لأن الجميع عرف الحقيقة. الجميع عرف أن المدير الأنيق الذي كان يتصرف كمالك للشركة… لم يكن سوى موظف عادي تزوج صاحبة الشركة. في الطابق العلوي. كانت سلمى تتابع كل شيء من شاشة صغيرة. دخلت سكرتيرتها. وقالت: ـ خرج من المبنى. ـ كويس. ـ واضح إنه فقد أعصابه. ـ لسه. ـ لسه؟ ابتسمت سلمى. وقالت: ـ ده مجرد الإحماء. الحرب الحقيقية هتبدأ النهارده.
في الساعة الواحدة ظهرًا. وصلت رنا إلى شقة والدتها. وكانت تظن أنها ستبقى هناك مؤقتًا.
لكن المفاجأة كانت بانتظارها. عندما فتحت الباب وجدت والدتها تبكي. ـ ماما؟ ـ المصيبة حصلت. ـ في إيه؟ أشارت إلى رجلين يقفان داخل الصالة. أحدهما محامٍ. والآخر موظف تنفيذ. قال المحامي: ـ الأستاذة سلمى رفعت قضية استرداد أموال. تجمدت رنا. ـ أموال إيه؟ ـ التحويلات البنكية. ـ مش فاهمة. أخرج ملفًا سميكًا. وقال: ـ خلال عامين كاملين تم تحويل مبالغ من حسابات الشركة إلى حسابك الشخصي تحت بند مكافآت ومشروعات وهمية. شحب وجه رنا. لأنها كانت تعرف الحقيقة.
كانت تستغل ثقة سلمى فيها. وكان كريم يساعدها. همست: ـ مستحيل. قال المحامي: ـ للأسف المستندات موجودة. وتم تجميد حساباتك لحين انتهاء التحقيق. سقطت على المقعد. وشعرت أن الهواء اختفى من حولها. أما كريم… فكان يجلس في مقهى فاخر يحاول الاتصال بكل معارفه. لكن الصدمات لم تتوقف. شريك قديم أغلق الهاتف. صديق تهرب منه. رجل أعمال كان يطارده للحصول على فرصة عمل رفض مقابلته. بدأ يفهم شيئًا مرعبًا. لم يكن الناس يحترمونه. كانوا يحترمون سلمى.
هي المال. هي النفوذ. هي الشركة. هي العلاقات. أما هو… فكان مجرد صورة جميلة بجانبها. وفي المساء. كان الجميع ينتظر الضــ,,ـــــربة التالية. لكن أحدًا لم يكن يتوقع حجمها. حتى كريم نفسه. لأن في الساعة الثامنة بالضبط… وصله إشعار رسمي من المحكمة. فتح الرسالة. ثم اتسعت عيناه بصدمة. وكانت الجملة الأولى كافية لتجعله يشعر بأن الأرض تميد تحته: “تم فتح تحقيق رسمي في بلاغ اختلاس وتزوير مستندات مالية…” وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة… شعر كريم الشاذلي بالخوف الحقيقي.
يتبع في الفصل الثاني… الفصل الثاني: أول خيط من النــ,,ـــــار لم يقرأ كريم الرسالة مرة واحدة. قرأها ثلاث مرات. وفي كل مرة كانت الكلمات تتحول أمام عينيه إلى شيء أثقل من قبل. اختلاس. تزوير. مستندات مالية. بلاغ رسمي. شعر أن المقهى كله يضيق حوله. الضحكات التي كانت تأتي من الطاولات المجاورة بدت كأنها سخرية منه. أغلق الهاتف بعصبية، ثم فتحه مرة أخرى. اتصل بسلمى. مرة. مرتين. خمس مرات. لم ترد. فكتب لها رسالة: “إنتي فاكرة نفسك كده هتكسريني؟ افتكري إننا لسه متجوزين.”
قرأ الرسالة بعد إرسالها، وانتظر ظهور علامتي القراءة. ظهرتا. لكن لا رد. اشتعل غضبه. كتب مرة أخرى: “لو فاكرة إنك هتقدري تخليني أتحاسب لوحدي تبقي بتحلمي. كل حاجة عملتها كانت بموافقتك.” ردت سلمى هذه المرة بعد دقيقة واحدة فقط: “احتفظ بالكلام ده للتحقيق.” تجمدت أصابعه فوق الشاشة. لم تكن رسالة طويلة. لكنها كانت كافية لتجعله يفهم أن سلمى لم تعد المرأة التي يعرفها. لم تعد تلك التي كان يرفع صوته عليها فتسكت. لم تعد التي كان يتركها في منتصف العشاء ويرحل، ثم تعتذر هي في الصباح.
لم تعد التي كان يقول لها: “أنتي حساسة زيادة” فتبتلع وجعها. هذه المرأة الآن تكتب كمن يعرف كل شيء. وكمن لا يخاف شيئًا. نهض كريم بعنــ,,ـــــف من مكانه، دفع ثمن القهوة بآخر ورقة نقدية في محفظته، وخرج إلى الشارع وهو يشعر لأول مرة أنه يمشي بلا ظل. في جناح الفندق الرخيص الذي انتهى إليه بعد ليلة الذل، كانت رنا جالسة على طرف السر,,ـــــير، وجهها شاحب وعيناها منتفختان من البكاء. دخل كريم وصفع الباب خلفه. انتفضت.
ـ في إيه؟ رمى الهاتف على السر,,ـــــير. ـ سلمى بلغت عني. ـ بلغت؟! ـ اختلاس وتزوير. وضعت رنا يدها على فمها. ـ لا… لا مستحيل. اقترب منها بعصبية. ـ مستحيل؟! إنتي كنتي فاكرة الموضوع لعبة؟ كنتي فاكرة إننا ناخد فلوس ونشتري دهب ونحجز فرح ونعيش في الفيلا وهي تفضل تدفع وخلاص؟ قالت بصوت مرتعش: ـ أنت اللي قلتلي إن كل حاجة تحت السيطرة. ـ وأنا كنت فاكرها هتفضل غبية. نظرت إليه نظرة كسرت آخر شيء جميل كان في صورتها عنه.
ـ يعني المشكلة إنها ما طلعتش غبية؟ صمت. فأكملت بمرارة: ـ مش المشكلة إنك خنتها؟ مش المشكلة إنك سـ,ـرقت من شركتها؟ مش المشكلة إنك خليتني أصدق إنك غني وصاحب كل حاجة؟ صرخ: ـ أنا ما سـ,ـرقتش! ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. ـ لا طبعًا. أنت بس كنت بتحول مكافآت وهمية باسمي، وتخلي الموردين يرفعوا فواتير، وتاخد الفرق، وتقول لي: دي حقوقي من شركة مراتي. اقترب منها أكثر. ـ اسكتي يا رنا. وقفت فجأة.
ـ لا مش هسكت. أنا دلوقتي حساباتي اتجمدت، وماما بتعيط، وأنت واقف بتزعق فيا كأني أنا اللي خططت لكل ده لوحدي.
قال بحدة: ـ إنتي كنتي موافقة. ـ كنت موافقة على الجواز. مش على السجــ,,ـــــن. تلك الكلمة نزلت على الغرفة كحجر. السجــ,,ـــــن. لم يكن كريم قد سمح لنفسه أن ينطقها. لكنها كانت هناك. تتحرك حوله. تتنفس في رقبته. في صباح اليوم التالي، لم تذهب سلمى إلى الشركة مباشرة. ذهبت إلى المحكمة. كانت ترتدي بدلة سوداء بسيطة، وشعرها مربوط للخلف، وملامحها هادئة بطريقة أزعجت حتى محاميها. قال لها الأستاذ شريف وهو يسير بجانبها: ـ عارفة إن الموضوع ممكن يبقى طويل.
قالت: ـ أنا صبرت سبع سنين. أقدر أصبر شوية كمان. ـ كريم هيحاول يشوه صورتك. ـ خليه. ـ هيقول إنك كنتي عارفة. توقفت سلمى أمام الباب. نظرت إليه وقالت: ـ عشان كده أنا جبت الدليل اللي عمره ما تخيل إني أملكه. رفع حاجبيه. ـ تقصدي التسجيلات؟ هزت رأسها. ـ التسجيلات، والإيميلات، وكاميرات المكتب، وفواتير الموردين، ورسائل رنا، وتحويلات نادية. ابتسم المحامي لأول مرة. ـ أنتِ كنتي بتجمعي ده من إمتى؟ نظرت أمامها. ـ من يوم ما بدأت أشك.
ـ وإمتى بدأتي تشكي؟ سكتت لحظة. ثم قالت: ـ من يوم ما كريم نسيني في المستشفى بعد العملية. تغير وجه شريف. لم يكن يعرف تلك التفاصيل. أكملت بصوت خافت لكنه ثابت: ـ كنت عاملة عملية صعبة. الدكتور قال له لازم حد يفضل جنبي أول ٢٤ ساعة. هو قال عنده اجتماع مهم وراح. بعدين عرفت إنه كان في الساحل مع رنا. من يومها بطلت أصدق كلامه، لكني للأسف ما بطلتش أحبه بسرعة. دخلت. وكانت تعرف أن حبها القديم سيدفع اليوم ثمن بقائه أطول من اللازم.
في بيت نادية الشاذلي، كان الوضع أسوأ. أولادها وبناتها مجتمعون في الصالة. كل واحد يتحدث في اتجاه. نادية تجلس على الكرسي الكبير كأنها ملكة فقدت عرشها. قالت ابنتها مي: ـ يعني التحويل الشهري اتوقف؟ ردت نادية بعصبية: ـ أيوه. قال ابنها الأصغر حسام: ـ والقسط بتاع عربيتي؟ ـ اتسحب من الحساب وما اتدفعش. ـ يعني العربية ممكن تتسحب؟ نظرت إليه بغيظ: ـ هو ده اللي هامك؟ رد: ـ أمال إيه؟ أنتي فاكرة أنا معايا أدفع قسط عربية بالشكل ده؟
قالت مي: ـ وأنا إيجار النادي؟ والمدرسة الدولية للولاد؟ سلمى كانت بتدفع نص المصاريف. ضــ,,ـــــربت نادية بيدها على الكرسي. ـ اسكتوا! سكت الجميع. لكن الخوف كان واضحًا. لقد عاشوا سنوات على مال سلمى. وكانوا يكرهونها في العلن ويحلبون كرمها في السر. قالت نادية بحقد: ـ البنت دي اتجننت. لازم نكسرها قبل ما تكسرنا.
قال حسام: ـ هنعمل إيه؟ ابتسمت نادية ابتسامة باردة. ـ هنروح لها الشركة. قدام الموظفين. ونخليها تبان قليلة الأصل. قالت مي بتردد:
ـ بس هي معاها ورق. ـ الورق قدام الناس مالوش قيمة. الناس بتحب الفضايح. هنخليها تبان ست ناقمة عشان جوزها خلف من غيرها. لم تكن تعرف أن هذه الجملة تحديدًا ستكون سبب سقوطها التالي. في تمام الثانية ظهرًا، دخلت نادية الشاذلي مقر شركة سلمى. كانت ترتدي عباءة غالية وحقيبة فاخرة اشترتها سلمى لها في عيد الأم. خلفها مي وحسام واثنان من الأقارب. دخلوا بصوت عالٍ. قالت نادية لموظفة الاستقبال: ـ ناديلي سلمى. قالت الموظفة بأدب:
ـ حضرتك عندك موعد؟ ضحكت نادية بسخرية. ـ موعد؟ أنا حماتها. قالت الموظفة: ـ أستاذة سلمى لا تستقبل أحدًا بدون موعد. اقتربت نادية من المكتب. ـ اسمعي يا بنتي. أنا مش جاية أشحت. أنا جاية أربي واحدة نسيت أصلها. رفع الموظفون رؤوسهم. بدأت الهمسات. وهذا بالضبط ما أرادته نادية. رفعت صوتها أكثر: ـ سلمى! انزلي يا سلمى! بدل ما أطلعلك وأعرف الناس حقيقتك! بعد دقائق، فتح المصعد الخاص. خرجت سلمى. هادئة. وخلفها شريف المحامي ومديرة الموارد البشرية ومسؤول الأمن.
وقفت في منتصف البهو. قالت: ـ اتفضلي يا مدام نادية. في مشكلة؟ ضحكت نادية. ـ مشكلة؟ أنتي اللي عاملة مشكلة يا حبيبتي. جوزك اتجوز بالحلال. بدل ما تفرحي إنه هيبقى أب، قمتي بعتي بيته وقطعتي عيشه وعيش أهله. اقترب بعض الموظفين أكثر. رفعت سلمى يدها بهدوء، فأشار الأمن للجميع بالابتعاد قليلًا دون طردهم. قالت سلمى: ـ أولًا، البيت بيتي. ثانيًا، الشركة شركتي. ثالثًا، الفلوس فلوسي. رابعًا، ابن حضرتك لم يبلغني بزواجه إلا من منشور على فيسبوك.
قالت نادية بصوت أعلى: ـ عشان أنتي ما كنتيش هتقبلي. أنتي ست ناقصة وغيورة. للحظة، شعر الجميع أن سلمى ستتأثر. لكنها لم تفعل. ابتسمت فقط. وقالت: ـ ناقصة؟ ـ أيوه. سبع سنين وما خلفتيش. ساد صمت ثقيل. كان بعض الموظفين ينظرون إلى الأرض من الإحراج. سلمى تقدمت خطوة. وقالت بصوت واضح: ـ بما إن حضرتك قررتي تتكلمي في الموضوع ده قدام الناس، يبقى نكمله قدام الناس. ارتبكت نادية. ـ تكملي إيه؟ فتحت سلمى ملفًا كان مع شريف.
أخرجت ورقة. قالت: ـ دي نتيجة تحاليل طبية اتعملت من سنة ونص. تغير وجه نادية. قالت سلمى: ـ التحاليل أثبتت إن سبب تأخر الإنجاب لم يكن مني. صمت البهو كله. كأن الهواء توقف. نظرت نادية إلى حسام، ثم إلى مي. أما سلمى فأكملت: ـ كريم كان يعرف. والدكتور قال له بنفسه. لكنه طلب مني أخبي الموضوع عنكم عشان “كرامته”.
ازدادت همسات الموظفين. نادية حاولت استعادة قوتها. ـ كدب. قالت سلمى: ـ الدكتور نفسه شاهد. والتقرير موجود ضمن ملف القض*ية.
ثم اقتربت خطوة أخرى. ـ أما بخصوص حمل رنا، فأنا أنصحكم تتأكدوا الأول هو ابن مين قبل ما تبنوا عليه قصور من الرمل. شهقت مي. أما نادية فصرخت: ـ أنتي قليلة الأدب! رفعت سلمى حاجبها. ـ لا يا مدام نادية. أنا كنت قليلة العقل لما خليتكم سنين تعيشوا على حسابي وأنتم بتدعوا عليا في ضهري. ثم التفتت للأمن. ـ من فضلكم، خروجهم بهدوء. ولو تكرر المشهد ده، يتعمل محضر تعدي فورًا. اقترب الأمن. نادية حاولت الصراخ، لكن صوتها لم يعد قويًا.
كانت تهتز من الداخل. لأول مرة، خرجت من شركة سلمى لا كحماة متسلطة. بل كامرأة انكشف غطاؤها. وصل الخبر إلى كريم خلال دقائق. اتصلت به نادية وهي تبكي وتصرخ. ـ مراتك فضحتنا يا كريم! قالت قدام الناس إن العيب منك! صمت كريم. كان يتنفس بصعوبة. قالت: ـ رد عليا! ـ هي قالت إيه تاني؟ ـ قالت إن حمل رنا لازم يتأكدوا منه! هنا رفع كريم رأسه ببطء. ـ قالت كده؟ ـ أيوه. وشوهتنا. أغلق الهاتف دون وداع.
التفت إلى رنا التي كانت تحاول ترتيب ملابسها في الحقيبة. قال: