جوزى كل يوم بيحملني ذنب

وبعدين رفع عينه ناحية جوزي وقال
حضرتك عملت قبل كده أي فحوصات خاصة بالإنجاب؟
ارتبك وقال
لا… ليه؟
الدكتور بص في الورقة تاني وقال
لأن في نتيجة مهمة جدًا ظهرت أثناء الفحوصات، ومحتاجين نتأكد منها بتحليل إضافي… لكن لو اتأكدت، فهي هتغير كل اللي حضرتك مؤمن بيه من سنين.
جوزي بلع ريقه بصعوبة.
يعني إيه؟
الدكتور قال بهدوء
نوع الجنين بيتحدد من الحيوان المنوي للرجل، مش من الزوجة… ونتيجة التحاليل الأولية بتخلينا نشك إن المشكلة اللي حضرتك طول عمرك بتتهم بيها مراتك… مش عندها هي أصلًا.

كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
لكن الصدمة الأكبر لسه ماجتش.
في نفس اللحظة، كان في ظابط شرطة داخل المستشفى علشان يحقق في بلاغ تاني، وإحدى الممرضات كانت لاحظت آثار الكدمات المنتشرة على جسم سارة، فبلغت إدارة المستشفى حسب الإجراءات.
الظابط وقف قدام الدكتور وسأله
هي المريضة تقدر تتكلم؟
الدكتور رد
بعد شوية… لكن قبل أي حاجة، لازم تعرف إن حالتها والإصابات اللي فيها مش متوافقة إطلاقًا مع رواية السقوط.
جوزي لف ناحية باب الأوضة بسرعة… وكأنه بيفكر يهرب.
لكن قبل ما يتحرك خطوة، سمع صوت صغير جه من آخر الطرقة.

ماما…
كانت بنته الكبيرة، ماسكة إيد أختها الصغيرة، واقفين عند الباب وعيونهم مليانة دموع.
ولما شافت أبوها، ح.ضنت أختها بقوة وقالت بصوت مرتعش سمعه كل اللي في المكان
يا عمو الظابط… بابا هو اللي ض.رب ماما… وإحنا شفناه.
في اللحظة دي، عرف إن كل الكدب اللي بناه في دقائق… انهار بكلمة واحدة خرجت من طفلة عمرها ما عرفت تكذب.
يتبع…بعد ساعات، كانت المستشفى هادية بشكل غريب.
أنا وبنتيَّ نقلوني أوضة تانية بعيد عن الزحمة، والدكتور شدد إن أي توتر ممكن يأثر على الحمل.
افتكرت

إن كل حاجة انتهت… لكن الممرضة دخلت فجأة وهي بتقول
يا مدام سارة… في واحدة بره مصرة تشوفك، وبتقول إنها لازم تكلمك قبل ما الشرطة تاخد جوزك.
استغربت.
مين؟
الممرضة اترددت شوية، وبعدين قالت
بتقول إنها… مرات عمه.
دخلت ست كبيرة في السن، ملامحها مرهقة، وما إن شافتني حتى انفجرت في البكاء.
طلعت من شنطتها ظرف قديم لونه أصفر من الزمن، ومدته ناحيتي.
خدي… احتفظت بيه أكتر من خمسة وعشرين سنة، والنهارده بس عرفت إن وقته جه.
بصيت للظرف باستغراب.

كان مكتوب عليه بخط قديم
لا يُفتح إلا إذا اتكرر اللي حصل زمان.
قبل ما أسألها، قالت وهي بتمسح دموعها
اللي عمله جوزك فيكي… أبوه عمله في أمه قبل كده بالحرف.
اتسعت عيني.
إيه؟
هزت رأسها وقالت
لأنها كانت بتخلف بنات… وكان مقتنع إنها السبب. وفي الآخر، لما راح يكشف بعد سنين، اكتشف إن المشكلة كانت عنده هو… لكن بعد ما ضيع عمرها.
إيدي بدأت ترتعش وأنا بفتح الظرف.
كان فيه تقرير طبي قديم جدًا… وصورة أشعة… وخطاب بخط دكتور معروف وقتها.

وفي آخر الخطاب جملة واحدة
تم إبلاغ المريض بأن تحديد نوع الجنين يعتمد على الرجل، لكنه رفض إخبار أسرته بالحقيقة.
وقعت الورقة من إيدي.
لو الكلام ده صحيح…
يبقى جوزي اتربى من وهو صغير على كذبة، أو يمكن… كان يعرف الحقيقة من زمان وسكت.
وفي نفس اللحظة، دخل الظابط بسرعة وقال
يا مدام سارة… قبل ما نبدأ التحقيق الرسمي، في معلومة جديدة وصلتنا عن جوزك… ولو ثبتت، فالقضية مش هتبقى قضية اعتداء وبس.
رفعت رأسي بصدمة.
قضية إيه؟

بص الظابط للملف اللي في إيده، وقال
لأن في بلاغ قديم اتقفل من سبع سنين… واسم جوزك ظهر فيه من جديد.
يتبع…الدكتور فضل يبص في الورقة ثواني، وكأنّه بيتأكد إنه مش قاريها
غلط.
جوزي قرب منه بخوف وقال
في إيه يا دكتور؟ اتكلم.
رفع الدكتور عينه وقال
التحاليل بتوضح إن السيدة سارة حامل… وفي أول أسابيع الحمل.
سكتت الدنيا كلها.
أنا نفسي كنت مصدومة، وحطيت إيدي على بطني من غير ما أحس.
أما جوزي فاتراجع خطوة لورا، وبصلي بذهول.

الدكتور كمل بنبرة جادة
والأخطر من كده إن في انفصال بسيط في المشيمة بسبب الض.رب اللي اتعرضت له. الحمل دلوقتي مهدد، ولازم راحة تامة ومتابعة دقيقة، وإلا ممكن نفقد الجنين.
حماتي أول ما سمعت كلمة حامل قالت بسرعة
يعني أكيد ربنا هيعوضنا بولد!
لف الدكتور ناحيتها وقال بحدة
حضرتك سمعتي إن الحمل مهدد؟ أولويتنا دلوقتي إن الأم والجنين يفضلوا بخير، مش نوع الجنين.
الكلمة أسكتتها.
أما الظابط فكان واقف بيسجل كل كلمة.
وقال لجوزي
بناءً على أقوال الطفلة، وتقرير الطبيب، وإصابات المجني عليها… هنضطر نحرر محضر بالواقعة، وهتتخذ الإجراءات القانونية.

جوزي حاول يقرب من سريري.
سارة… والله ما كنت أقصد… أنا كنت متعصب.
بصيتله لأول مرة من غير خوف.
وقلت بصوت هادي
كل مرة كنت بتقول نفس الجملة… مكنتش أقصد.
سكت.
كملت وأنا دموعي بتنزل
لما كسرتني… مكنتش تقصد. ولما خوفت بناتك… مكنتش تقصد. ولما خلتهم يستخبوا كل ما يسمعوا صوتك… برضه مكنتش تقصد.
مبقاش عنده أي رد.
الظابط طلب منه يرافقه برا الأوضة، وقبل ما يخرج، بصلي نظرة طويلة… لكن المرة دي ماكانش فيها غضب، كان فيها ندم متأخر جدًا.

وأنا ح.ضنت بنتي الكبيرة، وهي همست في ودني
ماما… إحنا هنرجع البيت معاه تاني؟
سؤالها كسر قلبي.
مسحت على شعرها، وقلت
لا يا حبيبتي… من النهارده، هنروح مكان محدش يخوفنا فيه.
وانفجرت في العياط لأول مرة… مش من الوجع، لكن من إحساس إني أخيرًا
بدأت أتحرر من سنين الخوف.
الظابط قفل الملف بإيده وقال
البلاغ ده كان عن وفاة غامضة… وقتها اتحفظ لعدم كفاية الأدلة، لكن فيه شاهد جديد ظهر من يومين، وأقواله خلتنا نراجع القضية من أول وجديد.

جوزي، اللي كان واقف برا الأوضة ومعاه العسكري، سمع آخر جملة، وفجأة اتغير لون وشه.
صرخ من بعيد
كدب! القضية دي خلصت من زمان!
الظابط بصله وقال بهدوء
الغريب إننا لسه مقلناش هي قضية مين.
سكت جوزي فجأة.
كل اللي في المكان بصوا لبعض.
أما أنا، فبدأت أحس إن في حاجات كتير في حياة الراجل اللي عشت معاه سنين، عمري ما عرفتها.
دخلت حماتي وهي منهارة، وقعدت على الكرسي وقالت بصوت متقطع
خلاص… كفاية… الذنب مش هيستخبى أكتر من كده.
ابنها لف ناحيتها وهو بيزعق
اسكتي!

لكنها لأول مرة متسمعش كلامه.
رفعت راسها وبصتلي وقالت
سامحيني يا بنتي… أنا اللي ربيت ابني على إن الرجولة معناها السيطرة، وإن الست هي سبب كل مصيبة. وكل ما كان يغلط، كنت أبررله.
وبعدين بصت للظابط وقالت
الشاهد الجديد… هو جارنا القديم، مش كده؟
الظابط هز راسه.
أيوه.
حماتي غمضت عينيها وقالت
يبقى خلاص… الحقيقة هتطلع.
أنا قلبي كان بيدق بسرعة.
قلت
حقيقة إيه؟
ردت وهي بتبكي
الحقيقة اللي دفناها من سبع سنين… يوم ماتت مرات أخوه.
سكتت الأوضة كلها.

أنا افتكرت إنها ماتت بسبب أزمة قلبية، زي ما كانوا بيقولوا.
لكن حماتي همست
هي ما ماتتش طبيعي… وقبل ما تمو.ت بيوم، كانت جاية عندي وجسمها كله كدمات… وكانت بتقول إن جوزها وأخو جوزها اتخانقوا معاها بسبب الميراث.
ولأول مرة، أشارت بإصبعها ناحية ابنها وقالت
وابني… كان موجود الليلة دي.
اتسعت عيون الجميع.
أما جوزي، فبدأ يصرخ بعصبية
بتكدبي! انتي خرفتي!
لكن قبل ما يكمل، دخل العسكري
وهو ماسك هاتفًا.
يا فندم… الشاهد بعت تسجيل صوتي قديم، وكان محتفظ بيه كل السنين دي.

الظابط شغل التسجيل…
وفجأة، خرج صوت امرأة

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8