امبارح بلليل سمعت جوزي

فتحت المفكرة ودمي بيغلي. كريم طول عمره ملوش في القراية والكتابة، بس لما فتحت الصفحات، لقيت حسابات، أرقام، وتواريخ.. وتواريخ لسه جاية في الشهور اللي جاية! وفي آخر صفحة، كانت الصدمة اللي خلت ركبي تخبط في بعضها. مكتوب بخط إيده: **”نصيب حمادة المحامي: 250 ألف، نصيب مروان البنك: 100 ألف، الباقي ليا ولأمي.”**

فجأة فهمت كل حاجة. اللعاب مكنش كريم وأمه بس. “مروان” ده اسم موظف خدمة العملاء اللي قعدت معاه في البنك لما رحت أسأل عن إجراءات فك شهادات ورث جدتي روحية قبل شهرين! الموظف ده هو اللي سرّب لكريم وأمه إن الحساب فيه مبلغ ضخم، وهو اللي كان هيسهل لهم عملية السحب أو التحويل من غير ما السيستم يرفض، بس الخطة باظت لما أنا سبقتهم بـ 24 ساعة ونقلت الفلوس لحساب تاني خالص برة فرعهم.

تليفوني اتهز في إيدي تاني. المرة دي كانت مكالمة من أحمد ابن عمي. رديت بسرعة وصوتي بيرتعش: “أحمد! الحقني.. الأنوار قطعت عندي، وجاتلي رسالة تهديد، وكريم لسه نازل من عندي حالا.” أحمد رد بصوت حازم وفيه حركة: “رانيا، اقفلي على نفسك كويس بالمتاريس. أنا لسه قالب الدنيا في القسم هنا.. تليفون حماتك المحروز (المتحفظ عليه) جت عليه رسائل حالا من شخص بيلومها إنها اتصرفت بغباء، ولما تتبعنا الرقم، طلع مسجل باسم موظف في البنك اللي أنتِ بتتعاملي معاه! متمشيش من الشقة، أنا جاي لك بقوة حالا.”

قفلت مع أحمد، وحطيت ضهري على الباب وبدأت أجمع خيوط اللعبة كـمحاسبة. “حمادة المحامي” اللي مكتوب اسمه في المفكرة، هو نفسه المحامي اللي كريم جابه عشان يدافع عن أمه! يعني اللعبة كانت دايرة مقفولة؛ موظف البنك يراقب الفلوس، كريم وأمه ينفذوا، والمحامي يأمن الظهر لو حصلت مشكلة ويمضيوني على التنازل. سمعت صوت برة في الطرقة.. صوت خطوت عريضة وتقيلة، مش خطوت كريم المكسورة. الخطوات وقفت بالظبط قدام باب شقتي. نور كشاف التليفون بتاع اللي واقف برة ظهر من تحت عقب الباب.

نفسي انقطع.. وحسيت إن الحيطة الرفيعة اللي كانت حامياني زمان وهي بتنقل لي وشوشة كريم، دلوقتي مبقتش حامية حاجة. وفجأة، سمعت صوت حركة حديد.. السلسلة الخارجية بتاعة باب الشقة اللي برة كانت بتتحرك، وصوت خبيث جداً اتكلم من ورا الباب: “يا مدام رانيا.. افتحي بالذوق. كريم غبي وضيع نفسه وضيع أمه، بس إحنا ناس بتوع أرقام زيك بالظبط.. المليون وربع جنيه بتوع جدتك روحية هيطلعوا يعني هيطلعوا، وإلا الشقة دي هتبقى قبرك الليلة دي، ومفيش مخلوق هيحس بيكِ في الضلمة دي.”

الحسابات في دماغي بدأت تشتغل.. أحمد قدامه على الأقل ربع ساعة عشان يوصل لأطراف القاهرة وسط المطر ده. والراجل اللي برة معاه أدوات أو طريقة يفتح بيها الباب. بصيت حوليا في الصالة، مكنش قدامي غير حل واحد.. حل ملوش علاقة بالأرقام، ليه علاقة بالدفاع عن حياتي وشقايا. سحبت النوت بوك بتاعة كريم، وحطيتها في جيب الجاكت، ومشيت في الضلمة بخطوات حافظاها زي اسمي لحد المطبخ.. سحبت أكبر سكين تقطيع، ووقفت في أبعد زاوية ضلمة في الصالة، عيني على الباب اللي قفلته الداخلي بدأ يتحرك ويتهز بعنف..

الباب بدأ يتفتح ببطء، ونور كشاف غريب بدأ يدخل الصالة.. نور الكشاف كان بيتحرك على الحيطان زي تعبان أبيض بيدور على فريسته. الباب اتفتح بالكامل، وظل الراجل ظهر وهو بيمشي بخطوات واثقة، مفيش فيها أي خوف. كان لابس كاب مغطي وشه، وفي إيده اليمين حتة حديدة (عتلة) اللي فتح بيها الباب، وفي الإيد التانية الكشاف. أنا كنت واقفة في زاوية المطبخ، كاتمة نفسي وضامة الس.كينة لصدري. الحسابات في دماغي كانت بتتحسب بالثواني مش بالفلوس.. كل خطوة بيخطيها بتقربه مني، وكل ثانية بتمر هي فرصة لـ أحمد عشان يوصل.

“يا مدام رانيا.. أنا عارف إنك جوة.” الصوت كان هادي وبارد، بطريقة تخلي الدم يتجمد في العروق. “كريم حمار.. افتكر إن السرقات بتتعمل بالوشوشة في التليفونات. بس الفلوس دي حقتنا إحنا.. إحنا اللي طلعنا الشفرة، وإحنا اللي كنا هنسهل كل حاجة. اطلعي بالذوق ووقعي على التنازل اللي في جيب المحامي، وهنسيبك تعيشي.. الشقة دي في مكان مقطوع ومحدش هيسمعك لو صرختي.” الكشاف بدأ يقرب من باب المطبخ. في اللحظة دي، تليفوني اللي في جيب الجاكت اتهز.. “فيبريشن” صامت بس نوره ض.رب في ضلمة الجيب. الراجل لمح خيال النور، ولمح طرف الجاكت بتاعي.

“أهو أنتِ هنا بقا..” قالها وهو بيلف بجسمه كله وبيدخل المطبخ بسرعة. من غير ما أفكر، ومن غير ما أدير ضهري، سحبت برطمان الملح الإزاز الكبير اللي كان جنبي على الرخامة وبكل قوتي حدفته في وشه. البرطمان خبط في الكشاف وفي جبهته، الإزاز اcontent اتدشدش والنور وقع على الأرض وبقى يلف ويض.رب في السقف، والراجل صرخ واتراجع خطوتين وهو ماسك وشه اللي بدأ ينزف. في نفس اللحظة، استغليت دربكته وجريت من المطبخ على الصالة عشان أحاول أفتح باب الشقة وأهرب للسلم، بس أول ما وصلت للصالة، اتفاجئت بظل تاني واقف عند الباب المفتوح!

“على فين يا مترة؟” الصوت ده أنا عارفاها.. مكنش غريب عليا. ده كان صوت “حمادة المحامي” بنفسه! كان واقف لابس بدلة كاملة، وفي إيده ورق مفرود. اللعبة مكانتش برة الشقة.. دول دخلوا بيتي وعايزين يخلصوا كل حاجة هنا تحت التهد.يد. الراجل اللي في المطبخ خرج وهو بيسب وبيلعن، وشه كله دم وعينيه مليانة غل: “هاتوها.. دي لازم تخلص الليلة دي، دي طلعت أفعى مش ست بيت!”

بقيت محشورة في النص.. ورايا الحرامي اللي وشه بينزف ومعاه حديدة، وقدامي المحامي الخاين ومعاه ورق التنازل. سحبت نفسي لورا لحد ما ضهري لمس حيطة الصالة، ورفعت الس.كينة الكبيرة بإيد بتترعش بس بعينين واضحة ومصممة. “لو حد قرب مني.. هقسله نصين. أنا مش هسيب شقايا ولا ورث جدتي ليكم يا شوية حرامية.”

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
10