قربت منه ومسكت إيده وقولتله: “ربنا ستر يا بابا.. والشر دايما آخره حفرة بيقع فيها صاحبه.” طارق وقف في نص الشارع، وبص للناس اللي كانت ملمومة ومصدمومة، وقال بصوت عالي سمعه الكل: “يا جماعة.. الفرح هيكمل! الشر اتمسح من شرف منطقتنا للابد، وحق ندى رجع تالت ومتلت والكلاب في السجن.. شغلوا الأغاني والزغاريد، الليلة دي ليلة النصر الكبيرة!” الناس صقفت وبدأت تظأر بالزغاريد من جديد، بس المرة دي الفرحة كانت حقيقية وبتهز الأرض. طارق مسك إيدي وطلعنا على الكوشة، وبصلي وقال: “شايفة يا ندى؟ طول ما إحنا مع بعض، مفيش عاصفة هتقدر تكسرنا.”
ضحكت من كل قلبي وأنا شايفة حامد وأعوانه بيتجروا في البوكس برة الشارع، وعرفت إن الرحلة لسه طويلة، وإن الحياة مع طارق مش هتبقى هادية.. بس هتبقى دايماً مليانة قوة وعزة. ومكنتش أعرف إن الفضول اللي عند الجيران هينقلب لقصة تانية خالص لما تظهر مفاجأة جديدة في اليوم التالي للفرح تدمر كل الترتيبات اللي كنا ناويين نعملها..
في الصباحية، صحيت على صوت زقزقة العصافير ونور الشمس اللي داخل شقتنا الجديدة اللي طارق اختارها ليا في مكان هادي وراقي. كنت حاسة براحة مكنتش دقتها من سنين، كأن جبل كان شايل على ضهري وانزاح. بصيت لطارق وهو نايم بملامحه الهادية، وحمدت ربنا إن عوضه جالي في الوقت المناسب، وبشروطي أنا. لكن الهدوء ده مش مكتوب له يدوم طويل في حياتي. الساعة مجتش عشرة الصبح، وتليفون طارق بدأ يرن بهستيريا ومفصلش. طارق صحى مخضوض، رد على التليفون ووشه بدأ يتغير وملامحه تتشد، وبقى يقول بصوت واطي: “أنت بتقول إيه؟ إزاي ده حصل؟ ومين اللي سمح بكده؟”
قعدت على السرير وبصيت له بقلق: “في إيه يا طارق؟ خضيتني.. حامد هرب ولا إيه؟” طارق قفل التليفون وبصلي بنظرة فيها حيرة وغموض، وقالي: “لأ، حامد متكتف في التخشيبة والنيابة بدأت التحقيق معاه وجنايته مقفولة.. المصيبة مش من ناحية حامد.” سألته بذهول: “أومال في إيه؟ مين اللي بيتصل دلوقتي؟” طارق أخد نفس طويل وقال: “ده سالم أخوكي.. بيقول إن في مصيبة حصلت في بيت أبوكي من ساعتين، والشرطة هناك دلوقتي!”
بسرعة غيرنا هدومنا ونزلنا. طول الطريق كنت حاطة إيدي على قلبي، وسالم أخويا عمال يتصل ويستعجلنا وصوته باين فيه الرعب والذهول. أول ما وصلنا الشارع بتاعنا، لقيت عربيات الشرطة واقفة قدام البيت، والناس والجيران ملمومين أكتر من وقت الفرح، والكل عمال يهمس ويبص لفوق. جرينا ودخلنا البيت، وطلعنا شقة أبويا. أول ما دخلت الصالة، لقيت الشقة مقلوبة رأس على عقب، الكراسي مكسرة، والدواليب مفتوحة والهدوم مرمية في كل مكان، وأبويا قاعد على الكنبة وحاطط راسه بين إيديه وبيعيط بحرقة، وسالم أخويا واقف مع ضابط المباحث.
جريت على أبويا: “في إيه يا بابا؟ إيه اللي حصل هنا؟ حرامي دخل الشقة؟” أبويا رفع راسه وبصلي بدموع وعجز: “يا ريت كان حرامي يا ندى.. يا ريت كان حرامي وخد الفلوس وسابنا في حالنا.” التفتت لسالم بغضب: “اتكلم يا سالم، في إيه؟” سالم بلع ريقه وبص لطارق وقال: “الصبح بدري، الباب خبط جامد.. افتكرت حد من الجيران جاي يبارك، أول ما فتحت لقيت اتنين رجالة أشكالهم غريبة ووراهم ست مغطية وشها.. زقوني ودخلوا الشقة بهستيريا وبدأوا يكسروا ويفتشوا في كل حبر وتوبة في الحيطان.. الست دي رفعت الغطا عن وشها.. وطلعت (سعاد).. الست الكبيرة، أخت مرات أبوكي اللي هربانة!”
طارق قرب من الظابط وقاله: “يا فندم، الستات دول المفروض محبوسين على ذمة قضايا سـ,ـرقة ونصب، وأختها هربانة.. إيه اللي جابهم هنا؟” الظابط طلع ورقة صغيرة كانت معاه وقال لطارق وليا: “الموضوع أكبر من سـ,ـرقة ونصب يا طارق بيه.. الستات دول لما حسوا إن حبل المشنقة بيقرب منهم بعد حكم المحكمة، وأختها عرفت إن ندى كشفت حساباتهم، قرروا يلعبوا آخر كارت عندهم.. سعاد هجمت على الشقة عشان تدور على (مذكرات قديمة) تخص أم ندى الله يرحمها!”
قلبي سقط في رجليا.. أمي؟ مذكرات أمي؟ أنا أمي ماتت وأنا صغيرة، ومكنتش أعرف إنها سابت وراها أي حاجة مكتوبة. الظابط كمل وقال: “سعاد وهي بتتفتش اتمسك معاها صندوق خشبي صغير كانت مطلعاه من ورا دولاب قديم في أوضة النوم.. الصندوق ده فيه ورق ورسائل قديمة مكتوبة بخط أمك يا ندى.. والظاهر إن الورق ده فيه سر خطير، سعاد كانت جاية تاخده وتساومكم بيه عشان تتنازلوا عن قضايا السـ,ـرقة والنصب، ولما ملقتش الصندوق في الأول قلبت الشقة لحد ما الجيران بلغونا.”
قربت من الظابط وإيدي بتترعش: “والصندوق فين دلوقتي يا فندم؟” الظابط حط الصندوق الخشبي القديم على الترابيزة.. كان عليه تراب السنين، ومقفول بقفل حديدي صَدِئ. أبويا لما شاف الصندوق، شهق وبكى بصوت عالي وقال: “لأ.. لأ يا ندى متفتحيش الصندوق ده! أمك طلبت مني أدفنه معاها وأنا نسيت، شيلوه من هنا.. السر ده لو طلع هيخرب كل حاجة!” طارق بص لأبويا بنظرة حازمة، وبعدين بصلي وقالي: “ندى.. ده حقك، ودي حاجة تخص أمك.. أنتي الوحيدة اللي ليكي الحق تفتحي الصندوق ده وتعرفي الستات دول كانوا عايزين يبتزوكي بإيه.”
مديت إيدي، ومسكت القفل الصديء، وبكل قوتي وبتشجيع من نظرات طارق، كسرته وفتحت غطا الصندوق.. وجوه الصندوق، مكنش فيه ورق عادي.. كان فيه شهادة ميلاد قديمة جداً، وصورة لأمي وهي حاضنة طفلة رضيعة، وورقة مكتوبة بخط إيد أمي المهزوز قبل ما تمـ,ـوت بأيام، مكتوب فيها كلام خلاني أتسمر في مكاني، وعيني تتسع بصدمة زلزلت كياني كله، وخلت طارق وأخويا سالم يبصوا لبعض وهم مش مصدقين الكارثة اللي قريناها.. الورقة كانت بتترعش في إيدي، والحروف المكتوبة بخط أمي الله يرحمها كانت باهتة كأنها مكتوبة بالدموع. بدأت أقرأ بصوت مخنوق والكل مسطول من الصدمة:
> “إلى بنتي وحبيبتي ندى.. لما تقرأي الجواب ده هكون بين إيدين ربنا. أنا عشت عمري كله شايلة سر هيمـ,ـوت معايا، بس خايفة الدنيا تدور عليكي ويجي يوم تتظلمي بسببه. يا ندى.. سالم اللي عايشة معاه في البيت وطول عمرك فاكرة إنه أخوكي الصغير.. هو مش أخوكي! سالم طفل رضيع أنا لقتُه قدام باب جامع وخدته ربيته بعد ما الدكاترة قالوا لي إني مش هخلف تاني، وسجلناه باسم أبوكي علشان أمنع عنه كلام الناس. لكن المعجزة حصلت، وبعدها بسنتين ربنا رزقني بيكي أنتي.. أنتي بنتي الحقيقية ولحمي ودمي الوحيد في الدنيا دي.
أبوكي سالم عارف الحقيقة، وعشان كده بعد ما مت جري اتجوز الست دي علشان تداري على السر، والبيت ده والشقة دي ورثك أنتي لوحدك شرعاً وقانوناً، وسالم ملوش فيه مليم..” > الورقة وقعت من إيدي على الأرض. الصالة اتقلبت لسكوت قـ,ـاتل، سكوت أرعب من صوت الرصاص. بصيت لأخويا.. أو اللي كنت فاكراه أخويا.. سالم كان واقف وشه أبيض كفَن، عينيه بتتحرك في كل اتجاه وهو مش مستوعب، بص لأبويا وصرخ بصوت شرخ قلبي: “الكلام ده صح يا بابا؟ أنتوا ضحكتوا عليا طول العمر ده؟ أنا مش ابنكم؟ أنا لقتوني قدام جامع؟!”
أبويا دارى وشه بين إيديه وانفجر في العياط بنحيب يقطع القلب: “سامحني يا ابني.. أمك الله يرحمها كانت بتعشقك ومحبتش تكسر بخاطرك، ولما ندى كبرت وبقت شابة، أنا ضعفت وخفت الحقيقة تطلع وتتحرم من الميراث.. ومرات أبوكم لما عرفت السر ده بالصدفة من ورايا، بدأت تبتزني وتلقح كلام على ندى عشان تخلص منها وتجوزها لحامد، عشان الشقة تصفى ليها ولسالم وتضمن إن ندى متطالبش بحقها الشرعي لو عرفت الحقيقة!”