امبارح بلليل سمعت جوزي

قمت وقفت، مشيت لحد ما بقيت واقفة فوق راسه، وقلت له بصوت حاسم وناشف زي الصخر: “الشرطة مكنتش مستنياها هي.. الشرطة كانت مستنية الحرامي اللي باعت المليون وربع جنيه بتوعي على طبق من فضة. الكارت اللي مع أمك فيه 50 جنيه بس يا كريم. ورث جارتي وجدتي ‘روحية’ اللي كنت عايز تسرقه، اتنقل لحساب مقفول ميعرفوش جن في الأرض.” رفع راسه وبص لي بعينين مليانة رعب: “أنتِ اللي عملتِ كده؟ أنتِ اللي حبستِ أمي؟”

ابتسمت نفس الابتسامة اللي ابتسمتها في الضلمة وقلت له: “أنا محبستش حد.. طمعكم هو اللي وداكم لحد هناك. ودلوقتي، قدامك بالظبط عشر دقايق تلم فيها كل هدومك وحاجتك وتطلع برة الشقة دي، لأن الشقة دي كمان بفلوس ورثي، وباسمى.” كريم حاول يقوم ويمسك إيدي ويترجاني: “رانيا عشان خاطري.. بلاش تخربي بيتنا، أنا غلطت.. الشيطان وزّني أنا وأمي.. سامحيني.” شيلت إيدي من إيده بقرف وقلت له: “بيتنا اتخرب من أول ما عينك بصت لقمة عيشي وشقايا. العشر دقايق بدأوا.. لو مخرجتش، هكلم ابن عمي الضابط ييجي ياخدك مع والدتك بتهمة الاشتراك في السرقة.. واظن أنت عارف الباسورد كويس.”

كريم بص على الساعة المعلقة في الصالة، الوقت كان بيمر بسرعة مرعبة، وعقارب الساعة كأنها بتتحول لسكاكين بتقطع في اللي باقي من كبريائه. لما لقاني ماسكة التليفون وباصة له بنظرة مفيهاش أي تراجع، عرف إن الكلام خلص. بدأ يلم هدومه في الشنطة وهو بيترعش، وكل شوية يبص لي ودموعه نازلة، مستني رشة حنية أو كلمة تقوله “خلاص أنا بهزر معاك”.. بس أنا كنت زي الصخر. سحب الشنطة وخرج، وقفل الباب وراه.. المرة دي مكنش بيقفل الباب براحة عشان خايف أصحى، كان بيقفله وهو حاسس إن الدنيا كلها اتقفلت في وشه.

أول ما مشي، الشقة فجأة بقت واسعة.. واسعة وهادية بشكل مريح. دخلت الأوضة، نمت على السرير، ولأول مرة من أسبوعين نمت نوم حقيقي، عميق، من غير ما أعمل نفسي نايمة، ومن غير ما أخاف من حركة الشخص اللي جنبي. تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفوني بيرن. كان أحمد، ابن عمي. “صباح الخير يا رانيا.. كله تمام؟” “صباح النور يا أحمد. طمني، إيه الأخبار عندك؟”

أحمد أخد تنهيدة وقال لي: “حماتك قادت الليلة في الحجز. طبعا كريم جالها جري على الفجر، وكان هيمو.ت من الر.عب. هي حالياً بتتحقق معاها بتهمة حيازة كارت بنكي مجهول ومحاولة سحب مبالغ مش بتاعتها، بس الأهم من كل ده، إن السيستم طلع عليها حكمين غيابيين قدام في قضايا تبديد شيكات، يعني كده كده مكانتش هتخرج.” سألته ببرود: “وكريم؟ عملتوا معاه إيه؟”

أحمد ضحك وقال: “كريم كان واقف برة زي الفراخ المبلولة. حاول يفهّم وكيل النيابة إن الكارت بتاع مراته وإن مفيش سرقة، بس لما واجهناه بإن الكارت مطلعش فيه غير 50 جنيه، وإن المحاولة كانت بنصف مليون، انهار تماماً. أنا سبته يروح عشان لسه مفيش بلاغ رسمي منك ضده بالسرقة أو الاشتراك، بس تفتكري هيسكت؟” قلت له: “يسكت أو ميسكتش، أنا جاهزة لكل حاجة.”

نزلت في نفس اليوم ورحت لمكتب محامي كبير، من اللي بيخلصوا القضايا من أقصر طريق. حطيت قدامه كل الأوراق: عقود ملكية الشقة اللي باسمي، كشوف الحسابات البنكية اللي بتثبت إن الفلوس ورث شرعي ليا، وتقرير البنك الفوري عن محاولة السحب الفاشلة بالليل. “أنا عايزة قضية طلاق للضرر، وإنذار طرد من الشقة لو فكر يعتب بابها، وبلاغ رسمي بالسرقة وخيانة الأمانة.” المحامي ابتسم وبص في الأوراق وقال لي: “أنتِ محاسبة شاطرة قوي يا مدام رانيا.. مأمنة نفسك بالمليم. القضية دي مش هتقعد شهور، وكريم هيمضي على كل اللي أنتِ عايزاه وهو يبوس إيدك عشان تتنازلي عن قضية السرقة.”

عدى يومين، وتليفوني مبطلش رن. كريم، وأخواته، وأعمامه.. مصر كلها بتكلمني. “عشان خاطر العيش والملح”، “الست الأصيلة بتبان وقت الشدة”، “بلاش تخربي بيت الست الكبيرة وهي في السن ده في السجن”. كنت برد بكلمة واحدة بس: “اللي مدش إيده على شقايا، مكنش زمانه في الشدة دي.. الكلام في المحكمة.” في اليوم الثالث بالليل، كنت قاعدة في شقتي بقرا كتاب، وبشرب شاي بقرنفل زي ما كنت بحب زمان قبل ما كريم يمنعه في البيت عشان ريحته. فجأة، سمعت خبط على الباب.. خبط هادي، مكسور، مفيش فيه العافية بتاعة زمان.

قمت وقفت ورا الباب وبصيت من العين السحرية. كان كريم.. بس مكنش كريم اللي أعرفه. كان دبلان، دقنه طلعت، وهدومه متبهدلة، وفي إيده كيس أسود صغير. فتحت الباب بس سبت السلسلة الحديد مقفولة. بصيت له من فتحة الباب وقلت له: “عايز إيه يا كريم؟ مش أنا قلت لك رجلك متبانش هنا؟” كريم أول ما شافني، عينه لمعت بالدموع، ورفع الكيس الصغير وقال بصوت بيمو.ت: “رانيا.. أنا مش جاي أتخانق، ولا جاي أطلب فلوس. أنا جاي أرجع لك دول.. دول حاجتك اللي كنتِ شايلاها في الدولاب ونسيتيها وأنا بلم حاجتي.”

بصيت على الكيس بشك، وقلت له: “سيب الكيس على الأرض وانزل.. وأنا هاخده.” كريم ساب الكيس فعلاً، وبص لي نظرة أخيرة وقال: “أمي هتحول للمحاكمة العاجلة الأسبوع الجاي يا رانيا.. والمحامي قال مفيش حل غير إنك تيجي تقري في النيابة إنك أنتِ اللي اديتيها الكارت برضاكِ.. أرجوكِ، أنا مش عايز منك مليم، ولا عايز الشقة، أنا هطلقك في الدقيقة اللي توافقي فيها تنقذي أمي.” قبل ما أرد عليه، تليفوني اتهز في جيب الجاكت برسالة جديدة. سحبت التليفون وبصيت فيه.. الرسالة كانت من رقم غريب تاني، ومكتوب فيها جملة واحدة خلت قلبي يقف لثواني:

“فاكرة إنك كده كسبتِ؟ كريم مكنش شغال لوحده.. والمليون وربع جنيه بتوعك لسه ليهم أصحاب تانيين مستنينهم.” رفعت عيني بسرعة لكريم وهو نازل على السلم، وكنت لسه هنده عليه.. بس فجأة، أنوار السلم كلها قطعت، والضلمة حلت على المكان كله. الضلمة اللي حلت فجأة مكنتش ضلمة عادية، كانت تقيلة لدرجة إن خلتني مش سامعة حتى صوت خطوات كريم وهو نازل. فضلت واقفة ورا الباب، ماسكة التليفون ونوره عاكس على وشي، وقلبي يدق زي طبول الحرب.

الرسالة كانت لسه قدام عينيا: **”كريم مكنش شغال لوحده.. والمليون وربع جنيه بتوعك لسه ليهم أصحاب تانيين مستنينهم.”** سحبت نفسي براحة، قفلت الباب الخشب وفوقه الترباس، ورجعت خطوتين لورا في ضلمة الشقة. سحبت الكيس الأسود اللي كريم سابه من فتحة الباب قبل ما أقفل. فتحته بنور التليفون.. مكنش فيه غير علبة قطيفة قديمة بتاعة دبلتي، ومعاها نوت بوك (مفكرة) صغيرة جلد بني، مكنتش بتاعتي.. دي كانت بتاعة كريم!

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
10