في مطعم زحمه جداً

في مطعم زحمة جداً، جوز بنتي مسكها من شعرها وهانها قدام كل الناس. وفجأة، أمه ابتسمت وسقفت وهي بتقول بفرحة هو ده الصح! عشان تعرف قيمتها وتتعلم الأدب. بنتي انهارت من العياط، وأنا وقفت وجسمي كله بيترعش من الغضب.
المطعم كان اسمه الأوركيد والرماد، من نوعية المطاعم الراقية في الزمالك، الإضاءة فيه هادية، كاسات العصير خفيفة وقيمة، وكل الناس هناك بيتكلموا برقة كأن الإتيكيت والمناهج مكتوبة في المنيو.
بنتي، أميرة، كانت قاعدة قدامي ومربطة إيديها حوالين كباية مية ملمستهاش. عندها 28 سنة، جميلة بس باين عليها التعب، شعرها البني نازل على كتفها، وابتسامتها كانت مزيفة ومجبورة عليها طول السهرة.

جمبها كان قاعد جوزها، طارق، راجل عريض المنكبين، لابس ساعة غالية جداً، وعلى وشه ابتسامة خبيثة ومتعجرفة بتظهر كل ما حد غيره يتكلم كتير.
أما أمه، الهانم نادية، فكانت قاعدة جمبه وكأنها ملكة قاعدة على عرشها. عقد اللؤلؤ حوالين رقبتها، روجها الأحمر حاد وصارخ، وعينيها طول الوقت بتفحص وبتقيس كل حركات بنتي.
أنا مكنتش عايزة آجي، بس جيت العشا ده عشان أميرة هي اللي ترجتني.
قالتلي في التليفون وهي بتوشوش أبوس إيدك يا ماما، خليكي هادية النهاردة. طارق عايز العيلتين يحاولوا يفتحوا صفحة جديدة.
يفتحوا صفحة جديدة..

الكلمة دي كانت طعمها مر في بوقي وأنا بوز عيني على طارق وهو بيقاطعها للمرة السادسة في القعدة.
قال وهو بيضحك وبيتكلم بصوت عالي على التربيزة دي بتنسى كل حاجة! الفواتير، المواعيد، حتى التعليمات البسيطة. أنا بحلفلكم،

العيشة مع أميرة كأنك بتدير عيل مراهق.
وش أميرة وجعها من الكسوف وبقى دم من الإحراج.
قالت بصوت واطي ومكسور الكلام ده مش حقيقي.
طارق لف رأسه ليها ببطء شديد وقال أفندم؟ قولتي إيه؟
السكوت على التربيزة بقى يخنق، والجو شد.
أميرة بلعت ريقها وصوتها بيترعش بقول إن ده مش حقيقي. أنا اللي بدفع الإيجار، وبجيب طلبات البيت، وبيتوت الدراي كلين، ومصاريف التأمين وكل…
وقبل ما تكمل جملتها، إيد طارق اتمدت زي البرق.
مسك خصلة كبيرة من شعرها من ورا ورقبتها، وشده جامد لفوق ولورا.

أميرة صرخت صرخة مكتومة ووجع حقيقي، كرسيها اتهز وعمل صوت عالي في الأرض. كذا حد من الطرابيز اللي جنبنا لفوا وشهم يلتفتوا. الويتر اللي كان شايل صينية الأطباق وقف في مكانه ومتحركش من الصدمة.
طارق قرب من ودنها وهو لسه كابس ومحكم قبضته على شعرها وقال إياكي تكسفيني أو تقللي مني قدام الناس.
في ثانية واحدة، الدنيا كلها وقفت والزمن ثبت.
وفجأة، نادية أمه سقفت!
تخيلوا.. سقفت بإيدها بجد!
وقالت وهي مبتسمة بكل فخر هو ده الصح! تسلم إيدك، عشان تعرف قيمتها وتتعلم الأدب.
عيني أميرة اتملت دموع، وبصتلي..

مكنتش نظرة ست كبيرة بتطلب المساعدة، كانت نظرة الطفلة الصغيرة اللي كانت بتجري تترمى في حـ,ـضني وهي بتعيط لما يجيلها كابوس بالليل.
في اللحظة دي، حسينا إن في حاجة جوايا جمدت وبقت زي التلج.
وقفت ببطء شديد.
طارق بصلي بنظرة كلها استهزاء وبرود وقال اقعدي يا حجة ماجدة.
مديت إيدي في شنطتي، طلعت تليفوني، وحطيته على التربيزة.
وبعدين قولت بصوت عالي، عالي كفاية لدرجة إن كل شخص في المطعم ده سمعه سيب بنتي حالا، وإلا الصوت التاني اللي هتسمعه دلوقتي هيكون صوت غرف العمليات في النجدة وأنا ببلغ عن حالة اعـ,ـتداء وضـ,ـرب شغالة قدامي.

طارق ضحك باستهزاء أعلى ما في خيلك اركبيه، مش هتقدري تعملي حاجة.
دوست على الشاشة.
وجاء الرد النجدة معاكي يا فندم، إيه البلاغ؟
في ثانية، الوش المحمر لطارق هرب منه الدم وبقى أصفر زي الليمونة.
بصيت في عينه مباشرة وقولت بكل ثبات جوز بنتي لسه حالا معتدي عليها بالضـ,ـرب في مطعم عام. ولسه ماسكها ومش عايز يسيبها. محتاجين دورية شرطة فوراً في مطعم الأوركيد والرماد اللي في شارع حسن صبري في الزمالك.
الجزء الثاني
طارق ساب شعر أميرة بسرعة لدرجة إنها كانت هتقع على جنبها من قوة السحبة.

تحركت بسرعة من ورا التربيزة ولحقتها، مسكتها من كتافها قبل ما جسمها يخبط في حرف الكرسي. جسمها كله كان بيتفض ويرتعش تحت إيدي.
همست وهي مرعوبة والدموع مغرقة وشها ماما.. عشان خاطري بلاش…
قولت لها بحسم ومن غير صوت عالي، بس بطريقة خلتها تسكت تماماً لأ، مفيش بلاش.
طارق وقف من على كرسيه، ووشه متشوه من كتر الغيظ الجنون ده! أنتِ بتعملي فضـ,ـيحة وبتلمي علينا الناس.
فضلت ضاغطة التليفون على ودني وكلمت الظابط هو سابها دلوقتي يا فندم، بس واقف وبيتخانق ومتعصب جداً، وبنتي بتعيط وفي حالة انهـ,ـيار، والمطعم كله شهود على الواقعة.

المنطقة حوالينا في المطعم بقت هس هس، مفيش صوت غير همهمة خفيفة جاية من ورا أبواب المطبخ. شاب وبنت قاعدين جمب الشباك كانوا بيبصوا علينا ومبرقين، وراجل كبير في السن نزل الشوكة من إيده ببطء وبدأ يتابع. الويتر اللي كان شايل الصينية رجع لورا وحط الأطباق على أقرب تربيزة فاضية.
نادية هي كمان وقفت، وعقد اللؤلؤ اتهز على رقبتها.
بصتلي وبقرف وقالت يا ست يا نكدية يا بومة، أنتِ متعرفيش الأصول ولا يعني إيه جواز! الست لازم تحترم جوزها وتطيعه.
لفيت وشي ليها وقولت لأ يا نادية.. الست مش جارية ولا حتة أرض بيمتلكها.

مناخيرها اتنفخت من الغيظ وقالت أنتِ اللي مسممة أفكارها ومقوياها عليه.
طارق شاور بصباعه في وشي وزعق أميرة! قولي لأمك تقفل التليفون ده حالا!
شفايف أميرة فتحت، بس مطلعش منها ولا حرف.
قرب منها أكتر وزعق بقولك قولي لها!
في اللحظة دي، شفت كل حاجة بوضوح تام. مش مجرد الخوف.. شفت الترويض. شفت إزاي كتاف بنتي بتنكمش لجوه لمجرد إنه بيقرب، حتى من قبل ما يعلي صوته. شفت إزاي بتبص لإيده الأول قبل ما تبص لوشه.

شفت إزاي كانت بتصغر وتنطفي سنة ورا سنة وأنا عمالة أقول لنفسي بلاش أتدخل عشان مخربش عليها، بلاش أضغط عليها عشان متبعدش عني، بلاش أكبر المواضيع.
أنا كنت حريصة ومحافظة على خط الرجعة..
وهو افتكر الحرص ده ضعف وخوف.
في الوقت ده، مدير المطعم، راجل شعره شايب ولابس بدلة كحلي أنيقة، قرب من التربيزة وقال يا فندم، في أي مشكلة؟ كل حاجة تمام؟
قولتله لأ، مش تمام. كاميرات المراقبة بتاعتكم شافت الراجل ده وهو بيمد إيده على بنتي وبيعتدي عليها. أرجوك تحفظ التسجيل ده عشان الشرطة زمانها جاية.
تعبيرات وش طارق اتقلبت 180 درجة.

ولأول مرة من أول السهرة، شفت في عينه خوف حقيقي.
وقال وهو بيلتفت كاميرات؟
المدير بص لسقف المطعم ناحية البار وقال أيوه يا فندم، الكاميرات مغطية المكان كله.
نادية لمت شنطتها بسرعة وقالت إحنا ماشيين من هنا.
رديت عليها محدش حايشكم، امشوا.. بس الشرطة خلاص معاها أساميكم بالكامل.
طارق أخد خطوة لقدام ناحية أميرة، وفورا وقفت في النص وحجزت بينه وبينها.
كان أطول مني بكتير ومربع، بس الطول والعرض دايماً مبيخوفونيش. أنا دفـ,ـنت جوزي بإيدي، وكبرت بنتي لوحدي، واشتغلت شفتات ورا بعض في استقبال المستشفى، ومسكت إيدين ناس بتمـ,ـوت وغربا ميعرفونيش لما أهاليهم مالحقوش يوصلوا.

الأشكال اللي زي طارق فاكرين إن صوتهم العالي وعصبيتهم هما اللي بيعملوا لهم هيبة وقيمة.. ميعرفوش الصبر والتحمل بيبقى شكلهم إيه لما بيقرروا يقفوا ويسدوا.
بصلي بغل وقال هتندمي على اللي بتعمليه ده يا ماجدة.
ابتسمت ببرود وقولتله لأ يا طارق.. أنا ندمانة بس إني صبرت عليك كل ده.
بعد 7 دقائق بالظبط، البوكس وصل بره المطعم.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0