جوزى متغرب من ٤سنين

في اللحظة دي، شفت نظراتهم كلهم.. الشفقة، الغض,,ب، والطمع. بس وسط كل ده، شفت “راضي” اللي عرفته زمان، الشخص اللي كان بيبعت فلوسه وكان فاكر إنه بيأمن مستقبله. اه هو غدر، وهو استغل، وهو خان، بس الفكرة اللي زرعتها في دماغي طول السنين اللي فاتت -إن ده حقي- بدأت تتصارع مع الحقيقة اللي بتقول إن جزء من “عرق الغربة” ده كان بجد. سكتت لحظة، ونزلت الملف من إيدي. قلت بصوت هادي خلى الكل يسكت:

“أنا مش هطرد حد، ومش هكون ظالمة زيك يا راضي.”
الكل اتفاجئ، وراضي بصلي ببارقة أمل. كملت: “المشروع والبيت ده باسمي قانوناً، وده حقي اللي تعبت فيه ومحدش يقدر ينازعني فيه. بس عشان أنا ست أصل، وعشان ولادي ما يشوفوش أبوهم متشرد في الشارع، أنا هصفي كل الحسابات.” بصيت لراضي: “أنا هحسب كل جنيه دخل من الغربة، وهحسب قصاده كل جنيه أنا تعبت فيه وخلصته في الإجراءات والمصالح.. وهديك جزء من الفلوس اللي كانت حصيلة غربتك، مبلغ يفتحلك مشروع صغير تبدأ بيه حياتك من جديد مع “سارة” اللي اخترتها.”

سارة بصتلي بذهول، وراضي عيونه لمعت بدموع الندم -أو يمكن الانكسار-. “بس بشرط..” كملت بصرامة: “ورقة الطلاق تتنفذ فوراً، وتخرجوا من البيت ده، وتنهي أي علاقة بالمشروع ده. المبلغ ده هيكون آخر عهدي بيك، ولا ليكم عندي ولا ليكم عندي أي مطالبة تانية.” خالة راضي حاولت تتكلم، بس راضي سبقها وبصلي بإنكسار وقال: “أنا موافق يا أماني.. أنا اللي ضيعت كل حاجة.” في اليوم التاني، المحامي خلص الإجراءات. كان يوم غريب، يوم هدوء بعد عاصفة. شفت راضي وهو بياخد الشنط بتاعته ويخرج من الباب اللي أنا فرشته قطعة قطعة. سارة خرجت وراه وهي ساكتة، ما بقاش فيه دلع ولا تمختر.

وقفت في نص الصالة بعد ما مشيوا، والبيت كان فاضي وهادي. بصيت للحيطان، وللستائر، وللبيت اللي كنت فاكرة إنه هيكون “جنتي”، لقيتني لأول مرة بحس إني حرة فعلاً. مرت سنتين، وكأن الزمن كان بيكتب “العدل” بإيد القدر.

في مكتبي الجديد، اللي اتفرش بذوقي الخاص وبمجهودي اللي اتضاعف، كنت واقفة بتابع التقارير. المشروع اللي بدأته من العدم، وبنيته على أنقاض خيانة راضي، بقى اسم كبير في السوق. مش بس نجحت، ده أنا بقيت “اسم” بيحترموه في المجلات اللي كنت بحلم أكتب فيها، زي “سيدتي” و”زهرة الخليج”. ولادي بقوا في أحسن مدارس، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح للغدر، بقى حصن للأمان والهدوء. أما راضي.. فدائرة الأيام دارت عليه.

وصلتني أخبارهم عن طريق “الصدفة” اللي بتجمع الناس في بلد صغيرة زي مصر. راضي، بالرغم من المبلغ الكبير اللي أديتهوله عشان يبدأ حياته، ماعرفش يدير نعمة “البداية الجديدة”. اتجوز سارة رسمي، لكن الغريب إن “الاستغلال” اللي كان رابطهم ببعض، هو نفسه اللي دمره. سارة، اللي كانت بتشجعه على الغدر بيا، لقت إن راضي ماعدش عنده “المكتب” ولا “الورق” ولا “الإجراءات” اللي كانت بتسهل له أموره، فبدأت تضغط عليه بمطالبها اللي مابتخلصش.

راضي، عشان يثبت لسارة إنه لسه “الراجل اللي بيعرف يجيب فلوس”، دخل في مشاريع وهمية وبورصات مشبوهة، وسمع نصايح ناس طماعة، لحد ما المبلغ اللي أخدوا مني -واللي كان حصيلة غربته وسنين عمره- اتبخر في أقل من سنة.
سمعت إن المشاكل بينهم وصلت للمحاكم. سارة سابته أول ما لقت الجيب فضي، ورفعت عليه قضايا نفقة وحجز، وراضي اللي كان بيحلم إنه “ملك” البيت في يوم من الأيام، بقى بيتنقل من شقة إيجار لشقة أصغر، ومطارد بديون ماكنش عامل حسابها.

في يوم، وأنا خارجة من مكتبي، شفت راضي واقف على الناصية.. كان شكله كبر عشر سنين في سنتين، ملامحه اللي كانت مليانة غرور بقت ذابلة، كان واقف بيبص على باب الشركة وكأنه بيشوف “الحلم” اللي ضيعه من إيده. بص لي.. شافت عينه ندماً من النوع اللي بيح,,رق صاحبه. مكنش ندماً على خسارة الفلوس، كان ندماً على اللحظة اللي قرر فيها يبيع الست اللي بانت له كل ده، عشان يشتري وهماً كان آخره الشارع.

ماوقفتش. مش قسوة، لكن خلاص.. الشخص اللي كنت أعرفه م,,ات من زمان. ركبت عربيتي، وبصيت قدامي. فتحت تليفوني وبعت رسالة لـ “آيات” مساعدتي في الشغل: “يا آيات، خدي ميعاد مع المحرر المسؤول في مجلة زهرة الخليج، عايزة أراجع مقالتي الجديدة عن ‘كيف تبني حياتك من جديد بعد العواصف’.” سقت عربيتي، والهدوء كان ماليني.. لأني عرفت أخيراً إن أكبر مكسب في الدنيا مش الفلوس، ولا المشروع، ولا حتى الانتقام.. أكبر مكسب هو إنك تفضل “إنتي”، بكرامتك، وبقوتك، وم,,اتسمحيش لأي حد، مهما كان، إنه يغير جوهرك

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
24