طلعت حامل يا أمي

نغم اشتغلت في Zidan Logistics أسبوعين. مراد ماكانش سايبها في حالها، بس مش بالطريقة اللي كانت متخيلاها. لا شتيمة ولا زعيق قدام الناس. كان بيديها أصعب ملفات الترجمة، عقود شحن بالإنجليزي القانوني التقيل، ويقولها: “عايزه بكرة الصبح على مكتبي.” وكانت بتسهر في بيت أم كريم تترجمه كله صح، وتاني يوم تحطه على مكتبه من غير ولا غلطة. كان بيعدي من جنب مكتبها في الـ open office ويقول بصوت عالي يسمعه الكل: “الأستاذة نغم من الصعيد، شاطرة أوي في الهروب.. أقصد في الترجمة.”

الموظفين كانوا بيبصوا لبعض، ونغم كانت بتبلع الإهانة وتكمل شغل. مش عشان خايفة، عشان عايزة تثبت. في يوم، مراد رمى على مكتبها ملف وقال: “العقد ده فيه غلطة، طلعيها.” نغم فتحته، ربع ساعة، رجعتهوله: “مفيهوش غلطة.” “يعني أنا كداب؟” “لا، يعني العقد سليم. ولو حضرتك شايف غير كده، علّملي عليها بالأحمر.” سكت وبص لها، أول مرة مايلاقيش رد يوجعها بيه. بالليل وهو مروح، لقى عقد شغلها في الترجمة اللي هي ماضياه، جنبه عقد جوازهم. نفس الإمضاء، نفس الخط المهزوز. افتكر كلامها يوم الانترفيو: أمك رمتني في بحري.. خدت دهبي.. اسأل السواق.

هو ماسألش. كان مقتنع إنها بتمثل. تاني يوم الصبح نده شريف مكتبه: “العربية المرسيدس السودة اللي أمي سافرت بيها سوهاج يوم كتب الكتاب، مين كان سايقها؟” شريف فتح الموبايل: “عم صابر، السواق القديم بتاع الحاجة إنعام. بس الحاجة مشّته بعد الرحلة دي على طول، قالت كبر ومبقاش ينفع.” مراد: “هاتهولي. دلوقتي.” بعد ساعتين، عم صابر كان واقف قدامه، راجل ستيني إيده بتترعش. مراد: “يا عم صابر، ليلة ما رجعتوا من سوهاج ومعاكم عروسة.. نزلتوها فين؟”

صابر بص في الأرض: “يا بيه..” “ما تكذبش عليا. دي مراتي، وعايز أعرف مراتي باتت فين ليلة فرحها.” صابر بلع ريقه: “الحاجة إنعام قالتلي أقف في حارة في بحري.. و.. ونزلت العروسة من العربية بنفسها. البت كانت بتعيط وبتقول خدوا دهبي بس متسيبونيش. الحاجة خدت الدهب فعلا يا بيه.. وأنا.. أنا كنت خايف على أكل عيشي.” مراد حس إن الدم نزل من وشه. سكت 10 ثواني كاملين. “غور. وماتورينيش وشك تاني.” نزل بنفسه على بحري، مع شريف. راح على القهوة اللي على ناصية شارع أم كريم. القهوجي أول ما شاف صورة نغم تاني، قال: “آه يا بيه، ما قلتلك ماشفتهاش.”

شريف مسكه من لياقة القميص: “هتتكلم عدل ولا..” مراد وقفه: “سيبه.” القهوجي قال: “بص يا أستاذ، البنت دي ضيفة أم كريم، وأم كريم دي ست الكل هنا، ومحدش هيسلمها. عايزها؟ روح اسألها هي.” “فين بيت أم كريم؟” شاورله على البيت أبو باب حديد أخضر. مراد خبط. اللي فتحت دعاء. “عايز نغم.” “مين حضرتك؟” “جوزها.” دعاء بصتله من فوق لتحت: “آه.. اللي فاكرها هربت؟ اللي سايب مراته تشتغل عنده عشان يذلها؟ ادخل استناها، هي لسه مرجعتش من الشغل.. عندك.”

وسابته واقف في الصالة الصغيرة اللي نغم نامت فيها أول ليلة. مراد قفل العلبة، وقعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه. نغم رجعت البيت، لقت جزمة غالية قدام باب الشقة. دخلت، لقت مراد قاعد، وأم كريم ودعاء واقفين بعيد. أول ما شافها وقف: “نغم..” “إيه اللي جابك هنا؟ جاي تكمل إذلال في بيتي؟” “لا. جاي أقول.. إنك كنتي صح.” سكتت. ماكانتش متوقعة كلمة آسف تيجي بالسهولة دي. كمل: “كلمت السواق. وعرفت كل حاجة. أمي اللي رمتك. وأنتي ماكذبتيش في ولا حرف.”

نغم عينيها دمعت، بس المرة دي دموع غضب: “بعد إيه؟ بعد ما شغلتني عندك خدامة؟ بعد ما سمعتّني كلام زي السم قدام موظفينك؟ أنا ذنبي إيه إن أبويا وعيلتك بينهم تار من آكتر من 20 سنة وأنا ماكنتش اتولدت أصلا؟ ذنبي إيه إنك اتجوزتني من غير ما تشوف وشي عشان ترضي أمك؟” مراد قرب خطوة: “ماليش رد. كل كلمة صح. أنا كنت أعمى وماشي ورا تار مش بتاعي.” طلع من جيبه عقد جوازهم، مقطوع نصين.

“ده عقد الجواز. قطعته. مش عشان أطلقك، عشان الورقة دي كانت معمولة للانتقام، مش للجواز.” وبعدين طلع ورقة تانية: “وده عقد شغلك. فسخته. إنتي مش موظفة عندي.” نغم شهقت، فكرته بيرميها تاني: “يعني..” “يعني لو هتكملي معايا، هتكملي بمزاجك، مش كورقة ضغط. ولو مش عايزة تشوفي وشي تاني، هبعتلك ورقة طلاقك لحد هنا، ومعاها تعويض يأمنلك حياتك إنتي وأم كريم ودعاء، ومحدش هيقربلك.” بص لها في عينيها: “بس لو سألتيني أنا عايز إيه.. أنا عايز فرصة. مش عشان أصلح اللي أمي عملته، عشان أعرفك بجد. من غير تار، من غير انتقام، من غير شركة.”

أم كريم مسحت دمعتها بطرف طرحتها وقالت: “ردي يا بنتي.” نغم بصت لمراد، الراجل اللي شافته أول مرة في بدلة في مكتب إزاز وكان عايز يكسرها، ودلوقتي واقف في صالة ضيقة في بحري، ماسك عقد جواز مقطوع، ومستني كلمة منها. قالت بصوت واطي بس ثابت: “أنا مش هعيش الفيلا اللي أمك فيها.” “ولا أنا. أنا سبت الفيلا. واخد شقة على البحر، باسمي لوحدي.” “ومش هشتغل عندك سكرتيرة تتهزأ.” “هتكملي دراستك. آخر سنة آداب إنجليزي اللي أبوكي حرمك منها. وأنا اللي هدفع مصاريفها، مش كتعويض.. كجوزك، لو وافقتي.”

“ولو ماوافقتش؟” سكت ثانية وابتسم أول ابتسامة حقيقية تشوفها منه: “هفضل أجيبلك طماطم من فرش أم كريم كل يوم لحد ما توافقي.” دعاء ضربت كف بكف: “يا لهوي على الرومانسية اللي في بحري!” نغم ماقدرتش تمسك ضحكتها وسط دموعها. هزت راسها آه. إنعام زيدان عرفت باللي حصل من شريف. اتصلت بمراد تزعق: “هتضيع تار خالك عشان بنت صفوان ضحكت عليك؟” مراد رد بهدوء: “التار ده خلص يا أمي. خالي مات، ولو فضلنا كده هنموت إحنا كمان وإحنا عايشين. أنا اخترت مراتي. تحبي تبقي جدة ولادها في يوم، أهلا وسهلا. مش حابة، هتفضلي أمي وهفضل أحبك، بس من بعيد.”

وقفل. بعد شهر، نغم رجعت الجامعة انتساب، وبتحضر محاضراتها أونلاين من شقة صغيرة على البحر في إسكندرية. الصبح بتفطر مع مراد قبل ما ينزل شركته، وبالليل بتذاكر وهو قاعد جنبها يترجم لها العقود الصعبة اللي كانت بتعند معاه فيها زمان، المرة دي بضحك. وفي يوم جمعة، أخدها وراحوا بحري. اشتروا خضار من فرش أم كريم، واتغدوا كلهم سمك في البيت أبو باب حديد أخضر. وهي مروحة، نغم بصت للحارة اللي اترمت فيها بفستان فرح، ومسكت إيد مراد.

“تفتكر لو أمك مارمتنيش هنا، كنا هنتقابل إزاي؟” مراد ضحك: “مكناش هنتقابل. كنتي هتفضلي بنت صفوان اللي بكرهها من غير ما أشوفها. فشكرا لأمي.” ضربته في كتفه: “يا بارد!” “بارد؟ ده أنا مولع يا مدام زيدان مش هتحني عليا بقى .” ضحكت وقالتله : هفكر وركبوا العربية ومشيوا، وسابوا وراهم الحارة اللي بدأت فيها الحكاية بفستان أبيض متوسخ، وقفلتها بحكاية حب بين مراد ونغم. تمت… الكاتبة ملك إبراهيم.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0