حسن لف وشه وبص لفدوى.. عينيه كانت مليانة عتاب وصدمة: “انتي كنتي عارفة يا فدوى؟ كنتي عارفة إن أبويا اتقـ,ـتل وإن أبوكي مشغلكم اللعبة دي عليا؟”
فدوى هزت راسها بنفي وهي بتبكي بحرقة: “والله العظيم ما أعرف! والله العظيم أنا كنت فاكرة أبويا راجل غلبان وعمي ده قاطعنا من زمان عشان اتجوز أمي غصب عن أهلها.. أنا ماعرفش حاجة عن الأراضي ولا الملايين يا حسن.. أنا وافقت عليك عشان بحبك.. بحبك من زمان والله!”
راغب قام وقف، وعدل جاكت بدلته، وبص في ساعته وقال لحسن بنبرة تهديد صريحة: “معاك لحد بكرة بعد صلاة العشا..
رزمة الفلوس دي فيها تمن ديون أبوك كلها وزيادة، وهتاخد حق أبوك من اللي قـ,ـتلوه (أبو نورهان) لأن الورق اللي يوديه المشنقة معايا وجاهز أسلمه للنيابة.. يعني هترجع غني، وتاخد ثأر أبوك.. المقابل إيه؟ ورقة طلاق فدوى، وتسلمهالي بالذوق.. لو العشا أذنت وبكرة مكنتش في الشونة ومعاك المأذون والبت.. قسماً بالله العظيم لهد السطوح ده عليك وعلى أمك المشلولة.. وهدفنكم صاحيين!”
راغب خد نورهان اللي كانت بتبص لحسن بنظرات رجاء وكسرة، ونزلوا، والحراس وراهم، وقفلوا الباب وراهم بعنـ,ـف.
الأوضة بقت هس هس..
مفيش غير صوت شهقات فدوى المكتومة، وصوت أنفاس حسن العالية والدموع نازلة من عينيه بتبلع قهر الدنيا كله. حق أبوه وفلوسه كفتة قدامه.. وشرفه ومراته كفتة تانية.
حسن قام وقف على رجليه وهو دايخ، فدوى جرت عليه تمسكه: “أمسكك يا حسن.. أنت تعبان.”
حسن زق إيدها بشويش، بس بقسـ,ـوة وجع: “ماتلمسينيش يا بنت سالم.. أبوكي لعب بيا ولعّب البلد كلها عليا.. شغلني شغال في شونتي، وجوزني بنته النحس عشان يحمي ملايينها ويداري على سـ,ـرقته من أخوه!”
فدوى وقعت على ركبها في الأرض، ودموعها نازلة زي المطر: “والله مظلومة.. والله مالي ذنب..
يا حسن أنا لو عايزة ملايين كنت روحت لعمي من زمان وعشت في قصور.. أنا عايزة الستر، وعايزاك أنت.. ماتظلمنيش مع الناس!”
حسن مسح الدم من على وشه، وقال وعينيه فيها نظرة مرعبة: “أنا رايح لعم سالم الغفير في بيته.. لو طلع عارف إن أبويا مقتـ,ـول وساكت عشان يحميكي.. هقـ,ـتله بإيدي دي!”
حسن ساب الأوضة ونزل يجري في ضلمة الليل، وفدوى صرخت وراه بس مقدرتش تسيب أمه المشـ,ـلولة لوحدها.
حسن وصل لبيت عم سالم.. البيت كان ضلمة ومفتوح على بحري! دخل وهو بيزعق: “يا عم سالم! يا سالم!”
لكن مفيش رد..
البيت كان مقلوب، الهدوم في الأرض، والدرج مكسور.. عم سالم فص ملح وداب.. هرب وساب بنته تواجه مصيرها!
حسن رجع السطوح مكسور ومش شايف قدامه.. الدنيا اسودت في عينه. دخل الأوضة، لقى فدوى قاعدة في الركن، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط في صمت كأنها طفل يتيم.
حسن بصلها، وقبل ما ينطق بكلمة.. حصلت الحاجة اللي هزت الأوضة أكتر من دخلة راغب السيرافي!
أم حسن.. الحاجة اللي بقالها تلات شهور جث..ة هامدة، مابتتحركش ولا بتنطق، ولا بترمش حتى.. فجأة، صوابع إيدها المرعشة اتمتعت، واتحركت بشويش لحد ما مسكت طرف جلابية حسن بـقوة!
حسن اتصمر مكانه، ونزل على ركبه قدام السرير وهو مش مصدق: “أمي؟! أمي انتي اتحركتي؟!”
أمه كانت عينيها حمرا زي الدـ,ـم، وبتبص لفدوى بنظرة رعب وكره مرعب.. شفايفها بدأت تترعش، وحاولت تطلع صوت مخنوق من زورها.. حسن وطي ودنه ل بؤها وهو بيبكي: “انطقي يا أمي.. قولي يا حبيبتي.”
الأم ضغطت على إيد حسن، وشاورت بصابعها التاني المرعش على فدوى اللي كانت قاعدة مرعوبة، وقالت بصوت متقطع، طالع من وسط المـ,ـوت:
“بنت… السيرافي… أبوها… هو… هو اللي… حط… السم… لأبوك!”
حسن وقف مرة واحدة كأنه ممسوس بالكهرباء.. وبص لفدوى..
وفدوى حطت إيدها على بؤها وعينيها برقت من الصدمة والرعب..
أبو نورهان محطش السم.. عم سالم الغفير هو اللي قـ,ـتله!
وساعتها.. أذان الفجر بدأ يتردد في جامع العزايزة.. وبدأ العد التنازلي للـ 24 ساعة!
ينتهي الجزء الثاني.. لتكملة الأحداث المشوقة في الجزء الاخير الكلمة خرجت من شفايف أم حسن المرتعشة، بس كان صداها في الأوضة زي دبة زلزال هدت الباقي من حيلهم.
فدوى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، حطت إيديها الاتنين على ودنها وهي بتهز راسها بهستيريا وكأنها بترفض تسمع: “لأ.. لأ.. أبويا أنا؟
عم سالم الغلبان اللي بيمشي يبص في الأرض يحط سم للراجل اللي كاسيه ومأكله؟ لأ يا طنط أبـ,ـوس إيدك قولي إنك متلخبطة.. قولي إن عمي راغب هو اللي عملها!”
حسن كان راكع على الأرض قدام سرير أمه، دموعه بتنزل على خدوده بصمت يخوف. قام ببطء، وبص لفدوى. عينيه كانت فاضية، مفيهاش غضب، مفيهاش قهر، كان فيها انكسار راجل الدنيا كلها اتفقت عليه.
فدوى نزلت على ركبها قدامه، مسكت طرف جلابيته وهي بتشهق من العياط: “يا حسن والله ما أعرف.. والله العظيم ما أعرف.. اضـ,ـربني، اقتـ,ـلني وخد تار أبوك مني، بس ماتبصليش البصة دي..
أنا مليش ذنب في اللي عمله، أنا حبيتك انت!”
حسن سحب جلابيته من إيدها بشويش، وراح قعد على الكرسي المكسور، حط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق: “ذنبي إيه أنا وأبويا يا فدوى؟ راجل فتح بابه للغريب، يتقـ,ـتل بخيانة؟ وأنا.. أنا اللي بعت لحمي ودـ,ـمي عشان أسد ديون أبويا اللي طلع مقتول، أكتشف إن مراتي تبقى بنت قـ,ـاتله؟”
فدوى حطت وشها في الأرض، ودموعها بلت بلاط الأوضة.. حست إن وجودها في حياته بقى لعنة، وإن النحس اللي الناس بتعايرها بيه طلع حقيقة، بس المرة دي دمر أغلى إنسان خاف عليها وحماها.
عدى النهار كأنه سنة.
حسن ساب البيت من بعد الفجر ومارجعش، وأمه نامت من التعب. فدوى قامت، غسلت وشها، وبصت لنفسها في المراية المكسورة. عينيها كانت مليانة تصميم. فتحت الدولاب، طلعت الفستان القديم اللي جات بيه، وطلعت ورقة وقلم من درج حسن، وكتبت سطرين بدموعها، وحطتهم جنب راس أمه.
قبل أذان العشا بساعة، في الشونة الضلمة..
راغب السيرافي كان قاعد على كرسي خشب، بيدخن سيجارته، والحراس حواليه. الباب الحديدزيق، ودخلت فدوى لوحدها. العباية السودة لفاها، ووشها باهت بس مرفوع.
راغب ضحك باستهزاء وقال: “أهلاً ببنت الغالي.. فين جوزك السبع؟ هرب وسابك تواجهي مصيرك ولا بعتك عشان يقبض التمن؟”
فدوى مدت إيدها بورقة، وقالت بصوت ثابت رغم كسرتها: “حسن ميعرفش إني هنا. دي ورقة تنازل مني عن كل الأراضي والأملاك اللي باسمي في إسكندرية، مضيت وبصمت عليها. خد ملايينك اللي أبويا هرب بيها، وعيش بيها في ناـ,ـر جهنم. بس في مقابل الورقة دي، ديون حسن كلها تسقط، والورق اللي معاك اللي يثبت براءة أبوه تديهولي.. ولو فكرت تقرب لحسن أو تأذيه، هقـ,ـتل نفسي، وساعتها مش هتعرف تبيع شبر واحد من الأرض دي طول ما أنا ميتة والورث متوقف في المحاكم.”
راغب قام، شد الورقة من إيدها، وبص فيها وابتسم بطمع: “عين العقل يا بنت أخويا..
بس انتي فاكرة إني هسيبك ترجعيله؟ انتي هتيجي معايا غصب عنك، والواد ده أنا كدة كدة هعصره لحد ما.. ”
”لحد ما إيه يا راغب بيه؟”
الصوت شق سكون الشونة. حسن ظهر من الضلمة، بس مكنش لوحده. كان لابس قميص وبنطلون نضاف، وواقف بهيبة أبوه زمان.
راغب عقد حواجبه وزعق للحراس: “خلصوا عليه!”
لكن قبل ما الحراس يرفعوا سلا..حهم، كشافات عربيات البوليس نورت الشونة كلها، وعساكر وضباط دخلوا من كل حتة، حوطوا المكان في ثواني.
راغب اتصدم وبص لحسن: “إنت عملت إيه يا غبي؟ فلوسك وحق أبوك ضاعوا!”
حسن قرب منه، عينه في عين راغب وقال بكل شموخ: “حق أبويا مابيرجعش بفلوس حرام يا سيرافي. الورق اللي انت رميتهولي امبارح على السطوح، عشان تذلني بيه وتثبتلي إنك قـ,ـتلت أبويا مع أبو نورهان، أنا خدته وطلعت بيه على رئيس النيابة في الفجر. الورق ده مش بس بيدينكم في قتـ,ـل متولي بيه، ده فيه بلاوي غسيل أموال تهز البلد.. أبويا مات راجل، وأنا هعيش راجل.. وعم سالم الغفير اتقبض عليه في محطة القطر وهو بيهرب، واعترف بكل حاجة.. اعترف إنك هددته يقتـ,ـل أبويا عشان يسدد ديونه ليك.. كلكم هتعفنوا في السجن.”
الضباط كلبشوا راغب، وهو بيشتم ويزعق، وخدوه هو والحراس.
الشونة فضيت، ومابقاش فيها غير حسن وفدوى. فدوى كانت واقفة بتترعش، مش مصدقة اللي حصل. بصت لحسن، لقت نظرة عتاب بس مليانة حنية مخفية.
قالتله بصوت واطي ومكسور: “أنا كتبتلك ورقة فوق.. متنازلة فيها عن كل حقوقي، وهروح أعيش في أي حتة بعيد عنك.. أنا مقدرش أبص في وشك ولا وش أمك بعد ما أبويا كسر ضهركم.. دم أبوك بيني وبينك يا حسن، مستحيل نتجمع تحت سقف واحد.”
لفت عشان تمشي، وتجرجر خيبتها ووجعها.. بس فجأة، حسن مسك إيدها بقوة وشدها عليه.
فدوى بصتله بصدمة ودموعها بتنزل.
حسن حط إيده التانية على راسها، ومسح دموعها وقالها بصوت دافي هز قلبها:
“ربنا في كتابه العزيز قال (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).. أنا راجل صعيدي أه والدم عندنا غالي، بس قلبي مش أعمى.