جوزى كل يوم بيحملني ذنب

ض.رب الطاولة بيده.
إيه؟!
العسكري كمل
والجيران شافوا شخص خارج وهو مولع في كومة ورق في الجنينة.
في اللحظة دي، ابتسم عماد ابتسامة غريبة وقال
خلاص… سبقكم.
الضابط صرخ فيه
سبقنا لإيه؟
رد عماد بهدوء
الشخص اللي بتدوروا عليه عرف إن الحقيقة قربت تظهر… فقرر يمحي كل دليل.
ثم مال للأمام وقال جملة جعلت الضابط يتجمد مكانه
بس هو نسي حاجة واحدة… في نسخة من كل الأوراق دي، وأنا مخبيها في مكان محدش يعرفه.
اقترب الضابط منه بسرعة.
فين؟

ابتسم عماد ابتسامة خفيفة وقال
هقولكم… بس الأول لازم سارة تعرف الحقيقة اللي مخبيينها عنها من يوم ما اتجوزت.
التفت الجميع نحوي.
وقبل أن ينطق عماد بالحقيقة، انطفأت أنوار القسم بالكامل، وغرقت الغرفة في ظلام دامس…
وسُمعت صرخة قوية من آخر الممر.
يتبع…انطفأت الأنوار فجأة، وعمّ الظلام أرجاء القسم.
تعالت أصوات الضباط
حد يجيب الكشافات! اقفلوا كل المخارج… محدش يخرج!
وفي وسط الارتباك، دوّى صوت ارتطام قوي، ثم صرخة رجل.
بعد أقل من دقيقة اشتغل مولد الكهرباء الاحتياطي، ورجعت الأنوار تدريجيًا.

أول حاجة عملها الضابط إنه بص ناحية عماد…
لكن الكرسي كان فاضي.
الكل اتصدم.
العسكري صاح
يا فندم… القيود مرمية على الأرض!
بدأت قوة المباحث تفتش القسم كله، وبعد دقائق لاقوا عماد واقع في آخر الممر، فاقد الوعي، وفي مؤخرة رأسه إصابة بسيطة.
ولما فاق، كان أول سؤال سأله
الظرف… فين الظرف؟
الضابط قرب منه بسرعة.
أي ظرف؟
رد عماد وهو بيحاول يقوم
الظرف البني… كان في جيبي… فيه مفتاح خزنة وأرقامها… لو ضاع، الحقيقة كلها هتضيع.
فتشوا جيوبه.
الظرف اختفى.

في نفس اللحظة، دخل ضابط المراقبة وهو ماسك جهاز تسجيل الكاميرات.
قال بلهفة
الكاميرات سجلت كل حاجة… بس في حاجة غريبة.
شغّل الفيديو.
ظهر الممر قبل
انقطاع الكهرباء بثوانٍ.
كان كل شيء طبيعي.
ثم ظهر شخص بيلبس كاب أسود وكمامة، ماشي بخطوات ثابتة.
الغريب إنه كان يعرف مكان عماد بالضبط، وكأنه حافظ القسم.
ولما وقف قدامه، انقطعت الكهرباء.
رجعت الصورة بعد دقيقة.
الشخص اختفى… والظرف اختفى معاه.
الضابط قرّب الصورة على وجهه، لكن ملامحه كانت مخفية بالكامل.

إلا أن شيئًا واحدًا لفت انتباهه…
في إيده اليمنى كان لابس خاتم فضة عليه حرف واحد محفور.
حرف ع.
حماتي أول ما شافت الخاتم شهقت وقالت
مستحيل…
الضابط سألها بسرعة
تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء وقالت
الخاتم ده كان بيتوارث في العيلة… ومفيش غير شخص واحد لسه بيلبسه.
سكتت لحظة، ثم قالت والدموع في عينيها
عبد الرحمن… جوزي اللي كل الناس فاكرة إنه مات من خمس سنين.
ساد الصمت.
حتى الضباط اتجمدوا.
قال الضابط بعدم تصديق
تقصدي… إنه لسه عايش؟

ردت وهي ترتعش
لو الخاتم ده معاه… يبقى أيوه.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
وبعد ثوانٍ، تغيرت ملامحه وقال
لقينا الخزنة.
العسكري سأله
فين؟
قال الضابط
في البيت القديم… لكن المشكلة إن في حد سبقنا ليها… والخزنة مفتوحة.
يتبع…وصلت قوة المباحث إلى البيت القديم في أقل من عشر دقائق.
كان البيت مهجورًا، والنوافذ مكسورة، والتراب مالي كل مكان.
لكن باب غرفة المكتب كان مفتوحًا.
دخل الضابط بحذر، وهو يشاور للعساكر ينتشروا.
الخزنة كانت فعلًا مفتوحة.
وفاضية.
إلا من ورقة واحدة مطوية بعناية.

لبس الضابط القفازات وفتحها.
كان مكتوب فيها بخط واضح
لو وصلتوا للورقة دي، يبقى أنتم متأخرين بخمس سنين.
الضابط قلب الورقة.
في ظهرها عنوان.
وموعد.
الساعة 8 مساءً… المخزن القديم عند الميناء.
العسكري قال باستغراب
هو بيستدرجنا؟
الضابط رد
أو عايز يقولنا الحقيقة بنفسه.
في المساء، تحركت
قوة كاملة إلى المخزن.
كان المكان مهجورًا، والهواء مليان تراب.
فتحوا الباب الحديد بصعوبة.
أول ما دخلوا، سلط أحد العساكر الكشاف على الحائط.
الجميع وقف مكانه.
الحائط كله كان متغطّي بصور.
صور للعيلة.

صور قديمة وحديثة.
وصور لسارة وبنتيها… التُقطت من بعيد، وكأن حد كان بيراقبهم من شهور.
أنا لما شفت الصور، جسمي كله قشعر.
قلت بصوت مرتعش
مين كان بيصورنا؟
وقبل ما حد يرد…
طلع صوت من آخر المخزن.
أنا.
لف الجميع بسرعة.
كان راجل كبير في السن، شعره أبيض، واقف في آخر الظلام.
حماتي أول ما شافته، وقعت على الأرض وهي بتصرخ
عبد الرحمن!
رفع الراجل عينه وقال بهدوء
أيوه… أنا عبد الرحمن.
الضابط رفع سلاحه وقال
ارفع إيديك.
لكن عبد الرحمن ماقاومش.

رفع إيديه وقال
أنا ماجتش أهرب… أنا جيت أنهي الكذبة اللي بدأت من أكتر من تلاتين سنة.
ثم نظر مباشرة إلى سارة وقال
إنتِ أكتر واحدة اتظلمت… لأن كل اللي حصلك ماكانش سببه إنك خلفتي بنات… كان سببه السر اللي خبيناه كلنا.
سكت لحظة.
ثم قال الجملة التي جعلت الجميع ينظرون إلى بعضهم في ذهول
جوزك مش ابني… لكنه كبر وهو بيكرر أخطائي، وأخطاء اللي قبله.
وقبل أن يكمل اعترافه، دوّى صوت إطلاق نار من خارج المخزن…
وانكسر زجاج إحدى النوافذ.

انخفض الجميع إلى الأرض، بينما صاح أحد الضباط
قناص!… أغلقوا كل المداخل!
وانتهى المشهد على صوت طلقة ثانية، دون أن يعرف أحد من الذي أصيب.
يتبع…دوى صوت الطلقة الثانية داخل المخزن.
صرخ أحد الضباط
الكل على الأرض!
بعد ثوانٍ من التوتر، اتضح أن الرصاصة أصابت عمودًا خرسانيًا، وأن القناص استغل الفوضى وهرب.
لكن عبد الرحمن رفع صوته وقال
بلاش تجروا وراه… هو خلاص خسر.
الضابط بصله باستغراب
عرفت مين هو؟
هز عبد الرحمن رأسه وقال
أيوه… وعندي الدليل.
مد
إيده داخل جاكيته، وأخرج فلاشة صغيرة.

قال
دي نسخة من كل المستندات، وكاميرات البيت القديمة. كنت محتفظ بيها عشان اليوم ده.
أخذها الضابط بسرعة، وأرسلها إلى قسم الأدلة الجنائية.
بعد ساعات، ظهرت الحقيقة كاملة.
كاميرات البيت سجلت الليلة اللي ماتت فيها مرات أخو جوزي.
ظهر عماد وهو بيتخانق معاها، ثم دفعها فسقطت على الأرض وارتطم رأسها.
كانت ما زالت حية، وتطلب الإسعاف.
لكن الشخص الذي منع الجميع من الاتصال بالإسعاف لم يكن جوزي… ولم يكن عبد الرحمن.

كان والد جوزي بالتربية، الذي ظل الجميع يظنه رجلًا صالحًا، هو من قال
محدش يتصل بحد… لو خرجت من البيت عايشة، كلنا هنتفضح.
وظلت المرأة تنزف حتى فارقت الحياة.
أما جوزي، فظهر في الفيديو واقفًا في زاوية الغرفة، خائفًا، ولم يتدخل.
التفت الضابط إليه وقال
أنت ما ق.تلتهاش… لكنك سكت عن جريمة، وساعدت في إخفاء الحقيقة.
خفض رأسه ولم يحاول الدفاع عن نفسه.
ثم نظر إليّ وقال والدموع في عينيه
أنا استحق العقاب… لكن أكتر حاجة ندمان عليها مش سكوتي وقتها… ندمان إني كررت نفس القسوة معاك، وخلّيت بناتي يخافوا مني.

لم أرد.
لم يعد عندي كلام أقوله.
بعد أسابيع…
صدر الحكم.
عوقب كل من شارك في إخفاء الجريمة أو التستر عليها، وأُعيد فتح القضية رسميًا حتى نالت الضحية حقها بعد سنوات طويلة.
أما أنا، فرفعت قضية طلاق، وحصلت على حضانة بنتيّ.
انتقلت إلى بيت صغير، لكنه كان أول بيت أنام فيه من غير خوف.
مرت الشهور، ووضعت طفلي بسلام…
وكان ولدًا.
لكنني عندما حملته بين ذراعي، ابتسمت وقلت
لو كانت بنت، كنت هحبها بنفس القدر.
لأن الدرس الذي تعلمته كان أكبر من مجرد ولد أو بنت.

القيمة ليست في نوع الطفل…
بل في الإنسان الذي يربيه.
وفي آخر مشهد، كانت بنتي الكبيرة تمسك أخاها الصغير وتضحك لأول مرة
منذ سنوات، ثم نظرت إليّ وقالت
ماما… إحنا بقينا عيلة سعيدة بجد؟
احتضنت أولادي الثلاثة، وقلت بابتسامة امتزجت بالدموع
أيوه يا حبيبتي… أخيرًا بقينا في بيت مفيهوش خوف.
النهاية.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8