حماتي بعتتني عند واحده

وقفت قدام السرير، حطيت إيدي في وسطي وبصيت لها بابتسامة نصر هزت كيانها. ووطيت عليها لغاية ما بقيت في وشها بالظبط وقولت لها بنبرة فحيح هادية: “سمعتي يا حاجة؟ سمعتي صوت الكلبشات وهي بتتقفل على إيد ممدوح والست فلانه؟ خطتك الشيطانية اتقلبت عليكي، والمحامي اللي كنتِ مستقوية بيه على ابنك ومرات ابنك، زمانه بيتشحن على التخشيبة بتهمة التزوير والجناية.. يعني خلاص، ضهرك اتكسر.” حماتي بدأت شفايفها تترعش، وجسمها كله يتنفض، ودموع الخوف والندم نازلة على تجاعيد وشها، كانت بتحاول تنطق، وتطلع ولو حرف واحد تدافع بيه عن نفسها أو تستعطفني، بس لسانها كان لسه مربوط ومبتطلعش غير حشرجة مكتومة.

أحمد قرب من السرير، وبص لأمه بنظرة عمره ما بص لها بيها قبل كده.. نظرة كلها صدمة وخيبة أمل وقسوة، وقال لها بصوت مخنوق: “بقى أنتِ تعملي فينا كده يا أمي؟ تسرقي حقي وحق إخواتي الغلابة وتزوري عقود الأرض؟ ومش بس كده.. ترمي مراتي في بيت دعارة عشان تفضحينها وتلوي دراعي؟! لولا إن نادين بـميت راجل وربنا نصرها وعقلها وزنه بلد، كان زمان بيتنا مخروب وعرضنا في الطين.. أنا مش هسجنك عشان خاطر صلة الرحم وعشان اسمي، لكن من النهاردة.. أنتِ مابقاش ليكي ابن اسمه أحمد.”

الجملة نزلت على حماتي زي السك..ينة، شهقت بصوت مكتوم وبكت بحرقة وهي بتهز رأسها وتترجاه بعينيها يسامحها. أنا لفيت لأحمد وقولت له بلهجة حاسمة مفيهاش تراجع:

“اسمع يا أحمد.. العقود اللي معايا دي، عقد الأرض هنسجله بكره باسمك أنت وإخواتك عشان حق ربنا يرجع لأصحابه، وعقد الشقة اللي أمك بصمت عليه في المستشفى هيتنفذ حالاً.. ومن اللحظة دي، الأوضة دي هي حدود أمك في الدنيا.. تخرج منها للحمام وبس، مالهاش دعوة بأكل، مالهاش دعوة بشرب، مالهاش كلمة على طفلة ولا على كبيرة في البيت.. الكلمة الأولى والأخيرة ليا، واليوم اللي هحس فيه إنها بترجع للعبها القديم، هطلع ورقة التزوير القديمة اللي المحامي معترف فيها عليها، وأوديها في سكتهم.”

أحمد طأطأ رأسه وقال وهو مستسلم تماماً: “اللي تشوفيه يا نادين.. البيت بيتك، وأنا كلي ملكك، والقصاص ده حقك القانوني والشرعي.” بصيت لحماتي للمرة الأخيرة، وقولت لها: “حمد الله على سلامتك يا حاجة.. نورتي بيتي الجديد.” ودرت ضهري ليها وخرجت، وأحمد قفل ورايا الباب، وسبناها في ضلمة أوضتها وفي ضلمة أفعالها.. الست اللي دخلت البيت ده عشان تكسرني، بقت عايشة في أركانه مستنية إشارتي، والبيت اللي كان جحيم بالنسبة لي، بقيت أنا الآمرة الناهية فيه.

قعدت في الصالة، وأحمد جه قعد جنب في الأرض، ومسك إيدي وباسها وهو بيقول: “أنا عارف إن جرحك مني كبير عشان شكيت فيكي.. بس اديني فرصة أثبت لك إني هعوضك عن كل ليلة نمتي فيها زعلانه.” بصيت له وقولت في بالي: “الحق المادي رجع، وحق الشرف بان قدام الدنيا كلها.. بس كرامتي وقلبي اللي اتهزوا لسه حسابهم طويل يا أحمد، والأيام اللي جاية هي اللي هتقول إذا كنت تستاهل تفضل جوزي.. ولا لأ.”

مرت الأيام والشهور، وتبدلت الأحوال في البيت تبدلاً كاملاً. حماتي بدأت تتعافى بالتدريج ولونها يرد لها، ولسانها اللي اتعقد رجع ينطق تاني.. بس المرة دي، مكنش بينطق غير بالدعاء والكلمة الطيبة. الصدمة اللي عاشتها، وخوفها من السجن والفضيحة، وكسرتها قدام عيالها بعد ما السر اتقلب عليها، كانت بمثابة “قلم” فّوقها من غفلتها. عرفت إن الله حق، وإن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. بقت تقعد في أوضتها، تسبح وتصلي، ولما تخرج وتشوفني، توطي رأسها في الأرض بخجل وندم حقيقي، ومبقتش تتدخل في أي حاجة، بل بالعكس، بقت تحاول تخدمني وترضيني بأي طريقة.

أما أحمد، ففضل شهور يحاول يثبت لي حبه وندمه؛ كان بيتقي الله فيا في كل صغيرة وكبيرة، وسجل الأرض باسمه وباسم إخواته ورجع لكل ذي حق حقه. وشوفت في عينيه الصدق والرغبة في إنه يبني معايا صفحة جديدة ونظيفة. وأنا، مع الوقت، وبقلب الزوجة الأصيلة، قدرت أسامح.. مش ضعف، بس لأن القوي هو اللي بيعفو عند المقدرة، ولأن بيتي وحياتي كانوا يستاهلوا الاستقرار بعد العاصفة. وفي يوم، كنا قاعدين أنا وأحمد وحماتي على طبلية واحدة بنتعشى في هدوء وسكي..نة، بصيت لهم وابتسمت، وقولت في بالي: “سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال”.

## 💡 الحكمة من القصة القصة دي مش مجرد حكاية لانتصار زوجة على حماتها، دي درس وعبرة لكل إنسان في الدنيا: * **المكر السيء يعود على صاحبه:** مهما بلغت قوة الإنسان وخباثته في تدبير المكائد للناس، ربنا بيبطل سحره وخبيئته، والفخ اللي بيحفره لغيره، بيقع فيه هو أول الناس. * **الشرف والسمعة حصنهم الحق:** من كان الله معه فمن عليه؟ النية الطيبة واللجوء لرب العباد في لحظات الكرب والظلم (“يارب استرها معايا”) هما الحبل المتين اللي بينقذ الإنسان من أشد المصائب.

* **الذكاء والثبات عند الصدمات:** الضعف والعياط والصراخ مبيجيبوش حق. نادين انتصرت لأنها استخدمت عقلها، وثبتت في مواجهة الفتنة، وجمعت أدلتها بذكاء وهدوء لغاية ما ظهر الحق. * **”الزن على الودان” مفسدة للبيوت:** الشك هو السوس اللي بياكل البيوت؛ وعلى الزوج العاقل إنه يحكم عقله وميمشيش ورا كلام حد، حتى لو أقرب الناس ليه، من غير دليل واضح، لأن البيوت بتتهد في لحظة شك. * **العفو عند المقدرة شيمة الكرام:** القوة الحقيقية مش في الانتقام والبطش لما الدنيا تدور، القوة في إنك تاخد حقك وكرامتك وتأمن شر اللي آذاك، وبعدين تسيب باب للرحمة والتسامح عشان الحياة تستمر في رضا وسك..ينة.

**تمت القصة بحمد الله.**

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
26