طارق بحركة لا إرادية وسريعة جداً، شد ياقة قميص ليلى لفوق ودارى وحمتها، ووقف بجسمه العريض بينها وبين نيرمين كأنه بيخبيها. هو بيكره ليلى وبيحتقرها، بس في نفس الوقت خطته لعقابها مبنية على إنها “ميتة”.. لو نيرمين أو أي حد عرف إنها عايشة، امبراطوريته وسمعته كلها هتتهد، والأهم.. ابنه هيعرف إن أمه مماتتش.
”في إيه يا نيرمين؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟” طارق سألها بصوت خشن وهو بيحاول يداري توتره.
نيرمين بصت لليلى اللي كانت واقفة ورا طارق بتترعش من الصدمة والغضب، ورفعت حاجبها باحتقار:
“كنت مستنياك يا حبيبي.. بس مستغربة وقفتك في الطرقة الضلمة دي مع..
مع البتاعة دي! وليه هدومها مبهدلة وعينيها حمرا كده؟ إنتي يا بت إنتي إزاي تتجرئي تقفي مع طارق بيه في الوقت ده؟”
كلمة “يا بت” نزلت على ليلى زي الجمرة. الست اللي سـ,ـرقت شـ,ـرفها، وفلوسها، وحياتها، ودلوقتي بتسـ,ـرق جوزها.. بتهينها في بيتها! ليلى ضمت إيديها بقوة لحد ما ضوافرها غرزت في لحمها، كانت هتنطق وتفضحها وتصرخ تقول: “أنا ليلى يا حرامية!”، بس طارق قاطعها بحدة مرعبة:
”دي رحمة.. الأخصائية بتاعة زين. الواد كان خايف من الرعد وهي كانت بتهديه. غوري على أوضتك يا رحمة.. ومش عايز أشوف وشك غير في ميعاد الجلسة!”
قالها ورمى ليلى بنظرة تحذير فيها مـ,ـوت لو فتحت بوقها. ليلى بلعت الإهانة، لمت بقايا كرامتها المكسورة، ونزلت على سلالم البدروم وهي بتجري، بس المرة دي دموعها مكنتش دموع ضعف وقهر.. دي كانت دموع غل، ونار قادت في قلبها.
”نيرمين وأبو طارق هما اللي دبروا اللعبة دي.. نيرمين أخدت الفلوس عشان تلبسني تهمة إني بعت ابني، وتفضي الساحة لنفسها وتتجوز طارق!” همست لنفسها وهي قاعدة على السرير في البدروم، بتمسح دموعها بعنف. “لا يا نيرمين.. أنا مش ليلى الضعيفة بتاعة زمان اللي بتتكسر وتعيط.. أنا رجعت من المـ,ـوت عشان ابني.. ومش هسيبهولك لو التمن روحي.”
تاني يوم الصبح..
الجو كان متوتر في القصر. ليلى طلعت الجنينة في ميعاد جلسة “زين”. كان قاعد بيلعب بالعربيته الصغيرة، وأول ما شافها جاب العروسة اللعبة بتاعته وخباها ورا ضهره، وبصلها بابتسامة صغيرة أوي كأنه بيلعب معاها استغماية. ليلى قلبها دق بفرحة، دي أول مرة زين يبادر باللعب!
قعدت على العشب معاه وبدأت تلاعبه وتتكلم معاه، لحد ما سمعت صوت كعب نيرمين بيقرب.
”أوووه.. زين حبيبي!” نيرمين قالتها بصوت مصطنع، وقربت شدت العروسة من إيد زين بعنف شوية خلاها توجعه، “إيه القرف اللي بتلعب بيه ده؟”
زين كش في نفسه بخوف ورجع لورا واستخبى في حضن ليلى.
ليلى ضمت ابنها بسرعة، ورفعت عينيها لنيرمين بغضب مكتوم: “لو سمحتي يا هانم.. الجلسة لسه ماخلصتش، وزين بيخاف من الحركات المفاجئة.”
نيرمين برقت عينيها، ورفعت إيديها وضـ,ـربت ليلى بالقلم على وشها بقوة!
القلم كان مفاجئ وصوته رن في الجنينة. زين صرخ برعب ومسك في هدوم ليلى أكتر.
”إنتي حتة خدامة هنا! تتكلمي معايا بأدب وتعرفي مقامك! الواد ده أنا اللي هربيه بعد ما أتجوز طارق الأسبوع الجاي.. ومفيش مكان للأشكال دي في بيتي!” قالتها نيرمين بصوت عالي وشراني.
ليلى حطت إيديها على خدها اللي احمر، رفعت راسها وعينيها فيها نظرة أرعبت نيرمين لثانية.
ليلى وقفت ببطء، وفي اللحظة اللي كانت هترد فيها، سمعوا صوت طارق الجهوري من وراهم:
“إيه اللي بيحصل هنا؟!”
نيرمين فجأة ملامحها اتغيرت ١٨٠ درجة، دموع مصطنعة نزلت من عينيها، وجريت على طارق تمسك في دراعه: “شفت يا طارق؟ البتاعة اللي جايبها لابنك بتزعقلي وبترفع صوتها عليا عشان بس حبيت ألعب مع زين! أنا خايفة على ابنك من الأشكال دي يا حبيبي.. دي أكيد بتعذبه في الجلسات!”
طارق بص لليلى، عينه جات على خدها اللي عليه علامة صوابع نيرمين. جواه حس بغضب أعمى، مش عارف سببه..
هل عشان ليلى، ولا عشان محدش له الحق يمد إيده على حاجة تخصه؟ بس القناع البارد رجع لوشه بسرعة.
”خدي زين واطلعي على أوضتك يا رحمة.. وماتنزليش منها.” قالها بجمود.
ليلى شالت زين اللي كان بيعيط وماسك فيها، وبصت لطارق نظرة مليانة عتاب وكسرة، وانسحبت في صمت.
بليل متأخر، القصر كان هادي جداً.
ليلى مقدرتش تنام، الكوابيس كانت بتطاردها. قررت تطلع تتسحب من البدروم تروح جناح زين تتطمن عليه من بعيد، زي ما اتعودت تعمل وهي مخبية عن عيون الكاميرات.
وهي ماشية في الطرقة الضلمة، عدت من قدام مكتب طارق، الباب كان موارب، وسمعت صوت نيرمين بتتكلم في التليفون بصوت واطي جداً بس واضح:
”بقولك إيه.. طارق مصمم يخلي الواد ده معاه بعد الجواز.. طول ما زين في البيت، طارق عمره ما هينسى ليلى الكلبة دي وعمره ما هيكون ليا لوحدي!”
سكتت ثانية بتسمع الطرف التاني، وبعدين كملت بابتسامة شيطانية وصوت يخوف:
“لا.. المصحة مش كفاية. الدكتورة اللي كانت متابعة حالة زين زمان قالت إنه عنده حساسية مفرطة من (زبدة الفول السوداني)..
لو أكل منها جرام واحد، هيمـ,ـوت فيها قبل ما الإسعاف توصله، وهتبان إنها غلطة من الأخصائية الغبية اللي اسمها رحمة.. وساعتها طارق هيقت*لها بإيده.. ونضـ,ـرب عصفورين بحجر!”
ليلى شهقت غصب عنها، إيديها اتهزت وخبطت في فازة على ترابيزة صغيرة جنب الباب. الفازة وقعت على الأرض واتكسرت حتت بصوت عالي جداً في سكون الليل!
الصوت جوه المكتب سكت فجأة.. وخطوات نيرمين بدأت تقرب من الباب بسرعة.
ليلى لفت عشان تجري، بس لقت نفسها بتخبط في حيطة صلبة.. رفعت عينيها لقت “طارق” واقف وراها في الضلمة، سامع وشايف كل حاجة، وعينيه بتبصلها بنظرة مرعبة مستحيل تتفسر!
باب المكتب اتفتح، ونيرمين طلعت وشافتهم هما الاتنين…
صلوا على النبي في التعليقات
تفتكروا طارق سمع المكالمة كلها ولا سمع خبطة الفازة بس؟ ونيرمين هتعمل إيه لما تلاقيهم واقفين كده؟ وهل طارق هيحمي ابنه ولا الفخ هيقضي على زين وليلى مع بعض؟
تابعوا البارت الاخير منها
الكاتبه سهر محمد البارت الاخير للكاتبه سهر محمد
الصمت نزل على المكان كأنه حجر تقيل كتم الأنفاس.
باب المكتب اتفتح على آخره، ونيرمين وقفت مسمرة مكانها، عينيها بتتنقل برعب بين الفازة المكسورة، وبين ليلى اللي بترتعش، وبين “طارق” اللي كان واقف في الضلمة، وملامحه مرعبة أكتر من وحش كاسر مستعد ينهش فريسته.
”ط.. طارق؟” نيرمين نطقتها بصوت مهزوز، وحاولت ترسم ابتسامة غبية على وشها وهي بتبلع ريقها، “إنت.. إنت هنا من إمتى يا حبيبي؟ مش قولتلي إنك طالع تنام؟”
طارق متكلمش. عيونه الرمادي كانت بتطق شرار، خطى خطوة من الضلمة للنور، وكل خطوة كان بيخطيها كانت بتزلزل الأرض تحت رجلين نيرمين. عدى من جنب ليلى من غير ما يبصلها، ووقف قدام نيرمين مباشرة.
”كنتي بتكلمي مين يا نيرمين؟” صوته كان هادي.. هادي بشكل يخوف أكتر من الزعيق.
”مـ.. مكنتش بكلم حد.. ده.. ده السنتر اللي بشتري منه حاجات الفرح.. كنت بأكد عليهم الحجز.” كدبت وعينيها بتزاغ في كل حتة.
فجأة، وبحركة سريعة زي البرق، طارق مد إيده ومسكها من رقبتها، خبطها في الحيطة اللي وراها بقوة خلتها تصرخ. التليفون وقع من إيدها على الأرض.
”زبدة فول سوداني؟!” زأر طارق بصوت رجّ جدران القصر كله، وعروق وشه برزت من الغضب الأعمى، “عايزة تمـ,ـوتي ابني يا فاجرة عشان تورثيني وتفضيلك الساحة؟ عايزة تق*تلي حتة مني وتلبسيها في الأخصائية؟”
نيرمين شهقت وهي بتحاول تاخد نفسها من بين إيديه اللي خانقاها، ودموع الرعب نزلت منها: “لا يا طارق.. والنبي اسمعني.. دي هي.. دي الأخصائية اللي اسمها رحمة دي هي اللي كانت بتتنصت وهي اللي ناوية تعمل كده.. أنا كنت بسمعها بتكلم حد!”
طارق ضحك ضحكة مجنونة، ضحكة وجع وكسرة وقهر، ورمى نيرمين على الأرض زي الحشرة.
“أنا سمعت كل كلمة بودني! سمعتك وإنتي بتخططي تقت*لي ابني.. وزي ما سمعتك دلوقتي، الشريط كله بيتعاد قدام عيني! إنتي وأبويا.. إنتوا اللي دبرتوا لعبة هروب مراتي زمان!”
نيرمين اتنفضت على الأرض، وصرخت بانهيار: “مراتك مين؟ ليلى ماتت! دي رحمة يا طارق..
إنت اتجننت؟!”
في اللحظة دي، ليلى مقدرتش تسكت أكتر من كده. النار اللي جواها بقالها ٤ سنين انفجـ,ـرت. قربت منهم، ودموعها بتنزل زي المطر، بس صوتها كان قوي بيهز الحيطان:
“أنا ليلى يا نيرمين! ليلى اللي سـ,ـرقتي حياتها وابنها وجوزها! ليلى اللي شافت أبو طارق بيدي ليكي شنطة الفلوس في أوضة المستشفى الضلمة، وقال لك بالحرف: ‘خدي دول، وطارق هيفتكر إنها باعتنا وهربت’.. ليلى اللي خدرتوها ورميتوها في الشارع وهي بتنزف من الولادة عشان تخلوها تمـ,ـوت وتخلى ليكي السكة تتجوزي طارق وتاخدي العز ده كله!”
طارق لف وبص لليلى. الصدمة شلت تفكيره.
كلام ليلى، مع مكالمة نيرمين اللي لسه سامعها، ركبوا البازل اللي كان ناقص. ليلى مابعتتوش. ليلى ماخدتش فلوس وهربت. أبو طارق ونيرمين هما اللي لعبوا اللعبة القذرة دي عشان يفرقوهم، واستغلوا غيابه في الشغل يوم الولادة عشان يكسروا قلبه ويقنعوه إن حبيبته خانته!
نيرمين فضلت تزحف على الأرض لورا برعب: “لا.. كدابة.. دي كدابة يا طارق.. هي اللي خدت الفلوس.. أنا ماليش دعوة!”
طارق طلع تليفونه من جيبه وإيده بتترعش من كتر الغضب والغليان اللي جواه، واتصل برئيس الحرس بتاعه.
“عمار! تطلعلي فوراً إنت والرجالة على فوق.. تاخدوا الزبالة دي ترموها في المخزن..
وحياة ابني لأخليها تتمنى المـ,ـوت كل دقيقة لحد ما أسلمها للبوليس بتهمة الشروع في ق*تل وتزوير وخطف! غوري من قدامي!”
الحرس دخلوا في ثواني، سحبوا نيرمين اللي كانت بتصرخ وتولول زي المجنونة، لحد ما صوتها اختفى تماماً من القصر.
الهدوء رجع تاني.. بس هدوء مشحون بمشاعر تهد جبال.
ليلى كانت واقفة بتترعش، حاطة إيديها على وشها وبتبكي بانهيار بعد ما كل الحمل اللي شالته السنين دي نزل من على كتافها.