على ما الشرطة وصلت، كان في تلاتة من الزباين سجلوا أساميهم ورقم تليفوناتهم عند المدير كشهود عيان على الواقعة. أميرة كانت قاعدة ومتغطية بالجاكيت بتاعي، عينيها حمرا والمسكارا سايحة على وشها. نادية كانت قاعدة تبرطم وتتحلطم وتقول دي مشاكل عائلية وبيوت وميصحش كدة، وطارق عمال يعيد ويزيد للظابط ويقول خلاف عائلي بسيط وسوء تفاهم بيني وبين مراتي.
بس الظابط بص على فروة رأس أميرة، اللي كانت حمرا جداً وفيها خصل شعر مقطوعة ومتشالة من مكانها بسبب الشدة.
بعدين لف وبص لطارق بحدة.
وقال له بصوت صارم اتفضل خطوتين لورا يا أفندم، وابعد عنها تماماً.
ولأول مرة من يوم ما بنتي اتجوزته، طارق كش ونفذ الأمر من سكات ومن غير ولا كلمة مجادلة.
الظابط، المقدم أحمد راشد، أخد أقوال أميرة في ركن هادي جمب الشابيك القدامية للمطعم، وزميله أمين الشرطة كان بيتكلم مع مدير المطعم وبيسجل أسامي الشهود. طارق كان واقف جمب البار ومربع إيده، وبيحاول يبان على وشه إنه كرامته نقحت عليه ومستاء، بدل ما يبان عليه الرعب اللي جواه.
أما نادية فكانت قاعدة جمبه، وبتوشوش في ودنه بغل وعصبية.
أنا فضلت واقفة في مكان قريبة فيه من أميرة عشان تشوفني وتحس بالأمان، بس في نفس الوقت بعيدة كفاية عشان مسيطرش على كلامها أو أتكلم بدالها. الموضوع ده كان فارق معايا جداً. أنا قضيت سنين طويلة من عمري بحاول أنقذها بالنصايح، والأسئلة، والاقتراحات الحريصة إنها تسيبه لما تكون جاهزة. بس النهاردة، فهمت حاجة وجعتني.. هي مكنتش محتاجاني أقولها تعمل إيه، كانت محتاجاني بس أقف في مكان تشوفني فيه وتعرف إن الأرض ممكن تتهز بس أنا مش هتحرك من جمبها.
المقدم أحمد وطى شوية جمب كرسي أميرة واتكلم بنبرة هادية وبأبوة
الكلام ده حصل قبل كدة يا بنتي؟
أميرة فضلت باصة في الأرض ومثبتة عينيها على إيديها.
طارق لف رأسه بسرعة وبرق لها إياكي تنطقي!
المقدم أحمد لف له في ثانية وبص له بنظرة حادة زي الموس وقاله بصوت جهوري هز المكان جرى إيه يا سيدي الفاضل؟ الزم حدودك واقفل بوقك تماماً وإلا هعتبر
ده تهديد للشاكية قدامي في محضر رسمي!
زعق طارق بيحاول يستقوى دي مراتي!
رد عليه المقدم أحمد بحسم وجفاء وده ميديكش الحق إنك تمد إيدك عليها، ولا تتدخل في أقوالها هنا.. اتفضل اقف بره الدايرة دي ومسمعش صوتك.
نادية وقفت من مكانها وقالت بزعيق ابني بيتعامل معاملة المجرمين عشان البت دي مش عارفة تتحكم في أعصابها ولا هرموناتها!
في اللحظة دي، الراجل الكبير اللي كان قاعد على التربيزة اللي جمبنا لف بكرسيه وقال بصوت قوي وواضح يا فندم أنا لواء سابق وشهدت على الواقعة، أنا شفته بعيني وهو بيشدها من شعرها ويسحل رأسها لورا..
والست دي معملتش أي حاجة تستاهل عليها الهمجية دي.
ست تانية قاعدة جمب الشباك رفعت إيدها وقالت وأنا كمان شفته يا فندم ومستعدة أشهد.
والويتر ضاف بصوت واطي وأنا كمان شهدت على ده يا باشا.
وش نادية جمد وملامحها اتخشنة لما لقت الصالة كلها اتقلبت ضدها وضد ابنها، والمقدم أحمد بدأ يسجل أسامي الشهود بنفسه في دفتره. كبريائها ومنظرتها ماليين عينها، ومستحملتش إن الناس تطلعهم غلطانين. الأشكال اللي زيها بيعيشوا وينتعشوا في الأوض المقفولة، ورا الأبواب المتدارية، وجوه البيوت اللي الضحايا فيها بيتعلموا يوطوا صوتهم ويمـ,ـوتوا بالبطيء.
الحقيقة والفضائح قدام الناس جرحت كرامتها المزيفة أكتر ما العنف والضـ,ـرب جـ,ـرحها.
أميرة أخدت نفس طويل، نفس كان بيترعش من أوله لآخره.
وقالت أخيراً للمقدم أحمد أيوه.
المقدم أحمد استناها تكمل ومقاطعتهاش وسند ضهره للحيطة وهو
بيسمعها باهتمام.
أميرة رفعت رأسها والدموع بتجمع في عينيها تاني أيوه.. حصل قبل كدة كتير.
طارق شتم بصوت واطي وتحت ضرسة.
ركبي سابت وحسيت إنها مش شيلاني، بس صممت من جوايا إني مش هقعد.
المقدم أحمد سألها بالراحة إنتى متطمنة تروحي معاه البيت النهاردة يا أميرة؟
أميرة قالت من غير تفكير لأ.
ودي كانت أول إجابة تقولها من غير ما تتردد ولا ثانية.
المقدم أحمد لف لزميله وقال له بنبرة أمنية حازمة كلبش يا ابني، وهاته على القسم.
الشرطة قبضت على طارق في قلب المطعم.
الموضوع مشفش دراما ولا كان زي الأفلام بالظبط؛ مكنش فيه خطبة عصماء ولا خـ,ـناقة شوارعية غيرت الكون. أمين الشرطة قاله لف ضهرك وحط إيدك ورا ظهرك. طارق بدأ يزعق ويقول أنا هكلم المحامي بتاعي، ونادية بدأت تشتمني وتقولي يا بيئة يا حثالة المجتمع. الكلبشات اتقفلت وعملت صوت تك تك.. والزبائن في المطعم كانوا بيعملوا نفسهم مش باصين، بس هما في الحقيقة مكنوش مفوتين ولا ثانية.
وهو ماشي والعسكري سحبه من جمبنا، طارق بص لأميرة وقال بغل أنتِ بتخربي بيتك وبتهدي حياتي.
أميرة اتخضت ورجعت لورا.
أنا مسكت إيدها وضغطت عليها.
قالت بصوت كان في الأول مش مسموع لأ..
وبعدين صوتها علي وبقى قوي لأ.. أنت اللي خربتها بإيدك.
طارق برقلها وبص لها كأنها ضـ,ـربته بالقلم على وشه، والمقدم أحمد زقه قدامه وقال له امشي قدامي ياللا ومن غير كلام.
اللحظة دي ثبتت في ذاكرتي أكتر من لحظة القبض عليه نفسه. مش عشان صوتها كان عالي، بس عشان اللحظة دي كانت بتاعتها هي.. حقتها اللي رجع لها.