مروان: كويس. يبقى عشان نعرف نعيش في الشقة دي من غير مشاكل، هنتفق على كام حاجة، موافقة؟ فاطمة: اتفضل. مروان شاور بإيده ناحية الطرقة. مروان: الشقة أوضتين وصالة. الأوضة الكبيرة اللي على اليمين دي أوضتي، أنا بنام وبشتغل فيها. الأوضة دي بتاعتي لوحدي، محدش يدخلها من غير إذني، تمام؟ أوضتك انتي الأوضة الصغيرة اللي جنب الحمام، أنا مفضيها، فيها مكتب وسرير، هتبقى بتاعتك، اعملي فيها اللي انتي عايزاه. فاطمة هزت راسها: حاضر.
مروان: تاني حاجة. اللي حصل النهاردة ده على الورق بس. يعني قدام الناس انتي مراتي، عشان كلام جدي والأصول والكلام ده كله. إنما بيني وبينك، احنا ولاد عم، مش أكتر. فاهمة قصدي؟ فاطمة بصت في الأرض تاني، وقالت بصوت ثابت أوي: فاهمة. مروان: حلو. تالت حاجة وآخر حاجة. انتي جاية هنا عشان تدرسي، يبقى تدرسي. خدي كليتك، الأربع سنين بتوعك، ولما تخلصي.. هرجعك البلد بإيدي، وهنطلق بالمعروف، من غير شوشرة. وكل واحد يروح لحاله، تشوفي نصيبك وأنا أشوف نصيبي. اتفقنا؟
الكلمة نزلت تقيلة في الصالة. فاطمة فضلت ساكتة ثانيتين أطول من اللازم، وبعدين قالت نفس الكلمة بنفس الثبات. فاطمة: اتفقنا يا ابن عمي. مروان حس إنه المفروض يرتاح بعد ما قال الكلام ده، بس مرتحش. هو شاور لها على الأوضة الصغيرة وفتح لها النور. مروان: الحمام هناك، والفوطة النضيفة في الدولاب. لو عوزتي أي حاجة خبطي عليا.. لا، قصدي نادي عليا من بره الأوضة. فاطمة شالت شنطتها الزرقا، كانت خفيفة شكلا، ودخلت الأوضة الصغيرة وقفلت الباب وراها بالراحة.
مروان فضل واقف في الصالة لوحده. بص على دفتر كتب الكتاب الأحمر اللي سايبينهوله. فتحه، شاف صورته وصورتها جنب بعض، والختم فوقهم. قفل الدفتر وحطه في درج الكومودينو في أوضته، وقفل باب أوضته عليه بالمفتاح. في الأوضة الصغيرة، فاطمة فتحت شنطتها. كان فيها عبايتين، وطرحتين، وشبشب بلاستيك، وكيس فيه كتب الثانوية العامة بتاعتها مربوطة بأستك. وبرطمان سمنة بلدي ملفوف في جلابية، أمها أكيد حطاهوله. فردت الملاية على السرير، وقعدت على طرفه. الشقة كانت هادية خالص، بس صوت تكييف أوضة مروان كان طالع ونة خفيفة من ورا الباب المقفول.
هي بصت للباب الخشب بتاع أوضتها، وقالت بصوت واطي أوي، محدش سمعه غيرها: فاطمة: أربع سنين.. ماشي يا ابن عمي. الفصل الثالث: دكتور مروان الصبح بدري، قبل معاد أول يوم في الكلية بساعتين. فاطمة كانت واقفة في المطبخ، لابسة أول طقم جديد جابته من القاهرة، بلوزة بيضا بسيطة وبنطلون أسود واسع، وطرحتها مربوطة على ورا. كانت بتحاول تعمل فول في الحلة الصغيرة وهي مش لاقية حاجة في مطبخ مروان، كله علب تونة وقهوة سريعة. مروان خرج من أوضته لابس قميصه وبنطلونه، ومتشيك على غير عادته في البيت، شايل شنطة اللاب توب على كتفه. وقف عند باب المطبخ لما شافها.
مروان: صباح الخير. فاطمة اتخضت خضة خفيفة، ومسحت إيديها بسرعة. فاطمة: صباح النور يا.. يا ابن عمي. مروان: عملتي فطار؟ فاطمة: أيوه، فول، لو تحب.. أصل التلاجة فاضية شوية. مروان هز راسه، خد طبق وحط فيه معلقتين ووقف ياكل وهو واقف. مروان: اسمعي، انتي النهاردة أول يوم ليكي في الجامعة، صح؟ فاطمة: أيوه، أول محاضرة الساعة عشرة. مروان حط الطبق، وبص لها بجدية، نفس الجدية بتاعة ليلة كتب الكتاب. مروان: طيب، عايز أقولك كلمتين قبل ما تنزلي، عشان منرجعش نزعل من بعض.
فاطمة: خير. مروان: بصي يا فاطمة، أنا في الجامعة دي بقالي سبع سنين، من معيد لدكتور، وسمعتي هناك أهم من أي حاجة. فاللي بيني وبينك هنا في الشقة دي، بيفضل هنا في الشقة دي. مفهوم؟ فاطمة: مش فاهمة قصدك. مروان: قصدي واضح. هناك في الجامعة، أنا مش ابن عمك، ومش جوزك. أنا الدكتور مروان عبد الرحيم. وانتي طالبة عندي، اسمك فاطمة جابر. وبس. فاطمة سكتت، المعلقة وقفت في إيديها.
مروان كمل، وصوته بقى أنشف شوية، كأنه بيحفظها: محدش يعرف إننا نعرف بعض أصلا. لا صحابك، ولا الشئون، ولا أي حد. متجيش مكتبي، متسلميش عليا في الطرقة، ولو شفتيني صدفة اعملي نفسك متعرفينيش. إحنا أغراب، تمام؟ فاطمة بلعت ريقها، وقالت بصوت واطي: تمام. مروان: ولو احتجتي أي حاجة في المنهج، تسألي زيك زي أي طالبة، في المحاضرة قدام الكل. مش في البيت. أنا هناك دكتور، وانتي مجرد طالبة عندي. اتفقنا؟ فاطمة رفعت عينيها وبصتله، وقالت بنفس الثبات اللي بقى يحيره: اتفقنا يا دكتور.
مروان هز راسه كأنه ارتح، خد مفاتيحه ومشي ناحية الباب. مروان: أنا هنزل قبلك، عشان محدش يشوفنا نازلين سوا من العمارة. الباب اقفليه كويس بالمفتاح، والمفتاح الزيادة على الترابيزة. والباب اتقفل وراه. — الساعة عشرة وعشرة، مدرج 3، كلية الآداب، قسم اللغة العربية. المدرج كان زحمة وحر، بنات بطرح ملونة وولاد في آخر المدرج بيضحكوا. فاطمة كانت قاعدة في تاني صف، فاتحة كشكول جديد لسه بورقته، وكاتبة عليه بخطها المرتب: فاطمة جابر عبد الرحيم، الفرقة الأولى.
المعيدة دخلت وقالت: يا جماعة الدكتور مروان هيتأخر خمس دقايق، حضروا الكشاكيل. فاطمة سمعت الاسم وقلبها وقع. قالت لنفسها أكيد تشابه أسماء، مروان ده اسم منتشر. بعد خمس دقايق الباب اتفتح، ودخل هو. نفس القميص اللي كان لابسه الصبح على الفطار، وشنطة اللاب توب على كتفه. طلع على المنصة، حط الشنطة، وبص للمدرج كله بصة سريعة. مروان: صباح الخير، أنا الدكتور مروان عبد الرحيم، وهكون معاكم السنة دي في مادة النحو والصرف. القاعة كلها سكتت وبدأت تكتب الاسم.
فاطمة كانت متجمدة في مكانها، القلم في إيديها بينقط على الكشكول الجديد. هو بص على كل وشوش المدرج وهو بيتكلم، عينه عدت عليها مرة، وقفت نص ثانية، وكملت كأنها مشافتهاش خالص. كأنه فعلا ميعرفهاش. مروان: الحضور عندي مهم، والكتاب بتاعي اللي هتشتروا منه موجود في مكتبة الأندلس قدام باب الكلية. أي سؤال؟ بنت جنب فاطمة رفعت إيديها وسألت سؤال. هو جاوب بابتسامة عملية، وشرح، وكتب على البورد. فاطمة كانت سامعة صوته، نفس الصوت اللي كان بيقولها الصبح: إحنا أغراب.. أنا دكتور.. وانتي مجرد طالبة.
هي وطت راسها على الكشكول، وبدأت تكتب وراه كلمة بكلمة، خطها المرة دي مكنش ثابت أوي. وفي نص المحاضرة، وهو بيشرح بيت شعر على البورد، عينه جت عليها غصب عنه ثانية. شافها قاعدة في تاني صف، مسكة القلم جامد، وبتكتب وهي باصة في الكشكول بس. هو لف وشه بسرعة وكمل شرح، وصوته علي حتة صغيرة، كأنه بيأكد الكلام لنفسه هو كمان. آخر المحاضرة، الطلبة قاموا مرة واحدة وزحمة عند الباب. فاطمة لمت كشكولها بالراحة واستنت الزحمة تخف.
وهي نازلة على سلم المدرج، سمعت بنتين وراها بيقولوا: الدكتور مروان ده شكله صغير أوي، ده يادوب أكبر مننا بكام سنة، وسنجل على فكرة. فاطمة كملت ماشية، ولا كأنها سمعت حاجة، وخرجت من باب المدرج على الحوش الكبير بتاع الجامعة، لوحدها. الفصل الرابع: طرد الغيرة بدأت بدري أوي، ومن غير ما فاطمة تاخد بالها إن اسمها غيرة أصلا.
كانت بتشوفه في المدرج كل يوم حد وتلات. الدكتور مروان عبد الرحيم، واقف على المنصة بالبليزر الكحلي بتاعه، بيشرح وبيهزر هزار خفيف يخلي البنات تضحك. وبعد المحاضرة دايما في زحمة بنات حوالين المنصة، واحدة بتسأله عن المرجع، وواحدة بتقوله يا دكتور مش فاهمة الحتة دي ممكن رقم حضرتك، وواحدة بتضحك ضحكة أعلى من اللازم. فاطمة كانت بتلم كشكولها بسرعة وتمشي. كانت بتقول لنفسها: وأنا مالي، هو مش قال إحنا أغراب؟ بس كانت بتحفظ شكل البلوزة الصفرا بتاعة البنت اللي بتقف أول واحدة كل مرة، وكانت بتدايق لما تلاقيه بيرد عليها بصبر.
وفي البيت، كانت بترجع تلاقيه قاعد في أوضته وبابه مقفول، بتسمع صوت الكيبورد بس. تحطله طبق الأكل قدام الباب وتخبط خبطتين وتمشي، زي ما اتفقوا. لحد يوم محاضرة الصرف. فاطمة كانت قاعدة في تاني صف لوحدها كالعادة. جه ولد قعد جنبها في الكرسي الفاضي، شكله ابن ناس، لابس نضيف، وضحكته واسعة. الولد: مساء الخير، هو الدكتور بياخد غياب؟ أصلي أول مرة أحضر. فاطمة بصت قدام، وقالت بصوت واطي: أيوه بياخد. الولد: طيب كويس إني لحقتك، أنا كريم، فرقة أولى زيك، وانتي اسمك إيه؟
فاطمة: فاطمة.