لميت هدوم ابني

في اللحظة دي، الصمت رجع تاني للشقة.. بس مكنش صمت عادي، كان صمت شبه اللي بيسبق الإعصار.
المروحة لسه بتلف فوق.. شاشة التلفزيون لسه منورة أزرق.. وصوت ضحكة طفل جاية من منور العمارة. بس الهوا جوه بيتنا بقا تقيل، تقيل لدرجة تخنق.
بصيت ل شادية.. وشها مكنش فيه نقطة دم واحدة.
سألتها بصوت غريب عليا فيديوهات إيه يا شادية؟
مدت إيدها تترعش عشان تاخد التليفون مني، ف رجعت خطوة لورا.
همست ودموعها بتنزل زي الشلال محسن.. أرجوك.. بلاش.
الكلمة دي هزتني وكسرتني أكتر من كل قلة أدب رامي وإهانته ليا..

لإن شادية مكنش صوتها صوت واحدة مذنبة، كان صوت ست مزنوقة في حيطة سد.
بصيت في التليفون، الشاشة مكنتش لسه قفلت برقم سري، رامي طول عمره مهمل لإن دايماً كان في اللي بيغطي وراه. وفجأة، جت رسالة تانية من ميزو
ماتنساش.. أمك بتعيط حلو قوي قدام الكاميرا.. والناس بره بتدفع أكتر في الحاجات دي.
معدتي قلبت وحسيت بغثيان.. وشادية طلعت منها آهة عمري ما سمعتها منها قبل كده.. آهة مكتومة وموجوعة زي صوت ذبيحة!
بداية الاعتراف
سألتها وأنا سناني بتخبط في بعض مين ميزو ده؟
حطت إيدها على بوقها وهي بتترعش. فتحت الشات..

شات ملوش آخر.. صور، رسايل صوتية، تحويلات فلوس، سكرين شوتس.. وفيديوهات!
صوبعي كان واقف فوق أول فيديو وهيدوس تشغيل.. وفجأة، شادية رمت نفسها تحت رجلي على الأرض!
صرخت وهي بتترجاني متشوفش.. أبوس رجلك يا محسن متشوفش!
اتسمرت مكاني.. مراتي.. الست الشريفة اللي وقفت جنبي في الفقر، والديون، وجنازة أبويا، ويوم ما بنتنا تقى جالها حمى ، وأيام
إضرابات المصنع، والعيش الحاف، والجوع.. الست دي راكعة تحت رجلي بسبب بلاوي تليفون ابننا!
قَفلت الشاشة.. مش عشان هربان من الحقيقة..

لأ، عشان كرامة مراتي غالية عليا، ومكنتش هسمح إنها تتكشف قدامي كأنها متهمة في قضية قبل ما أعرف إزاي أداوي وجعها.
نزلت على ركبي قدامها، وقولت وصوتي بيترعش شادية.. اتكلمي.. قوليلي في إيه؟
هزت راسها بعنف وهي بتصرخ مش هقدر.. مش هقدر!
لا هتقدري.
همست وهي بتمو.ت من الر.عب لأ يا محسن.. عشان لو قولتلك.. إنت هتمو.ت واقف على رجليك!
لمست كتفها، فاتنفضت.. والنفضة دي مكنتش مني أنا.. دي كانت نفضة من الوجع والذكرى اللي عايشة فيها.
قعدت على الأرض قدامها وقولت رامي مَد إيده عليكي؟ أذاكي؟

عينيها اتملت دموع، حاولت تنطق، بس الكلام هرب منها.
بصيت للتليفون في إيدي، وفجأة حسيت إنه أتقل من جبل حديد.. ابني مكنش مجرد كسلان ولا قليل أدب ولا متدلع.. ده كان في وحش حقيقي عايش وسطينا، بياكل من أكلنا، وينام تحت سقفنا، وبيقول لمراتي يا ماما بنفس البوق اللي دمرها بيه!
سكين في الظهر
شادية مسحت وشها بطرف طرحتها وبدأت تتكلم وصوتها مخنوق
الموضوع بدأ من خمس شهور.. جه قالي إنه محتاج فلوس.. في الأول طلب 5 آلاف، بعدين 10، بعدين 20.. سألته ليه؟

قال إنه استلف من ناس صحابه في الألعاب على الإنترنت، زعقتله، عيط وقالي هيض.ربوه ويمو.توه، وإنهم عارفين مكان بيتنا.
سألتها بمرارة وليه مقلتليش أنا؟
بصتلي، والإجابة كانت في عينيها قبل ما تنطقها عشان كنت عارفة إنك هتطرده بره البيت.
غمضت عيني بوجع، وهي كملت
بقيت أديه من مرتبي.. بعدين اديته سلسلتي الذهب.. وبعدين الغوايش اللي أمك الله يرحمها كانت مدياني
الصباحية بتاعتها.
إيديا اتقبضت.. أنا فعلاً لاحظت إن الغوايش مش في إيدها، ولما سألتها قالتلي إنها شايلاها في علبتها.. وأنا صدقتها!
كملت وهي بتبكي بعدين قالي الفلوس مش كفاية..

وصاحبه ميزو قاله على طريقة تانية يجيبوا بيها فلوس.
مكنتش عاوز أسمع الجملة اللي جاية، بس الحقيقة كانت خلاص دخلت البيت ومفيش مفر.
قالت شادية بكسرة صاحبه طلب منه يصوره فيديوهات.. في الأول فيديوهات عياط.. وإني بترجى وبطلب فلوس.. وبتمسكن الناس زى فيديوهات تيكتوك.. إني محتاجة فلوس للعلاج.. وللديون.. ولقضاء حاجات.. صوتها اتقطع، وزادت في البُكا حاجات تكسف وتوطي الراس يا محسن.
حسيت بمرارة في حلقي، وقولت ووافقتي؟
رفضت وصممت.. رامي قعد يومين يعيط ومبياكلش، وقالي هيقتلوه بسببي، ودخل الحمام قطع دراعه ب موس وراني الدم.. ابننا يا محسن.. استخدم دمه زي حبل المشنقة حوالين رقبتي!

قولت لنفسي أنا بنقذه وبحمي ضنايا.
شادية انكمشت على نفسها زي العيلة الصغيرة، وأنا كنت عاوز أكسر التليفون ده مية حتة.. كنت عاوز أنزل في نص الليل، أجيب رامي من قفاه وأسأله إني جزء من دموع أمك كان شبه الفلوس في عينيك يا واطي؟!
بس شادية كانت لسه بتكمل
بعد كده الطلبات اتغيرت.. ميزو بقى يمليه الكلام اللي لازم أقوله.. ساعات كان يطلب وشي يبان، وساعات إيديا بس.. ساعات يخليني أعيط وأبوس الإيدين.. قالوا إن في ناس أغنية بره مصر بيحبوا يتفرجوا على الأمهات وهي بتترجى وتعيط بالطريقة دي.

خبطت بقبضة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش، والدنيا لفت بيا.
شادية بصتلي برعب وقالت أنا عمري ما قلعت هدومي يا محسن.. والنعمة الشريفة وعلى عيالي عمري ما عملت كده.. أنا بس كنت
قاطعتها وقولت بس.. متبرريش
نفسك ليا.. إنتي فوق راسي.
هنا شادية ان.ف.جرت.. رمت راسها على صدري وفضلت تعيط، عياط ست كانت بتمو.ت لوحدها بقالها شهور، وأخيراً لقت المكان اللي مسموح لها تطلع فيه صوتها. ح.ضنتها بكل قوتي.. بس ح.ضني مكنش كفاية.. مفيش حاجة في الدنيا كانت كفاية ل محو القهر ده.

مراتي كانت بتتعذب جوه بيتي وأنا بشتغل شفتات إضافية عشان أصرف على الوحش اللي ماسك السكينة في ضهرنا!
المواجهة الثانية
وفجأة.. الباب خبط.
شادية جسمها اتخشب. قمت براحة والتليفون في إيدي.. وصوت رامي جه من بره الطرقة
يا بابا افتح الباب.. أنا نسيت تليفوني.
شادية مسكت في قميصي بلاش يا محسن.. بلاش تواجهه.
بصيت للباب.. ابني بره. لأ.. الشاب اللي بره ده شايل اسمي بس، ملوش أي علاقة بيا.
الخبط زاد وبقى أعنف افتح الباب بقا! أنا عارف إنه معاك.
فتحت الباب نص فتحة.. شادية شهقت ووقفت ورايا.

رامي كان واقف في الطرقة، لسه حافي، شعره منكوش، والغل في وشه. ومن وراه تلاتة من الجيران باصين من شقوق أبوابهم.
قال بوقاحة هات التليفون.
بصيت في وشه.. ركزت فيه قوي.. ده الطفل اللي كنت بربطله كرافتة المدرسة بإيديا الناشفة.. ده الولد اللي كان بينام على صدري لما النور يقطع.. ده ابني اللي بكى لما السلحفاة الصغيرة بتاعته ماتت!
الطفل ده راح فين؟ هل إحنا اللي دفناه تحت الدلع والطبطبة؟ ولا هو كان مستني يكبر عشان يبقى بالبشاعة دي؟
سألته مين ميزو؟
وشه اتخ.طف في ثانية، بس حاول يداري معرفش.

أُمال ميزو باعتلك يقولك امسح فيديوهات ليه؟
عينين رامي راحت ل شادية اللي كانت واقفة ورايا تترعش، وصوته وطي وقال ب لؤم ماما.. إنتي قولتيلو؟
شادية بصت للأرض.. ورامي ضحك.. ضحكة صفرا تقرف تمام.. وطبعاً عملتي فيها الضحية وعشتي الدور.
إيدي سبقت عقلي.. مسكته من ياقتي وقسمت ظهره على حيطة الممر بره الشقة.
الجيران بره شهقوا.. وهمست في وشه وعيني بطلع شرار لو نطقت كلمة تانية عنها.. الليلة دي هتعرف أنا ليه عمري ما مديت إيدي عليك قبل كده.
لأول مرة من سنين، شوفت الرعب في عين رامي.. مكنش احترام، كان خوف حقيقي. وده الصح..

كان لازم يخاف من عاقبة أفعاله.
زقني لورا وقال بنبرة مخنوقة إنت مش فاهم حاجة.. أنا كنت هصلح كل حاجة!
سألته هتصلحها بإيه؟ ببيع دموع أمك؟
بوقه

اتفتح ومفيش كلمة طلعت. بعدين بص من ورايا ل شادية وزعق إنتي بوظتي كل حاجة!
شادية رجعت لورا كأنه ض.ربها بالقلم. مسكته من دراعه وسحلته لجوه الشقة، وبصيت للجيران بره وقولت بصوت عالي يا ريت كل واحد يقفل بابه.. دي فضيحة عيلتي.. بس اللي حابب يتفرج ويتسلى، يفتكر إن بكرة الدور ممكن ييجي على بابه.
الأبواب اتقفلت واحد ورا التاني، ودخلت قفلت بابنا بالمفتاح.
التهديد الأكبر
رامي كان واقف في الصالة بيلهث هات التليفون بقا.
حطيت التليفون على طرابيزة السفرة، وحطيت كف إيدي فوقيه اقعد.
زعق أنا مش عيل صغير!
قولتله فعلاً..

العيل الصغير مبيعملش كده فى أمه.
وشه اتخ.طف.. وشادية همست محسن.. بلاش تقول كده.
لفيت ليها أُمال عاوزاني أسميه إيه يا شادية؟ ملقيتش رد.
رامي قعد، بس رجله كانت بتهتز تحت الطرابيزة من التوتر. فتحت الشات تاني بس دريت الشاشة عن شادية.. شوفت رسايل الدفع.. تحويلات فودافون كاش.. وأسامي.. وسكرين شوتس لحسابات بنكية.. ولحد ما وصلت لصورة خلت الدم يقف في عروقي!
صورة بنتنا تقى!
واقفة قدام سنتر الدروس بتاعها.. تقى عندها 19 سنة، بتدرس تمريض في المعهد في بنها، وبتيجي البيت مرتين في الشهر بس.

وتحت الصورة، ميزو كان كاتب ل رامي
المرة الجاية لو أمك قالت لأ.. هنبدأ بأختك.
بصيت ل رامي.. مكنش قادر يرفع عينه في عيني.
سألته بصوت مكتوم دخلت أختك في القذارة دي؟
شفايفه اتهزت أنا مبعتش الصورة دي.. والله ما أنا.
بس منعتهمش!
صرخ وقال مكنتش قادر! إنت فاكر إني كنت عاوز كده؟ فاكر إني كنت مبسوط؟
شادية حطت إيديها على ودنها وهي بتصرخ، وأنا قربت منه وقولت احكي الحكاية من أولها حالا.
هز راسه بالرفض، فطلعت تليفوني وطلبت رقم النجدة 122.

رامي نط عليا عشان يمنعني، فبعدت لورا والكرسي بتاعه اتقلب على الأرض.
صرخ برعب إنت اتجننت؟ الشرطة هتحبسني!
قولتله وده المفروض يحصل.
وشادية صرخت محسن لا!
قفلت السكة قبل ما يجمع الخط.. مش عشان غيرت رأيي، عشان كنت عاوزه يفضل مرعوب وصاحي.
رامي كان صدره بيعلو ويهبط بسرعة، وفجأة انهار وبدأ يتكلم
أنا استلفت فلوس.. 200 ألف جنيه.
ضحكت بمرارة.. 200 ألف جنيه كانوا
تمن كرامة مراتي!
من مين؟
من ميزو.
اسمه الحقيقي إيه؟
تردد.. فرفعت التليفون تاني، فقال بسرعة اسمه منير.. منير البشري.
أنا عارف الاسم ده!

ولد من شلة الألعاب بتاعته.. أبوه غني، وراكب موتوسيكل سريع، ودايماً لابس نضارة شمس جوه البيت.. جه بيتنا مرتين وشادية عملتله غدا وبطاطس محمرة.. مراتي أكلت بإيدها الشخص اللي بعد كده مسكها من رقبتها!
رامي كمل والكلام بيتحدف من بوقه في الأول كان لعب على الماتشات.. ومجموعات عملات رقمية.. قالوا مكسب سريع.. خسرت.. ومنير دفع مكاني، وبعدين طالبني بالفلوس والفوائد.. مكنتش معايا.. قالي هبعت ناس تحت البيت تبهدلك.. أنا اتخرعت.
فقومت مشغل أمك؟
أنا طلبت منها المساعدة بس!
وخليتها تعيط قدام الكاميرا؟
وشه اتكرمش وبكى مكنتش فاكر إنهم هيبعتوا الفيديوهات دي لحد.
بصيتله بقرف..

دي مأساة المغفلين، دايماً فاكرين إن النار مش هتطلع بره عود الكبريت!
سألته هل بعتوها؟
مردش.. وشادية طلعت صوت خفيف وقالت الشهر اللي فات.. جالي مكالمة من رقم غريب.. قالي إنه شافني..
غمضت عيني.. كنت عاوز أهد الحيطان دي.. ورامي قال أنا كنت هسحب وأمسح كل حاجة الليلة دي.. والله العظيم.
قولتله بعد ما تطلب منها فلوس تاني صح؟ فضل ساكت.
وفجأة.. التليفون رن.. ميزو بيتصل.
فتحت الخط.. ورامي صرخ لأ!

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0