لما بنتـي اتجـوزت، جـبنالها شبكـة عبـارة عن حـلق وسلسلـة وغويشـة دهـب، ووقـتها كلفتـنا مبـلغ كبيـر…
السنة اللي فاتت، ابني الكبير وقع في ضيقة، وكان محتاج فلوس ضروري، وملاقاش حد يسلفه. راح لأخته، فبدون تردد وقفت جنبه، وادته الحلق الدهب بتاعها، وكان وزنه حوالي 6 جرام. باعه بـ36 ألف جنيه، وهي كمان زودتله المبلغ بـ4 آلاف جنيه من تحويشتها. عدت الشهور، وربنا فتحها على ابني، واشتغل وبقى معاه فلوس. افتكرت إنه أول ما يقف على رجليه هيجري يرد الجميل لأخته، ويشتريلها حلق بنفس الوزن، ويمكن أحسن كمان. لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتي.
طلبت منه يرجعلها حقها، بصلي ببرود وقال:
“هو أنا أخدت حاجة غريبة؟ الدهب ده أصلاً إنتوا اللي جايبينهولها، يعني من فلوسكم. مالهاش عندي حاجة.”
وقتها، من غير ما أفكر، لقيت نفسي برد عليه وبقول لبنتي:
“أخوكي عنده حق… ما إحنا اللي اشتريناه.”
#حكايـات_منـي_السيـد
الكلمة خرجت مني في ثانية… لكن أثرها كان أكبر بكتير مما تخيلت…حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
بنتي سكتت تمامًا، لا صرخت ولا اتخانقت ولا حتى ردت عليا. بصتلنا بصّة عمري ما هنساها، فيها وجع وانكسار وخذلان. قامت من مكانها، ومشيت من غير ولا كلمة.
افتكرت إنها زعلت شوية وهتهدى، لكن بعدها بيوم رجعت البيت وهي ماسكة علبة صغيرة.
فتحتها قدامي، وطلعت منها السلسلة والغويشة.
حطتهم على الترابيزة بهدوء وقالت:
“طالما الدهب بتاعكم… اتفضلوا خدوه كله. أنا كنت فاكرة إن اللي بيساعد أخوه وقت الضيق بيتشكر، مش بيتقاله إن ملوش حق.” حاول أبوها يكلمها، لكنها وقفته بإشارة من إيدها، وكملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
“أنا كنت بعتبر أخويا سندي، وكنت فاكرة إنكم هتكونوا أول ناس يرجعولي حقي. لكن واضح إني كنت غلطانة.” بعدها قالت جملة هزت البيت كله:
“حسبي الله ونعم الوكيل.”
وأخدت شنطتها، وخرجت…من يومها، الدنيا اتغيرت.
لا بقت تيجي تزورنا، ولا ترد على مكالماتنا، ولا حتى على الرسائل. كل مرة نحاول نوصلها، الباب يفضل مقفول، والتليفون صامت. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في الأول قلنا: يومين وهتهدى…بعدها قولنا: أسبوع.
وبعدين شهر…لحد ما بقوا شهور طويلة، وكأن بنتنا اختفت من حياتنا.الغريب إن من بعد اليوم ده، حياتنا كلها اتقلبت.
ابني اللي رفض يرجع حق أخته دخل في شغل وخسر كل فلوسه، وبعدها اتعرض للنصب، وكأن كل باب كان بيفتحله اتقفل مرة واحدة. ومن كتر الصدمة، عرف إنه بقى مريض سكر… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
وأنا كمان، صحتي بقت في النازل يوم بعد يوم، وبقيت أقضي أغلب وقتي بين التحاليل والدكاترة، وكل ليلة أنام وأنا بفكر في بنتي… يا ترى بتعمل إيه؟ يا ترى سامحتنا ولا لأ؟ عدى ١٠ شهور كاملة، من غير ما أشوف وشها.
وفجأة، النهارده، واحدة من الجيران قابلتني وقالتلي وهي مبتسمة:
“مبروك… بنتك جابت ولد.”
وقفت مكاني، قلبي دق بسرعة، ومكنتش عارفة أفرح ولا أعيط.
جريت مسكت التليفون واتصلت بجوزها، وأنا متخيلة إنه هيقولي عنوان المستشفى أو حتى يسمحلي أشوف حفيدي. لكن أول جملة قالها كانت:
“أنا ماليش دعوة بالمشكلة اللي بينكم… القرار قرارها هي.” قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن آخر باب كان ممكن يدخلني لحياة بنتي اتقفل في وشي. لكن بعد أقل من ساعة… حصل شيء ما كنتش أتخيله أبدًا، حاجة خلتني أعرف إن اللي جاي هيغير كل حاجة… وإن المواجهة اللي هتحصل بيني وبين بنتي، ممكن تكون آخر فرصة لرجوعها… أو النهاية اللي مفيش بعدها رجوع
#حكايـات_منـي_السيـد
بصيت للتليفون في إيدي والدموع محبوسة في عيني، الكلمة اللي قالها جوزها كانت زي خبطة الرصاص، باردة ومباشرة. قعدت على الكرسي وبدأت أسترجع شريط العشر شهور اللي فاتوا. العشر شهور اللي قضيناهم في بيتنا وكأننا في سجن، الحيطان بقت بتنطق بكلمة بنتي الأخيرة “حسبي الله ونعم الوكيل”.
أبوها كان قاعد جنبي، عيونه مكسورة، باصص للفراغ، ومن ساعة ما عرف خبر الولادة وهو مبيتحركش من مكانه. حالته الصحية بقت أصعب من حالتي، دكاترة القلب قالوا إن الزعل سد شريان في قلبه، وبقى بيعيش بالأدوية.
وابني اللي كان فاكر إن الدنيا دانت له، قاعد في أوضته مبيخرجش منها، بعد ما خسر كل شروعاته وبعد ما السكر هده وخلت جسمه نحلان وعيونه غايرة.
قلت لنفسي: “لا، مش هسكت.”
قمت من مكاني، لبست طرحتي وأنا إيدي بتترعش. جوزي بصلي وسأل بصوت واهن:
* رايحة فين يا ست الناس؟
* رايحة لبنتي. رايحة أشوف حفيدي، وأشوف بنتي اللي ك.سرنا بخاطرها، ولو كلفني الأمر أبو.س رجليها، مش هسيبها.
نزلت الشارع، كانت الدنيا مغيمة وكأنها حاسة بوجع قلبي. ركبت تاكسي، واديت السواق العنوان اللي كنت عارفاه بصعوبة من الجيران.
طول الطريق وأنا بكلم نفسي، براجع الكلمة الغبية اللي طلعت مني. “ما إحنا اللي اشتريناه”.. إيه الخيبة دي؟ إزاي لساني طاوعني أقول كدة؟ هو ده جزاء اللي شالت أخوها من الضيقة؟ اللي باعت دهبها عشان ميتذلش، ردينا عليها بالذل!
وصلت قدام بيتها، عمارة هادية في منطقة راقية، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية. وقفت قدام الباب، رفعت إيدي عشان أخبط، بس خوفي منعني. خفت تفتحلي الباب وتطردني، خفت أشوف في عينيها نظرة استحقار ليا. خدت نفس عميق وقلت: “يا رب، أنت اللي عالم بالحال، هي بنتي ومفيش أغلى منها.”
خبطت… مرة، اتنين، تلاتة.
مفيش رد.
بدأت أطمن نفسي إنها ممكن تكون نايمة أو جوزها لسه مرجعش. وفجأة، سمعت صوت “تكة” الباب.
فتحت الباب بالراحة، وبانت هي… كانت ملامحها متغيرة، وشها شاحب، بس في عينيها نظرة قوة ما عرفتهاش قبل كدة. كانت شايلة في إيدها “لفة” صغيرة، ضامّـاها لصدرها بحنان الدنيا.
أول ما شافتني، اتجمدت في مكانها. ملامح الوش سكنت، والابتسامة اللي كانت لسه مرسومة على وشها وهي بتلعب مع اللي في إيدها اختفت تماماً.
* ماما؟
كلمة “ماما” طلعت منها تقيلة، كأنها خارجة من قلب مليان عتاب. حاولت أتكلم، صوتي كان طالع زي الهمس:
* مبروك يا ضنايا.. مبروك.
بصتلي بصة طويلة، حسيت إنها بتشوفني من جوه، بتشوف الندم اللي مالي روحي. مدت إيدها التانية، كانت هتقفل الباب في وشي، بس أنا حطيت إيدي بسرعة على حرف الباب:
* بالله عليكي يا بنتي، بلاش تقفلي الباب. أنا جيت عشان أطمن عليكي، وجيت أقولك إني غلطت. غلطت غلطة عمري، والندم بياكل في قلبي أكل.
اتنهدت هي بعمق، دموعها بدأت تنزل بصمت.
* جيتي دلوقتي يا ماما؟ بعد ما الوجع بقى أضعاف؟ بعد ما اتعلمت إني أعتمد على نفسي، وأشوف الدنيا وش تاني غير اللي كنت فاكراه؟
* عارفة إني اتأخرت، وعارفة إن الكلمة اللي قلتها جرحت كرامتك..
بس كنت عميا، كنت فاكرة إني بدافع عن ابني، ومعرفتش إني بدبح بنتي.
فضلت ساكتة فترة، والهدوء اللي في السلم كان بيخنقني. كان فيه خناقة جواها، بين قلبها اللي لسه بيحبني، وبين عقلها اللي لسه مش ناسي القسوة. فجأة، سمعت صوت عياط “البيبي” جوه اللفة. ملامحها اتغيرت فوراً، ورجعت للحنان اللي هي متعودة عليه.
* ادخلي.
قالتها بصوت واطي ومكسور. دخلت البيت، كان بيتها بسيط ومرتب، كان فيه ريحة نظافة وراحة نفسية غريبة. قعدت على أقرب كرسي، وهي راحت حطت الولد في سريره الصغير. رجعت وقفت قدامي، ومسحت دموعها بطرف طرحتها.
* كنت فاكرة إني مش هشوف وشكم تاني، وكنت بدعي ربنا ينسيني الوجع.
* أنا عارفة، وأنا استاهل أكتر من كدة. بس قوليلي، ابني… أخوكي، عارف؟
ضحكت ضحكة مريرة: