في ناس بتقول إن يوم الفرح هو أسعد يوم في عمر أي بنت…
أما أنا…
فاليوم ده كان بداية أكبر كابوس عشته في حياتي.
اسمي سارة.
عندي سبعة وعشرين سنة.
ولو حد كان قالي إني بعد أقل من شهر من جوازي هقف قدام المراية وأسأل نفسي أنا اتجوزت مين؟… كنت هضحك وأقوله مستحيل.
لأن آدم…
كان الراجل اللي أي بنت تحلم بيه.
عرفته بالصدفة عن طريق بنت خالتي.
مهندس، ناجح، هادي، محترم، وكلامه قليل.
خلال سنة كاملة من الخطوبة، عمره ما خلاني أزعل منه.
ولا مرة شكيت فيه.
ولا حتى حسيت إنه بيخبي عني حاجة.
كان دايمًا يقولي
أنا نفسي بيتنا يبقى مليان راحة… ومفيهوش أسرار.
وكنت أصدقه.
لأن عينيه كانت دايمًا صادقة.
أو يمكن…
أنا اللي كنت عايزة أصدق.
يوم الفرح، القاعة كانت منورة.
الكل بيضحك.
صحباتي حواليا بيصلحوا الطرحة كل شوية، والكوافير مش مبطل يقول
العروسة تضحك… الصور هتطلع أحلى.
وأنا فعلًا كنت مبسوطة.
لدرجة إني فضلت كل شوية أبص من باب أوضة العرايس على آدم.
كان واقف مع أصحابه، بيضحك، وكل ما يحس إني ببصله يبتسملي.
وقتها حسيت إني أخيرًا لقيت الأمان.
لكن الأمان ده…
ماكملش دقيقة.
فجأة حسيت بإيدين بيحضنوني من ضهري.
لفيت بسرعة.
لقيت ست في أواخر الأربعينات.
وشها هادي…
لكن عينيها كان فيهم حزن عمره سنين.
حضنتني بقوة كأنها تعرفني من زمان.
استغربت.
وقبل ما أسألها حضرتك مين؟
مالت على ودني، وقالت بصوت واطي جدًا
مبروك…
وسكتت لحظة.
وبعدين قالت الجملة اللي لحد النهارده بترن في وداني
هتشوفي اللي أنا شوفته.
اتجمدت مكاني.
بعدت عنها بسرعة وأنا ببص في وشها.
قلت باستغراب
حضرتك تقصدي إيه؟
لكنها ما جاوبتش.
بصتلي نظرة غريبة…
فيها شفقة أكتر من أي حاجة تانية.
لفت ومشت وسط المعازيم.
جريت وراها.
خرجت من أوضة العرايس.
لفيت القاعة كلها.
سألت البنات اللي واقفين على الباب
الست اللي كانت هنا راحت فين؟
بصولي باستغراب.
واحدة منهم قالت
أنهي ست؟
قولت بسرعة
اللي كانت لابسة إسدال أسود.
هزت كتفها وقالت
مفيش حد بالمواصفات دي دخل هنا.
وقفت مكاني.
قلبي بيدق پعنف.
أنا متأكدة إنها كانت واقفة قدامي من ثواني.
يبقى راحت فين؟
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت المأذون وهو بينادي
العريس والعروسة يتفضلوا.
بصيت آخر بصّة ناحية باب القاعة.
ملقتهاش.
حاولت أقنع نفسي إنها مجرد ست غلطت في الشخص.
لكن وأنا قاعدة جنب آدم…
وأول ما مسك إيدي…
افتكرت كلامها.
ولأول مرة من يوم عرفته…
دخل قلبي إحساس غريب…
إن الراجل اللي قاعد جنبي، واللي بعد دقائق هيبقى جوزي…
لسه في حياته حكاية محدش حكاهالي.
خلص الفرح.
ورجعنا شقتنا.
كانت أول ليلة لينا.
وآدم كان بيحاول يخفف عني توتري.
كل شوية يضحك.
ويهزر.
ويحكي مواقف حصلت في الفرح.
لكن عقلي كان معلق بالجملة اللي سمعتها.
يمكن لو حكيتله…
هيضحك.
ويقول إنها واحدة مختلة.
لكن معرفش ليه…
خبيت عليه.
عدى أسبوع.
وكان فعلًا الزوج اللي أي واحدة تتمناه.
يصحى قبلي.
يحضر الفطار.
يسيبلي ورقة صغيرة مكتوب فيها
يوم سعيد يا أجمل حاجة حصلتلي.
كل يوم كان يثبتلي إني ظلمته بمجرد إني شكيت فيه.
وبدأت أنسى الست.
أو على الأقل…
أحاول.
لحد ليلة…
صحيت من النوم.
لقيت مكان آدم فاضي.
بصيت في الساعة.
كانت تلاتة الفجر.
استغربت.
قومت أدور عليه.
لقيته واقف في البلكونة.
بيتكلم في الموبايل بصوت واطي.
أول ما حس إني فتحت الباب…
لف بسرعة.
وقفل المكالمة.
ابتسم.
وقال
صحيتي ليه؟
قلت
كنت بتكلم مين؟
جاوب بسرعة غريبة
واحد من الشغل.
بصيتله.
وقلت
دلوقتي؟
ضحك وقال
فيه مشروع برة مصر… فرق التوقيت لخبط الدنيا.
هزيت راسي.
ودخلت أنام.
لكن قبل ما أقفل باب البلكونة…
لمحته.
كان باصص للموبايل.
وبعدين مسح الرسالة اللي وصلته.
قدام عيني.
وفي الصبح…
لقيته خارج بدري.
نسي جاكيته على الكنبة.
شيلته عشان أعلقه.
وقع منه ظرف أبيض صغير.
مديت إيدي آخده.
لكن آدم دخل فجأة.
أول ما شاف الظرف…
خطفه من إيدي بسرعة.
ولأول مرة…
شوفت الخۏف في عينيه.
ابتسم بالعافية.
وقال
دي ورق شغل.
وحطه في جيبه.
وخرج من غير ما يبصلي.
وقفت في نص الصالة…
وبصيت لباب الشقة اللي اتقفل وراه.
وفي ودني…
رجع صوت الست الغامضة من جديد
هتشوفي اللي أنا شوفته.
وساعتها…
عرفت إن إحساسي يوم الفرح…
مكنش مجرد خوف عابر.
عدى أول شهر من جوازنا…
وحياتي مع آدم كانت شبه الحلم.
مهتم بيا.
يسألني كل
ساعة إذا كنت محتاجة حاجة.
ولو رجع من الشغل ولقي وشي متغير…
يفضل يحاول يضحكني لحد ما أبتسم.
وأوقات كنت ألوم نفسي.
وأقول
إنتِ ظلمتيه.
كل الشكوك دي ملهاش أساس.
لكن كان في حاجة…
كل ما أحاول أنساها…
ترجع تزعجني من جديد.
في آخر كل شهر…
آدم كان يختفي يوم كامل.
من أول الصبح.
لحد آخر الليل.
ولما أسأله
كنت فين؟
يبتسم ويقول
اجتماع مهم.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
كل شهر…
نفس اليوم.
ونفس الإجابة.
وفي مرة قلتله بهزار
هو الاجتماع ده بيقعد اتناشر ساعة؟
ضحك.
وباس راسي.
وقال
نفسي أقولك كل حاجة…
بس الشغل أوقات بيبقى معقد.
الكلمة دي ضايقتني.
لأنه هو بنفسه اللي كان بيقول أيام الخطوبة
بيتنا مفيهوش أسرار.
بدأت ألاحظ حاجات تانية.
في آخر الطرقة…
كان في أوضة صغيرة.
مقفولة على طول.
في الأول افتكرتها مخزن.
لكن مرة…
لقيته داخلها.
وقفل الباب بالمفتاح.
استنى حوالي عشر دقايق.
وخرج.
أول ما شافني واقفة…
ارتبك.
وقال بسرعة
بتعملي إيه هنا؟
قلت
كنت رايحة أجيب المكنسة.
ابتسم.
وقال
الأوضة دي فيها ورق مهم.
بلاش تدخليها.
هزيت راسي.
لكن السؤال فضل جوايا.
ورق إيه…
يتقفل عليه بالمفتاح؟
بعدها بكام يوم…
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت راجل كبير ماسك ظرف أبيض.
قال
الأستاذ آدم موجود؟
قلت
لا.
اداني الظرف.
وقال
سلميهوله بنفسه.
وقفلت الباب.
الظرف كان من غير عنوان.
ولا اسم شركة.
ولا حتى طابع بريد.
مجرد ظرف أبيض.
حطيته على الترابيزة.
ولما آدم رجع…
أول ما شافه…
وشه اتغير.
خده بسرعة.
ودخل أوضته.
بعد أقل من دقيقة…
خرج.
والظرف اختفى.
قلتله
مين بعتلك ده؟
رد وهو بيلبس هدوم البيت
شغل.
استغربت.
كل حاجة عنده بقت اسمها شغل.
كل شهر يختفي.
كل شوية خطابات.
وأوضة مقفولة.
وقلت لنفسي…
لو فيه حاجة غلط…
لازم أعرفها.
استنيت لحد اليوم اللي بيختفي فيه.
الصبح…
لبس بدري.
وباسني.
وقال
النهارده هتأخر.
ابتسمت.
وقلت
ربنا معاك.
أول ما نزل…
استنيت خمس دقايق.
ونزلت وراه.
ركب عربيته.
وأنا ركبت تاكسي.
وقلت للسواق
امشي ورا العربية دي.
طول الطريق…
قلبي كان بيدق.
كنت مستعدة أشوف أي حاجة.
إلا اللي شوفته.
بعد حوالي نص ساعة…
آدم وقف قدام بيت قديم.
في شارع هادي.
نزل من العربية.
وبص حواليه.
وبعدين خبط على الباب.
الباب اتفتح.
ودخل.
استنيت دقيقة.
ونزلت.
وقربت من البيت.
الباب كان موارب.
دفعتُه بهدوء.
ودخلت.
البيت كان قديم.
وهادي بشكل يخوف.
ناديت بصوت واطي
في حد هنا؟
محدش رد.
خدت كام خطوة.
وفجأة…
باب أوضة اتفتح.
وخرجت ست.
أول ما شفت وشها…
اتجمدت مكاني.
كانت هي.
نفس الست…
اللي حضنتني يوم فرحي.
ابتسمتلي…
ابتسامة حزينة.
وقالت بهدوء…
كأنها كانت مستنياني من زمان
أنا كنت عارفة…
إنك هتيجي.
وقفت مكاني.
حاسّة إن رجلي مش شايلاني.
بصيت جوا البيت.
ولقيت آدم واقف آخر الطرقة.
أول ما شافني…
غمض عينه.
كأنه كان متوقع إن اليوم ده هييجي.
قلت وأنا ببصله
هي دي اجتماعات الشغل؟
ما ردش.
بصيت للست.
وقلت بعصبية
حضرتك مين؟
وليه قلتيلي يوم فرحي الجملة دي؟
الست أخدت نفس طويل.
وقالت بهدوء
ادخلي.
قلت بسرعة
أنا مش جاية أشرب قهوة.
أنا جاية أفهم.
آدم قرب مني.
وقال
سارة…
لو سمحتي.
قلت وأنا ببصله
لأ.
المرة دي أنا اللي هتكلم.
إنت كذبت عليا.
كل شهر تختفي.
كل شوية خطابات.
وأوضة مقفولة.
وبيت بتيجي له في السر.
ولو كنت شاكّة واحد في المية…
دلوقتي بقيت متأكدة.
فضل ساكت.
وده وجعني أكتر.
لأن السكوت…
كان بالنسبالي اعتراف.
لفيت عشان أمشي.
لكن الست نادت عليا.
وقالت بصوت هادي
قبل ما تحكمي عليه…
اسمعي.
وقفت.
من غير ما أبصلها.
وقالت
أنا عارفة إن اللي شوفتيه يخلّي أي واحدة تفكر أسوأ تفكير.
لكن الحقيقة…
غير اللي في دماغك.
لفيت ناحيتها.
وقلت
إيه الحقيقة؟