة.
* “ها يا محمد.. سمعت إن الدنيا ضاقت عليك. لو عايز مساعدة، أنا موجود.. البيت اللي إنت ساكن فيه ده مكانه جميل، وفكرت أشتريه منك عشان أساعدك تسدد اللي عليك.”
ابني بصلي، ابتسمتله وغمزتله.
* “أكيد يا عزت.. تعالي البيت بكرة، ونقعد ونتفق على السعر.”

لما قفل، البيت كله كان في حالة استنفار. كلنا عارفين إن بكرة ده هيكون “اليوم الفاصل”. مش بس عشان البيت، بس عشان نسترد كرامتنا، عشان نكشف الحقيقة، وعشان نقفل صفحة الحقد دي مرة واحدة وللأبد.
الليل كان طويل، طويل أوي. كنت قاعدة في الصالة، بصيت للصور المعلقة على الحيطة.. صورة فرح بنتي، صورة تخرج ابني، صورنا واحنا صغيرين.
* “يا رب.. أنت عارف نيتنا. مش عايزين نؤذي حد، بس عايزين نعيش في بيتنا بكرامة، وعايزين نستر بنتنا ونرجع لبيتنا الأمان.”
بنتي دخلت عليا، قعدت جنبي، حطت راسها على كتفي.
* “ماما.. أنا مش خايفة.

حتى لو خسرنا البيت، إحنا كسبنا بعض. ده أغلى من أي حيطان.”
بصيت لها، وبستها من راسها.
* “إنتِ أغلى ما عندي يا بنتي. كفاية إنك رجعتيلي، ده عندي بالدنيا وما فيها.”
الساعة بقت 3 الفجر، وما حدش فينا عرف ينام. كل واحد فينا كان بيراجع في عقله “مشهد المواجهة”. عزت داخل البيت، واثق في نفسه، فاكر إنه هيشوفنا بنتحايل عليه عشان يرحمنا. بس اللي ما يعرفوش إننا بقينا “قلب واحد”.
الصبح طلع، نور الشمس دخل من الشباك وكأنه بيوعدنا ببداية جديدة. سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، صوت باب العربية بيتقفل بقوة. عرفت إنه وصل.

بصيت لعيلتي، شفت في عيونهم قوة ما شوفتهاش قبل كدة.
* “جاهزين؟”
كلهم بصوت واحد:
* “جاهزين.”
فتحنا الباب، ولقينا عزت واقف قدامنا، ببدلته الغالية وابتسامته الصفرا المسمومة. دخل البيت ببرود، وكأنه صاحب المكان. قعد على الكرسي، وبدأ يتكلم كأنه بيمضي حكم إعدام علينا.
* “ها يا جماعة.. قررتوا إيه؟ أنا عارف إن الظروف صعبة، وممكن أساعدكم تطلعوا من هنا وتعيشوا في مكان أصغر..”
ابني قاطعه، صوته كان هادي وثابت بطريقة خلته يترعب:
* “قبل ما نتكلم في البيت يا عزت.. عندي شوية ورق عايزك تبص عليهم.”
عزت ضحك بسخرية:

* “ورق إيه ده؟ ديونك؟”
ابني طلع ملف تقيل، رماه على الترابيزة. عزت بص للملف، ووجهه اتغير فوراً. الألوان بدأت تهرب من وشه، إيديه بدأت تترعش.
* “إيه ده؟”
بنتي وقفت قدامه وقالت بصوت قوي:
* “ده تاريخك يا عزت.. كل تلاعباتك، كل اللي سرقته، والراجل اللي فضح كل حاجة. والبوليس عارف كل خطوة بتعملها.”
البيت ساد فيه صمت رهيب، صمت مكنش فيه غير صوت نَفَس عزت اللي بقى سريع ومضطرب. دي كانت اللحظة اللي كنا مستنيينها، لحظة الحقيقة، لحظة المواجهة.. المواجهة اللي مكنتش بس عشان البيت، كانت عشان نسترد روحنا اللي اتسرقت.

عزت حاول يهرب، قام وقف، بس جوزي وقف قدام الباب بصلابة.
* “محدش هيخرج من هنا إلا لما كل حاجة تنتهي.. والعدل يا عزت، العدل له رجالة، والبيت ده مش للبيع.. البيت ده، هو اللي هيدفن حقدك!”
في اللحظة دي، حسيت إن التاريخ بيكتب قصة جديدة لينا. قصة عيلة اتك.سرت، بس قدرت تقوم وتقف على رجليها. لسه فيه الفصل الأخير، لسه فيه “المواجهة النهائية” اللي هتحسم كل حاجة، وهتقول للدنيا كلها.. إن الأصل مبيتمو.تش، وإن الحق بيرجع لأصحابه، لو بعد حين.

عزت كان واقف في نص الصالة، وشوشته بقت ألوان، والملف اللي رماه ابني قدامه كان كأنه قنبلة موقوتة. فجأة، ضحك ضحكة هستيرية، ضحكة واحد مفيش قدامه غير إنه يواجه المصير اللي هو نفسه صنعه.
* “فاكرين إن الورق ده هيعمل حاجة؟ القضاء بياخد سنين، وأنا ورايا اللي يسندني. أنتم ناس غلابة، فاكرين إنكم بكلمتين هتك.سروا هيبتي؟”
بنتي، اللي كانت واقفة زي الملكة، طلعت تليفونها وفتحت تسجيل صوتي. صوت عزت كان واضح وهو بيعترف بكل حاجة لواحد من شركائه في المكالمة، بيشرح له إزاي “دمر عيلة” وأخد فلوسهم، وبيضحك على “الوقيعة” اللي عملها بيني وبين بنتي.

* “سمعت يا عزت؟ ده مش بس ورق، ده صوتك، واعترافك، والشهود اللي مستنيين بره مع ظابط المباحث اللي كان بيسمعنا دلوقتي.”
عزت اتجمد في مكانه. الخوف بدأ ينهش في ملامحه. حاول يندفع ناحية التليفون عشان يخ.طفه، بس جوزي وأخوها كانوا أسرع منه. ابني مسكه من قميصه، صوته كان هادي بس مليان نار:
* “إنت ما دمرتش بس فلوسي، إنت دمرت بيتي، دمرت علاقتي بأختي، وحاولت تذل أبويا وامي. إنت كنت فاكر إنك بتلعب بينا، بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بالنار.. والنار دي دلوقتي هي اللي هتحرقك.”
في اللحظة دي، سمعنا خبط على الباب.

كانت الشرطة اللي بنتي اتفقت معاهم. دخلوا، وخدوا عزت وهو بيصرخ ويهدد، بس تهديداته كانت ميتة، صوتها راح في صدى الحيطان اللي حاول يشتريها بماله الحرام.
أول ما الباب اتقفل وراه، البيت ساد فيه هدوء غريب.. هدوء فيه ريحة طهارة. ابني وقع على ركبه، وبدأ يعيط، مش عياط انكسار زي الأول، لأ، ده كان عياط “تفريغ”. جوزي راح ح.ضنه، وأنا وبنتي وقفنا جنبهم. اللحظة دي كانت أغلى من كل الدهب اللي في الدنيا.
* “يا محمد،” قلت لابني وأنا بمسح دموعه، “إنت دلوقتي راجل.. راجل حقيقي، مش بس باللي عملته، بس لأنك قدرت تواجه غلطك وتحوله لدروس.

البيت ده، بفلوسه وحيطانه، ميسواش لحظة واحدة من اللي إحنا فيها دلوقتي.”
عدى وقت، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. عزت خد جزاءه، والناس اللي نصب عليهم بدأوا يرجعوا حقوقهم. ابني رجع يشتغل بجد، وبقى بيحوش قرش على قرش، مش عشان طمع، بس عشان يبني حياة كريمة لمراته ولعياله في المستقبل.
بنتي؟ بنتي بقت الروح اللي بتحيي البيت. كل يوم بتجيلنا، ومعاها حفيدنا اللي كبر وبدأ ينطق “تيتا” و”جدو”. الضحكة رجعت لبيتنا، والبيت اللي عزت كان عايز يشتري ذلنا فيه، بقى شاهد على انتصار عيلة حبت بعض، اتوجعت ببعض، بس في الآخر، “سندت” بعض.

أنا بقيت أحسن، والتحاليل بقت زي الفل. مش بالدوا بس، بس لأن قلبي ارتاح. أبوهم رجع يشتغل في تجارته البسيطة، راضي ومستور، وكل ما يبص لبنته وابنه، بيحمد ربنا إن الفتنة ما حرقتش عيلته للأبد.
في ليلة من ليالي الصيف، كنا قاعدين كلنا في البلكونة، الهوا كان عليل. بصيت لولادي.. بنتي بتبتسم وهي بتلعب مع ابنها، وابني بيضحك مع أبوه على مواقف الشغل. اتنهدت بسلام، وقلت في سري: “الدنيا دوارة.. والكلمة اللي قلتها ‘ما إحنا اللي اشتريناه’ كانت درس لي، أنا اللي اتعلمت إن الناس أغلى من الدهب، وإن الكرامة هي اللي بتشتري الراحة، مش الفلوس.”

ابني بصلي، مسك إيدي وباسها:
* “يا أمي، أنا لسه ماردتش لأختي حق دهبها.. أنا حوشت المبلغ، ومعاه زيادة، وعايز أجيب لها أحسن سلسلة وغويشة في السوق.”
بنتي بصتله، وضحكت ضحكة صافية:
* “لا يا أخويا.. أنا مش عايزة دهب. أنا عايزة أخويا يفضل سندي، عايزة أشوفك دايماً ناجح، دايماً أمين، وده عندي أغلى من كل ذهب العالم. خلي الفلوس دي، ابنيها في مشروعك، عشان تكبر ونكبر معاك.”
الكلمة دي كانت المسك بتاع حكايتنا. “عيلة” مش مجرد أفراد بيعيشوا في بيت واحد، عيلة هي “سند”، “أمان”، “كلمة طيبة” بتشفي الجروح.

الحكاية اللي بدأت بـ “غلطة” لسان، وانتهت بـ “موقف” شجاعة، كانت درس لينا ولأي حد بيقراها. الدنيا مش مضمونة، والفلوس بتروح وتيجي، بس العيلة.. العيلة هي الباقية.
وعرفت في الآخر إننا مهما وقعنا، ومهما الدنيا ضاقت بينا، طالما قلوبنا لسه بتنبض بالحب، طالما لسه بنقول “آسف” وبنطلب “السماح”، يبقى لسه فيه أمل. والحكاية اللي كنت بحكيها، ما كانتش مجرد حكاية.. دي كانت “حياتنا”، اللي ربنا أراد إنها ما تنتهيش بالانكسار، بس تنتهي باللقاء.. اللقاء اللي مفيش بعده فراق، والرضا اللي مفيش بعده عتاب.

أخدت حفيدي في ح.ضني، وغفلت عيني وأنا بحلم ببكرة، بكرة اللي هيكون أحسن، لأننا خلاص عرفنا قيمة “الدهب الحقيقي”.. اللي هو “نحن”.
#حكايـات_منـي_السيـد
#تمت_بفضل_الله

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
10