دفعت إيجار حماتي

ماحبتش أحكي.
دخلت المكتب وبدأت أراجع الحسابات.
بعد نص ساعة، السكرتيرة خبطت على الباب.
قالت
في مدام بره مصرة تقابل حضرتك.
قلت
مين؟
قالت
بتقول إنها حماتك.
اتنهدت.
قلت
خليها تدخل.
دخلت أمبارو، لكن المرة دي ماكانتش داخلة بنفس الثقة.
أول ما قعدت قالت
إيه حركات العيال اللي عملتيها؟
وقفتي الفلوس؟
قلت بهدوء
آه.
قالت بعصبية
وأنا هصرف منين؟
ابتسمت.
من نفس المكان اللي كنتي بتقولي إن ابنك بيصرف منه.
وشها احمر.
قالت
إنتي بټنتقمي.

قلت
لا… أنا بطلت أصرف.
في فرق كبير.
قامت وقفت وخبطت بإيدها على المكتب.
أنا ربيت ابني، ومن حقي يرد الجميل.
قلت
ابنك يرده.
مش أنا.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما هنساهالها.
يعني أمك تستاهل السفر… وأنا لأ؟
رديت عليها من غير ما أرفع صوتي.
أمي عمرها ما مدت إيدها في جيبي.
أمي عمرها ما أهـ,ـانتني.
أمي عمرها ما ضـ,ـړبتني.
خرجت الكلمة الأخيرة، وسكت المكان كله.
أمبارو بصتلي، وبعدها قالت
عندك دليل؟
فتحت درج المكتب.
طلعت الموبايل.

شغلت التسجيل.
الصوت كان واضح…
صوتها وهي بټشتم.
وصوتها وهي بتقول إن فلوسي حق ابنها.
وبعدين…
صوت القلم.
فضلت واقفة مكانها.
وشها اصفر.
أول ما التسجيل خلص، مدت إيدها ناحية الموبايل.
قلت
إوعي.
ده مش هيتلمس.
قالت وهي مرتبكة
امسحيه… وإحنا ننسى اللي حصل.
قلت
أنا نسيت إهانات كتير.
ونسيت استغلال كتير.
ونسيت سكوت جوزي.
لكن القلم ده… هو اللي فوقني.
قامت من الكرسي وهي بتقول
لو التسجيل ده خرج… هتبقي خربتي بيتك بإيدك.
وقفت أنا كمان.

وقلت بهدوء
البيت اللي كان بيتخرب من سنين… مش التسجيل هو اللي هيهده.
هي اللي عملت كده يوم ما رفعت إيدها عليا.
خرجت من المكتب وهي مخبطة الباب وراها.
أول ما اختفت من قدامي، رن تليفوني.
كان رقم غريب.
رديت.
لقيت صوت راجل بيقول
مدام فاليريا؟
أنا المحامي اللي دانيال كلفه يتواصل معاكي.
هو عايز يقعد معاكي قبل ما الموضوع يكبر.
بصيت من شباك المكتب على الناس اللي ماشية في الشارع.
وخدت نفس طويل.
وقلت
لأ…
المرة دي الكلام هيكون عن طريق محاميّي أنا.

وساعتها عرفت إن اللي جاي… هيكون أصعب عليهم بكتير من أي حاجة كانوا متوقعينها.
قفلت المكالمة وأنا ماسكة الموبايل بإيدي، وبصيت في الفراغ شوية.
الغريب إني ماكنتش مړعوپة.
بالعكس… لأول مرة من سنين حسيت إني واقفة على أرض ثابتة.
بعد أقل من ساعة، رن تليفوني تاني.
المرة دي كان دانيال.
سيبته يرن.
بعدها بعت رسالة.
فاليريا… بالله عليكي نتكلم. أمي تعبانة من ساعة ما وقفتي الفلوس.
قريت الرسالة ومسحتها.
بعدها بدقيقة وصلت رسالة تانية.
لو مش عشاني… عشان العشرة.
ابتسمت بسخرية.
العشرة اللي افتكروها لما الفلوس وقفت.

أما وأنا كنت بدفع الإيجار، والعلاج، والكهربا، والغاز، وبطاقة الموبايل، وكل طلباتهم… عمرهم ما افتكروا العشرة.
كملت شغلي عادي.
وقبل ما أقفل الفرع، السكرتيرة دخلت وقالتلي
مدام فاليريا… في راجل كبير بره بيقول إنه والد حضرتك.
جريت على الباب.
لقيت بابا واقف.
أول ما شافني ابتسم، لكن أول ما لمح أثر القلم اللي لسه باين على وشي، الابتسامة اختفت.
قال وهو بيقرب
مين اللي عمل فيكي كده؟
قلت بسرعة
مفيش يا بابا… خبطت في الباب.
بصلي
شوية.
وقال
أنا أبوكي… ماتكدبيش عليا.
ماقدرتش أتكلم.

كل اللي عملته إني حضنته.
فضل ماسكني وهو بيطبطب على ضهري، وأنا بعيط لأول مرة من قلبي.
بعد ما هديت، حكيتله كل حاجة.
من أول الفلوس اللي كنت بدفعها، لحد القلم.
بابا سكت.
ولا شتم.
ولا صړخ.
بس قال جملة واحدة.
أنا ربيتك عزيزة… مش عشان حد يمد إيده عليكي.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
رجعت معاه البيت.
أمي كانت قاعدة بتجهز العشا.
أول ما شافت وشي، قامت مڤزوعة.
إيه اللي حصل؟
بابا رد قبل ما أتكلم.
بنتنا راجعة بيتها.

مش هترجع هناك تاني.
أمي حضنتني وهي بټعيط.
وقالت
سامحيني… أنا السبب.
أنا اللي قولتلك ماتعمليش مشاكل.
مسكت إيديها بسرعة.
إوعي تقولي كده.
إنتِ عمرك ما كنتِ السبب.
السبب هو اللي افتكر إن سكوته رجولة… وإن إهانتي حق.
عدى يومين.
وفي اليوم التالت، رحت أقابل المحامي.
حطيت قدامه ملف كبير.
فتح الملف، وكل شوية يبصلي باستغراب.
إيصالات تحويل.
فواتير.
كشوفات حساب.
عقود.
حتى فاتورة العلاج اللي كانت باسم حماتي.
قالي
إنتي محتفظة بكل ده؟

قلت
اتعودت أحاسب نفسي على كل جنيه.
قلب في الورق أكتر.
وبعدين رفع راسه وقال
إجمالي اللي دفعتيه خلال 14 شهر رقم كبير جدًا.
لو كان كل ده موثق، يبقى موقفك قوي.
أول ما خرجت من عنده، رن الموبايل.
كان رقم دانيال.
المرة دي رديت.
قال بسرعة
فاليريا… أمي عايزة تشوفك.
قلت
وأنا مش عايزة أشوفها.
قال
هي مستعدة تعتذر.
سألته
قدام مين؟
سكت.
قلت
قدام الناس اللي أهانتني قدامهم؟
قدام الموظفين؟
قدام أمي اللي عيطتيها؟

ولا قدام نفسها بس؟
قال
إنتي بتعقدي الأمور.
ضحكت.
أنا؟
ولا إيد أمك لما نزلت على وشي؟
قفل السكة.
بعدها بساعتين، وصلني إشعار من كاميرات المراقبة بتاعة الفرع الرئيسي.
فتحت التطبيق.
لقيت أمبارو واقفة قدام المحل، ومعاها دانيال، وبيسألوا الموظفين عني.
لكن اللي شد انتباهي مش وجودهم…
اللي شدني إن أمبارو كانت شايلة ظرف بني كبير، وكانت بتقول بصوت عالي
قولولها لو ما خرجتش دلوقتي… أنا ھفضحها قدام الزباين كلهم.
وقتها فهمت إنهم لسه ما اتعلموش أي حاجة…
وإن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش.

أول ما شفتهم على شاشة الكاميرات، ماجريتش ولا نزلت أقابلهم.
قعدت مكاني.
بصيت للمديرة المسؤولة عن الفرع وقلت
محدش يرد عليهم… ولو عملوا أي مشكلة كلموا الأمن.
قالتلي بتوتر
حاضر يا مدام.
كنت بتابع من الكاميرا.
حماتي كانت واقفة في نص المحل، رافعة صوتها، والناس كلها بقت باصة عليها.
ودانيال كل شوية يحاول يهديها.
قالها
يا ماما وطي صوتك.
زقته بإيدها وقالت
اسكت… كل اللي إحنا فيه بسببك.
الموظفين كانوا واقفين بعيد، ومحدش راضي يدخل في الكلام.
بعدها الأمن جه.
طلب منهم يخرجوا بهدوء.

في الأول رفضت.
لكن لما الأمن قالها إنه هيضطر يتصل بالشرطة لو ماخرجتش، لمت شنطتها وخرجت وهي بتبص للمحل بغل.
قفلت الكاميرات وأنا باخد نفس طويل.
كنت عارفة إن دي مش النهاية.
دي البداية.

تاني يوم الصبح، وأنا بشرب قهوتي، جالي إشعار من البنك.
فتحت التطبيق.
كان فيه طلب لتحويل مبلغ كبير من الحساب المشترك اللي بيني وبين دانيال.
الحمد لله إن البنك كان باعتلي إشعار قبل تنفيذ العملية.
اتصلت بخدمة العملاء فورًا.
قلت
أنا برفض أي عملية سحب من الحساب المشترك لحد ما أوصل الفرع.

بعد أقل من ساعة كنت في البنك.
الموظفة فتحت البيانات وقالت
أستاذ دانيال كان هنا من نص ساعة، وحاول يسحب مبلغ كبير.
قلت
قد إيه؟
قالت الرقم.
حسيت قلبي وقع.
كان تقريبًا كل اللي في الحساب.
وقعت فورًا على طلب إيقاف السحب، وطلبت تجميد الحساب لحين إنهاء الإجراءات القانونية.
وأنا خارجة من البنك، لقيت دانيال واقف مستنيني.
أول ما شافني جري عليا.
قال بعصبية
ليه وقفتي العملية؟
قلت
لأن الفلوس دي تعبي.

قال
إحنا متجوزين… يعني الفلوس فلوسنا.بصيتله وقلت
غريبة…
لما كنت بدفع إيجار أمك، وعلاجها، وفواتيرها، كنت تقول دي فلوسي.
ولما جيت أحميها، بقت فلوسنا؟
وشه احمر من الإحراج.
قال
أمي محتاجة فلوس.
قلت
يبقى ابنها يصرف عليها.
أنا خلص دوري.
مسك دراعي.
أول مرة يمسكه بالشكل ده.
قال
إنتي اتغيرتي.
سحبت دراعي من إيده.
لا…
أنا فوقت.
في اللحظة دي، سمعنا صوت جاي من ورا.
كانت أمي.
كانت جاية مع بابا عشان ياخدوني.

أول ما
شافت دانيال ماسك دراعي، جريت ناحيتي.
قالت بصوت عالي
سيب بنتي.
لف دانيال بسرعة وساب إيدي.
بابا وقف بينا وبينه.
وقال بمنتهى الهدوء
من النهارده أي كلام هيكون عن طريق المحامين.
ولو قربت من بنتي تاني… مش هسكت.
دانيال فضل باصص لينا، ومتكلمش.
ركبت العربية مع بابا وأمي.
وأنا ببص من الشباك، شفته واقف لوحده قدام البنك.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
لكن جواه ماحركش فيا أي إحساس.
لأن اللي انكسر جوايا يوم القلم…
كان مستحيل يتصلح.
عدى أسبوع.

وفي صباح يوم هادي، كنت في المكتب براجع طلبات الفروع.
السكرتيرة دخلت بسرعة وقالت
مدام فاليريا… في ظرف وصل لحضرتك، ومفيش اسم المرسل.
خدت الظرف.
كان تقيل شوية.
فتحته بهدوء.
لقيت فلاشة صغيرة…
ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط إيد
إنتي فاكرة إن التسجيل اللي معاكي هو الحقيقة كلها؟
اسمعي اللي على الفلاشة…
وهتعرفي إن اللي اتخبى عنك طول جوازك، كان أخطر بكتير من القلم.
بصيت للفلاشة وهي بين صوابعي…
وحسيت إن حياتي كلها كانت داخلة على صدمة جديدة، يمكن تكون أكبر من كل اللي فات.

فضلت الفلاشة في إيدي كام دقيقة وأنا ببصلها.
مكنتش عارفة أفتحها… ولا كنت مستعدة أعرف إيه اللي فيها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0