طلعت حامل يا أمي

“أبلغ أقول إيه؟ مرات ابني اللي لسه كاتب عليها الصبح هربت؟ عايز تفضحنا؟” مراد قفل، ودمه بيغلي. مش عشان خايف عليها، عشان حاسس إنها ضحكت عليه. فتح درج مكتبه، طلع صورة بطاقتها اللي المأذون كان مصورها. نغم صفوان الهواري، 22 سنة، سوهاج. بص للصورة. أول مرة يشوف وشها. عيون بريئة، وملامح هادية، مش شكل واحدة بتهرب ليلة فرحها. مسك تليفونه واتصل بواحد اسمه شريف، شغال عنده في الأمن في شركته. “شريف، عايزك في شغل خاص. واحدة هربت من أمي على طريق سوهاج إسكندرية. اسمها نغم صفوان الهواري، دي صورة بطاقتها، هبعتهالك.”

“تمام يا مراد بيه، ندور فين؟” “في كل حتة. كماين، مستشفيات، محطات قطر. بنت صعيدية لوحدها وبفستان فرح مش هتوه. ولما تلاقيها.. ماتكلمهاش. كلمني أنا الأول.” قفل، وبص للبحر تاني. “فاكرة هتهربي من مراد زيدان يا بنت صفوان؟ أبوكي قتل خالي، وإنتي فاكرة هتفلتي كده؟ أنا اللي هجيبك بنفسي، وهعرفك الهروب تمنه إيه.” ماكانش يعرف إنها مانامتش في حضن حد، ولا هربت مع حد. كانت نايمة على سرير ضيق في بحري، لابسة جلابية مستلفة، وحاضنة عقد جوازهم وهي بتعيط في صمت عشان ماتصحيش دعاء.

— عدى 3 أسابيع . نغم كانت خلاص بقت بنت الحارة. بتصحى الفجر ترص الخضار مع أم كريم، وبعد الضهر تدي دروس إنجليزي مع دعاء لعيال ابتدائي في أوضة النوم. الفلوس قليلة، بس كانت بتكفي حقها، وكانت بتنام وضميرها مرتاح إنها مش تقيلة على حد. في ليلة وهما قاعدين، دعاء كانت بتقلب في تليفونها، وفجأة قالت: “نغم! بصي.” ولفت الشاشة. إعلان على لينكد إن: Zidan Logistics – Alexandria Branch مطلوب مترجمة إنجليزي – بارت تايم – حديثة التخرج

نغم قرت الاسم وقلبها وقع ثانية. زيدان. نفس اسم اللي في عقد جوازها. بس زيدان اسم منتشر، وفيه ألف شركة زيدان في إسكندرية. دعاء كملت: “المرتب 8 آلاف في الشهر، بارت تايم! يا بنتي ده قد اللي بنعمله في 3 شهور دروس وخضار. إنتي آداب إنجليزي، قدمي.” نغم اترددت: “أنا ماكملتش آخر سنة.” “مش كاتبين يشترط التخرج، كاتبين إجادة تامة. وإنتي الإنجليزي بتاعك أحسن من الدكاترة بتوعي في الكلية.” أم كريم كانت بتسمع وهي بتقمع بامية: “قدمي يا بنتي، هو إحنا هنفضل طول عمرنا في الطماطم؟ ربنا يفتحها عليكي.”

نغم بصت لعقد الجواز اللي شايلاه في درج الكومودينو بقاله 3 أسابيع ومافتحتوش. خدت نفس عميق. “هقدم.” دعاء عملتلها CV في نفس الليلة على اللابتوب القديم بتاعها. نغم صفوان الهواري، 22 سنة، سوهاج، مقيمة حاليا الإسكندرية – بحري. طالبة آداب إنجليزي، جامعة جنوب الوادي. إجادة تامة تحدث وكتابة. بعتت الـ CV الساعة 11 بالليل. الساعة 9 الصبح تاني يوم، جالها ميل: تم تحديد مقابلة غدا الساعة 12 ظهرا، مقر شركة Zidan Logistics – سموحة.

نغم ماكانتش تملك لبس فورمال. دعاء سلفتها بلوزة بيضا مكوية نضيفة، وجيبة سودا طويلة، ولمت لها شعرها كحكة بسيطة. أم كريم ادتها 100 جنيه في إيدها: “عشان مواصلاتك رايح جاي، ولو عطشتي اشربي عصير.” نغم حضنتها جامد: “هرجعلك الفلوس أول مرتب.” “ترجعي بالسلامة بس.” – مراد مراد كان قاعد في مكتبه في الدور الـ 18، الإزاز كله شايف إسكندرية من فوق. بقاله 3 أسابيع بيدور على نغم ومفيش أثر. شريف قال إنها فص ملح وداب.

كان مقتنع خلاص إنها هربت مع حد، وإن أبوها مغطي عليها. الكره القديم اللي أمه زرعته فيه ناحية عيلة صفوان بقى شخصي. السكرتيرة خبطت: “مراد بيه، انترفيوهات المترجمة، الـ HR مختارين 3 بنات، تحب تشوفهم بنفسك ولا نخلص إحنا؟” مراد من غير ما يرفع عينه من اللابتوب: “ابعتيلي الـ CVs، لو حد فيهم كويس همضي وخلاص، مش فاضي.” السكرتيرة سابت الفايل على مكتبه ومشيت. مراد قلب أول CV، تاني CV.. وقف عند التالت. الاسم: نغم صفوان الهواري

السن: 22 محل الإقامة: الإسكندرية – بحري رفع عينه ببطء. نفس الاسم اللي في عقد الجواز اللي مرمي في درج مكتبه بقاله شهر. ضحك ضحكة قصيرة ناشفة مش مصدق. بقاله 3 أسابيع قالب عليها إسكندرية، وهي باعتة CV تشتغل عنده؟ داس على الإنتركوم: “نادية، البنت اللي اسمها نغم صفوان، ميعادها الساعة كام؟” “12 يا فندم، كمان عشر دقايق.” “دخليها عليا أنا الأول. مش عايز HR. أنا اللي هعمل معاها الانترفيو.” – المقابلة نغم كانت قاعدة في الريسبشن، إيديها ساقعة وبتفرك في الجيبة السودا. الشركة فخمة أوي، كل حاجة إزاز ورخام، والموظفين لابسين بدل. حست إنها صغيرة وغريبة.

السكرتيرة نادت: “أستاذة نغم؟ اتفضلي، مراد بيه مستنيكي بنفسه.” نغم وقفت، ظبطت البلوزة، ومشيت وراها. قلبها بيدق عشان الانترفيو، مش عشان أي حاجة تانية. الباب اتفتح. مكتب كبير، ريحة برفان غالية، وواحد واقف ضهره للباب بيبص على البحر. لف. مراد زيدان. 32 سنة، بدلة كحلي متفصلة عليه، دقنه خفيفة، وعينيه سوده وباردة. مشافتوش قبل كده، بس شافت صورته في بطاقته لما كانت بتجهز ورق الجواز في البلد. هو ده. وقفت مكانها متسمرة. الدم هرب من وشها.

هو بص لها من فوق لتحت، تقييم بارد، وبعدين بص للـ CV في إيده. “نغم صفوان الهواري. من سوهاج. وساكنة في بحري.” صوته كان هادي أوي، يخوف أكتر من الزعيق. نغم بلعت ريقها، صوتها طلع بالعافية: “أيوة.” قفل الفايل وحطه على المكتب. قرب خطوتين، وحط إيديه في جيوبه. “بقالك 3 أسابيع في إسكندرية، صح؟” هي هزت راسها آه، مش قادرة تتكلم. “وكنتي فين الـ 3 أسابيع دول يا مدام مراد زيدان ؟”

الكلمة نزلت عليها زي القلم. مدام مراد زيدان .عينيه ماكانش فيها لهفة ولا حب، كان فيها غل. قرب أكتر، ووطى صوته: “هربتي ليلة فرحك، وفضحتيني في الصعيد كله، وبعدين جاية تقدمي عندي في شركتي تشتغلي مترجمة؟ بجاحة أهلك دي جايباها منين؟” نغم أخيرا لقت صوتها، وكان بيترعش: “أنا مهربتش.. والله العظيم ما هربت.. أمك.. أمك هي اللي..” مراد خبط بإيده على المكتب مرة واحدة، خلاها تنط مكانها. “أمي؟! هتجيبي سيرة أمي على لسانك؟ أمي اللي قالتلي إنك بنت ناس ومتربية؟”

سكت ثانية وخد نفس، ورجع لبروده اللي يرعب. “بصي يا بنت صفوان. إنتي على اسمي، ودي غلطة أنا هدفع تمنها. بس بما إنك جيتي برجليكي لحد عندي، يبقى هنلعبها بقواعدي.” فتح درج مكتبه، طلع عقد الجواز بتاعهم، ورماه قدامها. “الوظيفة قبلتي فيها. مبروك. هتمضي عقد شغل، وهتمضي على إقرار إنك استلمتي كل مستحقاتك كزوجة عشان لما اطلقك ميبقاش لكي حاجة عندي……. الكاتبة ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الأخير الجزء الأخير الكاتبة ملك إبراهيم

الوظيفة قبلتي فيها. مبروك. هتمضي عقد شغل، وهتمضي على إقرار إنك استلمتي كل مستحقاتك كزوجة عشان لما اطلقك ميبقاش لكي حاجة عندي. ولحد ما اطلقك.. هتشتغلي هنا كل يوم قدام عيني، 8 ساعات، وأي غلطة.. أي غلطة يا نغم، هرميكي في الشارع تاني، بس المرة دي بورقة طلاقك.” نغم عينيها دمعت غصب عنها، بس رفعت راسها: “أنا مهربتش صدقني ، وأمك هي اللي رمتني في الشارع بفستان الفرح اول لما وصلنا إسكندرية، وخدت دهبي. واسأل سواق العربية السمرا اللي كان معاها لو مش مصدقني.”

مراد بص لها طويل، لحظة واحدة بس بان فيها إنه متلخبط، وبعدين رجع القناع تاني. “كدابة شاطرة. عموما الكدب ده مش هينفعك في شغلك هنا في الترجمة. تمضي؟ ولا ترجعي الصعيد لأهلك وإنتي مطلقه وخاينة.. وهتشوفي اسود ايام في حياتك صدقيني ؟” نغم بصت لعقد الجواز، وبصت لمراد، وبصت للباب اللي وراها. لو خرجت دلوقتي، هو مش هيسيبها في حالها وده واضح من نظرات الشر اللي في عنيه.. واهلها في الصعيد مش هيصدقوا انها مظلومة وممكن جدا يقـتـلوها..

مدت إيد بتترعش وخدت القلم. “همضي. بس عشان أثبتلك إني مهربتش، مش عشان خايفة منك.” مضت عقد الشغل. اسمها تحت اسمه، للمرة التانية في أقل من شهر. مراد خد العقد، وقال وهو بيدوس على الإنتركوم: “نادية، خدي الأستاذة نغم على مكتب الترجمة. دوامها يبدأ من بكرة 9 الصبح. وخلي الأمن يسجل عنوانها اللي في بحري عندنا، عشان لو فكرت تهرب تاني نعرف نجيبها.” نغم خرجت ورا السكرتيرة، ضهرها مفرود، بس أول ما الباب اتقفل وراها، دموعها نزلت.

وجوه المكتب، مراد كان واقف ماسك عقد جوازهم في إيده، بيبص على توقيعها اللي لسه تحت توقيعه.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0