جوزى متغرب من ٤سنين

الأيام اللي تلت مكالمة المحامي كانت الأصعب في حياتي، لكنها كمان كانت “مدرسة” الصبر. كنت بشوف راضي وسارة بيخططوا، بيفتحوا ملفات، بيخلصوا توقيعات، وهما فاكرين إن “الضحية” نايمة على ودنها. بدأت اللعبة بذكاء: كنت بوقع على أي ورق يخص المشروع من غير ما أبص، كنت ببتسم لراضي وأنا شايفة الغدر في عينه، وبمثل دور الزوجة “الساذجة” اللي بتنفذ الأوامر. راضي كان بيستغل ده، بيخليني أمضي على عقود، توكيلات، وأوراق تنازلات، وكلها كانت بتعدي على مكتبي، بس المحامي بتاعي كان بيستبدل “النسخ” الأصلية قبل ما تترفع، أو بيضيف بنود قانونية في التوكيلات اللي هو فاكرها لصالحه، بتخلي “الكلمة الأخيرة” ليا أنا.

في يوم، راضي قالي بوش كله خبث: “يا أماني، أنا محتاجك تمضي على الورق ده، عشان أخلص إجراءات المصنع الجديد، دي مجرد إجراءات روتينية، وبعدها هرتاح وهنعيش مرتاحين.” مسكت القلم، وبكل برود أعصاب مضيت. كنت عارفة إن الورق ده هو اللي هيوقعه في الآخر. مرت الشهور، المشروع كبر، والمصنع اشتغل، وسارة كانت بتتصرف كأنها “المديرة” في الموقع، بتهين الموظفين وبتمضي أوامر، وراضي كان بيزود في غطرسته، فاكر إن كل شيء بقى جاهز عشان “السين,,اريو الكبير”.

يوم “الخطة”، صحيت الصبح لقيت راضي وسارة في الصالة، باصين لبعض بنظرات ذات معنى. راضي بصلي وقال بصوت جاف: “أماني، أنا كنت عايز أقولك… إحنا لازم ننفصل. أنا مابقتش حاسس بأي مشاعر تجاهك، وده أحسن لينا كلنا.” سارة كانت واقفة وراه، حاطة إيدها على كتفه بدلال مقزز، ومبتسمة ابتسامة نصر. مد إيده وطلع ورقة من جيبه: “دي ورقة طلاقك، وكل حقوقك المادية هتجيلك، بس البيت ده والمشروع… دول ملكي أنا.”

سكت.. ما نزلتش دمعة واحدة. بالعكس، ابتسمت، ضحكت ضحكة هادية خلت سارة تكش من نظرتي. قمت وقفت، رتبت هدومي، ودخلت الأوضة. راضي وسارة بصوا لبعض باستغراب، فاكرين إني هنهار أو هصرخ. طلعت بعد دقايق، ومعايا “ملف”. رميت الملف على التربيزة قدامهم. راضي اتوتر: “إيه ده؟” بصيتله بثبات وقوة: “ده اللي بيعرفك مين اللي طالق مين، ومين اللي صاحب البيت.”

فتحت الملف، وطلعت منه “حكم محكمة” و”عقود الملكية” اللي اتسجلت باسمي أنا في الشهر العقاري من شهرين، وبند في التوكيل اللي هو مضا عليه بذكاء المحامي بتاعي، بيحول كل أصول المشروع وأرباحه ليا بالمستندات اللي المحامي صورهم وهما فاكرين نفسهم في أمان. راضي فتح عينيه على وسعها، وبدأ يقرأ الورق وإيده بتترعش.
سارة صرخت: “يعني إيه؟ ده شغلنا!” بصيت لسارة ببرود: “لا يا حلوة… ده شغلي أنا. إنتي وراضي كنتوا ضيوف تقال، والضيف اللي بيحاول يس,,رق صاحب البيت، بيترمي في الشارع.”

راضي حاول يصرخ، بس قاطعته بصوت جهوري: “اسكت! إنت عارف كويس إن القانون في صف مين دلوقتي. كل قرش، كل مكنة، حتى الحيطة اللي إنت واقف عليها دي.. بتاعتي. ومعايا أمر طرد ليك وليها من البيت ده خلال ساعة، وإلا البوليس هو اللي هيخرجكم.” سارة بصت لراضي بنظرة كره وندم، وبدأت تلم حاجتها بجنون. راضي كان واقف مذهول، ملامح الرجولة اللي كان بيتمصلح بيها قدامها وقعت، وبان على حقيقته.. راجل مكسور، خايف، ومفضوح.

وقفت عند الباب، وبكل كبرياء قلت: “أربع سنين كنتوا بتبنوا في وهم… ونسيتوا إن اللي بيبني بجد.. هو اللي بيملك.” قفلت الباب وراهم، وسمعت صوتهم وهما بيتشاكلوا في الممر، بس مكنش يهمني. للمرة الأولى من سنين… البيت بقى بيتي بجد، وهدوء المكان كان أحلى موسيقى سمعتها في حياتي. سكت البيت تماماً بعد ما قفلت الباب، بس السكون ده ما طالش كتير. دقايق وسمعت خبط جنوني على الباب، وصوت خالات راضي وأهله اللي كانوا جايين معاه في أول يوم، وصوتهم عالي في الممر.

فتحت الباب ببرود، لقيتهم كلهم واقفين: خالاته، وعمامه، وسارة واقفة وراهم بتعيط، وراضي واقف وشه في الأرض من الذل. كبيرة العيلة، خالة راضي، دخلت وبدأت تصرخ: “إيه اللي بتعمليه ده يا أماني؟ راضي جوزك، وبنت خالته دي مراته، إيه الورق ده اللي بتلوحي بيه؟ ده بيته وشقاه!” بصيت للخالة بهدوء، ورجعت بصيت لراضي اللي كان متجنب يبص في عيني: “بيته وشقاه؟ طيب اسأليه هو، الشقى ده كان باسم مين؟ والفلوس اللي كان بيبعتها، أنا كنت بحولها لإيه؟”

النقاش احتدم، الكل بيصرخ وبيحاولوا يضغطوا عليا. راضي رفع عينه بضعف وقال: “أماني.. كفاية فضايح، أنا غلطت، بس ما توصليش لأنك تطرديني أنا وأهلي في الشارع، أنا مشيت سنين عشان أعمل ده.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
24