ـ لا. ـ ليه؟ ـ علشان أعالج الجـ,ـرح. ضحك. ـ الجـ,ـرح أصغر من اللي في خيالك. ـ اسكت. رفعت إصبعها في وشه. ـ متتكلمش. فسكت فعلًا. وقعد يتفرج عليها وهي بتنضف الجـ,ـرح. لكن المشكلة إن داليدا كانت قريبة جدًا. قريبة للدرجة اللي مخلياه يسمع نفسها. ويشوف رعشة رموشها. ويشم ريحة شعرها. فبدأ قلبه يدق بعنــ,,ـــــف. أما هي فكانت مركزة في الجـ,ـرح. لحد ما رفعت عينيها فجأة. واتقابلت نظراتهم. الثواني دي طولت. طولت جدًا. ولا واحد فيهم عرف يبص بعيد.
لحد ما داليدا هي اللي بعدت. وقامت بسرعة. وقلبها هي كمان بيدق بشكل مرعب. بعد العشا. كان المطر لسه بينزل. والنور قطع فجأة. اتغطى البيت كله بالظلام. شهقت داليدا. ومن غير تفكير قالت: ـ عمران! ـ أنا هنا.
صوته جه من قريب. قريب جدًا. فحست بالأمان فورًا. أشعل فانوس صغير وحطه على الطاولة. والضوء البرتقالي انعكس على وشها. عمران سرح للحظة. لأنها كانت جميلة بشكل يوجع القلب. هادية. ناعمة. وعينيها الكبيرة بتلمع وسط الضوء. فأجبر نفسه يبص بعيد.
قبل ما يفضح اللي جواه. سكتوا شوية. ثم قالت داليدا فجأة: ـ الجـ,ـرح حصل إزاي؟ ـ خناقة. رفعت حاجبها. ـ خناقة؟ ـ واحد كان بيضــ,,ـــــرب أخوه الصغير. ـ وأنت تدخلت؟ ـ أسيبه يعني؟ هزت رأسها. ثم ابتسمت. ـ كنت عارفة. ـ عارفة إيه؟ ـ إنك مستحيل تتفرج على حد مظلوم. بصلها طويلًا. وقال بهدوء: ـ وإنتِ؟ ـ مالي؟ ـ بقيتي تعرفيني للدرجة دي؟ احمر وشها. وما عرفتش ترد. في اليوم التالي. كانت داليدا واقفة في السوق مع واحدة من قرايبها.
وفجأة سمعت بنتين بيتكلموا. ـ دكتور عمران وسيم قوي. ـ ده لو كان مش متجوز كنت جريت أتجوزه. البنتين ضحكوا. أما داليدا… فوشها اتكدر فورًا. ورجعت البيت متعصبة. من غير سبب واضح. على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه. وفي المساء رجع عمران. لقيها مكشرة. ـ خير؟ ـ مفيش. ـ أكيد؟ ـ أيوه. ـ طب بصيلي. ـ مش عايزة. بدأ يضحك. ـ ليه؟ ـ مفيش. وفجأة فهم. لأن سالم كان حكى له إن نص بنات البلد بيتكلموا عنه في السوق.
فقرب وهو بيكتم ضحكته. ـ حد ضايقك؟ ـ لا. ـ طب حد قال حاجة؟ ـ لا. ـ أمال مالك؟ رفعت عينيها بغضب لطيف. ـ هو أنت مشهور قوي كده في البلد؟ وساعتها… عمران ضحك من قلبه لأول مرة من أيام. أما داليدا ففهمت إنه كشف غيرتها. فاحمر وشها بالكامل. لكن جوه قلب عمران… كان في فرحة كبيرة. لأن البنت اللي كانت بتهرب منه ليلة فرحها… بقت تغير عليه النهارده. لكن فرحتهم ما طولتش. لأن في آخر الليل…
وصل خبر قلب البلد كلها. خبر خلى عمران يقوم من مكانه فجأة. وخلى وشه يتغير بالكامل. أما داليدا فحست بالخوف أول ما سمعته يقول: ـ مستحيل… يتبع الفصل التاسع: المرة الأولى التي اختارها فيها أمام الجميع داليدا قامت من مكانها أول ما شافت وش عمران اتغير. كان ماسك التليفون، وملامحه بقت جامدة بطريقة خوفتها. قربت منه بسرعة. ـ في إيه؟ سكت ثواني. ثم قال: ـ جدي تعبان. شهقت. الحاج منصور. كبير العيلة. والراجل اللي كان كلمته تمشي على الكبير قبل الصغير.
ـ حصل له إيه؟ ـ جلطة. الدنيا سكتت لحظة. وبعدين عمران بدأ يلبس بسرعة. داليدا وقفت مكانها. مش عارفة تعمل إيه. لأنها عارفة إن رجوعها للدوار معناه مواجهة العيلة كلها. وخصوصًا صفية. لاحظ عمران خوفها. وقف فجأة. وبص لها. ـ هتيجي معايا. اتوترت. ـ لا. ـ ليه؟ ـ مش عايزة مشاكل. ـ وأنا عايزك جنبي. قلبها دق بقوة. قالها ببساطة. كأن وجودها طبيعي. كأنها مكانها معاه. بعد ساعة كانوا داخلين الدوار الكبير. وأول ما دخلت داليدا حسّت العيون كلها عليها.
همسات. نظرات. كلام بيتقال بصوت واطي. لكن المرة دي كانت ماشية جنب عمران. مش لوحدها. ولأول مرة ما حستش إنها ضعيفة. في أوضة الحاج منصور. كان الراجل الكبير نايم على السر,,ـــــير. تعبان. لكن واعي. أول ما شاف عمران أشار له يقرب. اقترب فورًا. ـ حمد لله على السلامة يا جدي. العجوز ابتسم بتعب. ثم لف عينه ناحية داليدا. وأشار لها. ـ تعالي يا بتي. اتوترت. لكن قربت. فمسك إيدها. وقال بصوت ضعيف: ـ زعلانة مني؟
نزلت دموعها فورًا. ـ لا يا جدي. ـ كدابة. سكتت. فأكمل: ـ ظلــ,,ـــــمتك. الصمت نزل على الأوضة كلها. حتى عمران نفسه اتفاجأ. الحاج منصور قال: ـ كنت فاكر إني بحميكي. لكن خوفتك. وندمان. داليدا ما قدرتش تتكلم. واكتفت إنها تبوس إيده. لكن اللي حصل بعد كده قلب الدنيا. لأن صفية دخلت الأوضة. وأول ما شافت داليدا قالت بحدة: ـ كفاية تمثيل. اتجمد المكان. عمران رفع رأسه ببطء. أما داليدا فاتجمدت مكانها. صفية كملت: ـ من يوم ما دخلت العيلة وكلها مشاكل.
ـ أمي. قالها عمران بهدوء. لكن الهدوء ده كان مخيف. صفية تجاهلته. ـ أبوك مات مرتاح من بلاوي النسوان دي. وهنا… وقف عمران. ببطء. لكن كل اللي في الأوضة سكت. لأنهم عارفين عمران لما يوصل للحالة دي. بيبقى خلاص. قال: ـ اعتذري. صفية شهقت. ـ نعم؟ ـ اعتذري لمراتي. ـ أنت اتجننت؟ ـ اعتذري. ـ وأنا أعتذر لبنت صغيرة؟ ـ لبنت صغيرة؟ ابتسم عمران ابتسامة باردة. ـ دي مراتي. وشرفي. وكرامتي. واللي يهينها يبقى بيهيني أنا.
لأول مرة في عمر صفية… ابنها وقف قدامها بالشكل ده. ولأول مرة في عمر داليدا… حد دافع عنها قدام الدنيا كلها. بعد ساعة خرجوا من الدوار. والطريق كله كان ساكت.
داليدا كانت باصة من الشباك. وعينيها مليانة دموع. لحد ما عمران وقف العربية فجأة على طرف الطريق. لف ناحيتها. ـ بتعيطي ليه؟ هزت رأسها. ـ مش عارفة. ـ زعلتك؟ ـ بالعكس. سكتت لحظة. ثم قالت بصوت مكسور: ـ أول مرة حد يقف عشاني. أول مرة أحس إن ليا ضهر.
الكلام ضــ,,ـــــرب قلب عمران مباشرة. فضل باصص لها. ثواني طويلة. طويلة جدًا. ثم مد إيده ومسح دموعها بهدوء. وقال: ـ طول ما أنا عايش… عمرك ما هتبقي لوحدك. نزلت عينيها بسرعة. لأن قلبها كان بيدق بشكل مجنون. أما عمران… فكان بيقاوم بكل قوته. لأنه بدأ يحس إنه خلاص. وقع. وقع في حبها بالكامل. وما بقاش قادر يتخيل يوم واحد من غيرها. لكن لسه فيه حاجات كتير بينهم…ولسه داليدا نفسها ما اعترفتش بالحقيقة. الحقيقة اللي قربت جدًا تظهر.
وخصوصًا بعد اللي هيحصل في الفصل الجاي… الفصل العاشر: لما القلب يفضح صاحبه بعد ما رجعوا البيت، فضلت كلمات عمران ترن في ودن داليدا طول الليل. “طول ما أنا عايش… عمرك ما هتبقي لوحدك.” كانت متمددة على سر,,ـــــيرها، وباصّة للسقف. كل ما تفتكر الموقف اللي حصل قدام العيلة تحس بقلبها يلين أكتر. لحد إمتى هتفضل تنكر؟ إمتى هتفضل تقنع نفسها إنها لسه خايفة منه؟ الحقيقة إنها من فترة طويلة بطلت تخاف. الحقيقة إنها بقت تستناه.
وتدور عليه بعينيها أول ما تدخل مكان. وتنام مرتاحة لمجرد إنه موجود تحت نفس السقف. لكن الاعتراف بالحقيقة كان مرعب. مرعب أكتر من ليلة هروبها نفسها. الصبح نزلت المطبخ. ولقت عمران بيحضر القهوة بنفسه. رفع عينه أول ما شافها. ـ صباح الخير. ـ صباح النور. ابتسم. ـ نمتي كويس؟ ـ أيوه. ـ كدابة. ضحكت رغماً عنها. ـ ليه؟ ـ عيونك بتقول إنك نمتي ساعتين بالكتير. ارتبكت. ـ وأنت مالك؟ ـ مالي؟ رفع حاجبه. ـ أنا جوزك يا داليدا.
الجملة البسيطة دي عملت فوضى كاملة جواها. أما هو فكان مستمتع جدًا باحمرار وشها. بعد الضهر خرج عمران للوحدة الصحية. وداليدا راحت السوق. كانت بتشتري شوية حاجات للبيت. ولما خلصت… سمعت صوت معروف. ـ داليدا؟ لفت. ولقت نجلاء. المدرسة اللي شافتها قبل كده عند عمران. ابتسمت نجلاء. ـ إزيك؟ ـ الحمد لله. ـ دكتور عمران عامل إيه؟ مجرد سؤال عادي. لكن داليدا اتضايقت. من غير سبب منطقي. ـ كويس. ـ راجل محترم جدًا. ـ الحمد لله.
ـ البلد كلها بتحبه. ـ الحمد لله. نجلاء بدأت تضحك. ـ هو أنا زعلتك؟ ـ لا. ـ أكيد؟ ـ أيوه. ـ أصل شكلك غيران شوية. داليدا اتخضت. ـ نعم؟ ـ بهزر يا بنتي. لكن البذرة اتزرعت. ورجعت البيت متعصبة من نفسها. لأنها عرفت إن غيرتها بقت واضحة للناس.
في المساء. كان عمران قاعد يراجع ملفات المرضى. وداليدا بتحاول تتفرج على التلفزيون. لكنها مش مركزة. وفجأة قالت: ـ هي نجلاء دي بتيجي لك كتير؟ رفع رأسه ببطء.
وبعدين ابتسامة واسعة ظهرت على وشه. ـ مين؟ ـ نجلاء. ـ مالها؟ ـ بسأل. ـ ليه؟ ـ مفيش. قفل الملف. وحطّه على الترابيزة. وبص لها مباشرة. ـ داليدا. ـ نعم؟ ـ أنتي غيرانة؟ ـ لا. ـ كدابة. ـ والله لا. ـ طب بصيلي وقوليها. رفعت عينيها له. وسكتت. لأنها ما عرفتش تكذب. وهنا… ضحك عمران بصوت عالي. لدرجة إنها رمت المخدة عليه. ـ بطل رخامة. مسك المخدة. وقلبه كان بيطير من الفرحة. لأن البنت اللي كانت بتهرب منه من شهور…
بقت تغير عليه بالشكل ده. لكن في نفس الليلة حصل حاجة غير متوقعة. كانوا قاعدين في الجنينة الصغيرة. والهوا لطيف. وفجأة قالت داليدا: ـ عمران. ـ نعم؟ ـ عايزة أسألك سؤال. ـ اسألي. سكتت شوية. ثم قالت: ـ يوم ما هربت… كنت ناوي تعمل إيه لو مسكتني قبل ما أسمع كلام أمك؟ عمران سكت. ثواني طويلة. ثم قال بهدوء: ـ ولا حاجة. ـ يعني؟ ـ كنت هوديكي البيت. ـ وبعدين؟ ـ وأقولك إنك حرة. اتصدمت.
ـ حرة؟ ـ أيوه. ـ حتى لو رفضت الجوازة؟ ابتسم بحزن بسيط. ـ حتى لو رفضتي. بصت له كأنها بتشوفه لأول مرة. ـ ليه؟ تنهد عمران. ثم قال بصوت منخفض: ـ لأن عمري ما كنت عايز زوجة غصب عنها. سكتت. أما هو فأكمل وهو باصص للسماء: ـ أنا من أول ما شفتك وأنا بحبك. اتجمدت داليدا. قلبها وقف. هل قالها فعلًا؟ هل سمعت صح؟ لكن عمران كمل بهدوء: ـ يمكن من قبل الجواز بسنين. ـ عمران…
ـ كنتي صغيرة… ومشوفتكيش غير كام مرة. بس كنت عارف إني لو اتجوزت يوم… هيبقى أنتي. الدموع لمعت في عينيها. لأنها لأول مرة تعرف الحقيقة. الحقيقة اللي خباها طول الوقت. إن كل حمايته. وصبره. وحنانه. ما كانوش واجب. كانوا حب. حب قديم جدًا. حب سابق حتى للجواز نفسه. أما عمران… فأدرك بعد ما اتكلم إنه كشف قلبه كله. فابتسم وقال: ـ خلاص… اعتبري إني مقولتش حاجة. لكن داليدا كانت لسه باصة له. وقلبها لأول مرة يعترف بصوت واضح:
هي كمان بتحبه. يتبع الفصل الحادي عشر: أول اعتراف بعد ما عمران قال كلامه… سكت. كأنه ندم إنه اتكلم. وكأنه كشف جزء من قلبه كان مخبيه بقاله سنين. أما داليدا… فما قدرتش تنطق. كانت قاعدة مكانها. حاسّة إن الدنيا كلها واقفة. كل موقف حصل بينهم رجع قدام عينيها. يوم هربت. ويوم حماها. ويوم وقف قدام أمه. ويوم مسح دموعها. ويوم فضل يصدقها رغم إن الدنيا كلها كانت ضدها. فهمت فجأة. إن الراجل ده عمره ما كان وحش.
ولا قاسي. ولا مرعب. هي كانت عايشة وسط أكاذيب. بس. عمران قام من مكانه. كان ناوي يدخل البيت. قبل ما يتهور أكتر. لكن أول ما لف… سمع صوتها. ـ عمران. وقف فورًا. ضهره ليها. لكن قلبه كان بيدق بعنــ,,ـــــف. ـ نعم؟ سكتت ثواني. ثم قالت بصوت مرتعش: ـ بصلي. لف ببطء. وشافها واقفة. وعيونها مليانة دموع. اتوتر فورًا. ـ مالك؟ هزت رأسها. ـ أنا زعلانة منك. اتصدم. ـ مني؟ ـ أيوه. ـ ليه؟ قربت خطوة.
ـ علشان خليتني أصدق كل الناس إلا أنت. سكت. وقلبه بدأ يوجعه. لكنها كملت. ـ وخليتني أكتشف متأخر قد إيه أنت كويس. ـ داليدا… ـ لا… اسمعني. كان أول مرة تقاطعه بالشكل ده. وأول مرة يشوف الجرأة دي منها. قالت وهي بتحاول تمنع دموعها: ـ أنا كنت بخاف منك. ـ عارف. ـ وكنت فاكرة إنك هتظلــ,,ـــــمني. ـ عارف. ـ وكنت مستنية منك الأذى.