كريم قفل الخط بسرعة وبص لمروة اللي سألت بلهفة:
— في إيه يا كريم؟ أحمد جرى له إيه؟
كريم حرك راسه بغضب وقاد عربية العمليات:
— البغل فاكر نفسه في فيلم أجنبي.. ولع في الزنزانة وعامل مصيبة في القسم. اركبي معايا بسرعة، لازم نتحرك على هناك، الحكاية مش هتنتهي بمـ,ـوت حد فيهم قبل ما ياخدوا حكم المحكمة اللي يكسر عينهم.
### ليلة القيامة الصغرى في القسم
القسم كان عبارة عن خلاية نحل مقلوبة. عربيات المطافئ كانت واصلة بتجري وسارينات الإسعاف بتملى المكان، والدخان الأسود الكثيف كان خارج من شبابيك الحجز الخلفية.
العساكر والضباط كانوا بيطلعوا المساجين وهم بيسعلوا بحدة ووشوشهم مليانة هباب أسود.
في وسط الجلبة دي، كانت الحاجة دولت وريهام بره في الحوش، قاعدين على الأرض بيترعشوا من الخوف بعد ما العساكر خرجوهم من حجز الحريم القريب من النـ,ـار. دولت كانت حاطة إيدها على قلبها وبتصرخ بصوت مبحوح:
— ابني! أحمد جوه يا ناس! أحمد هيمـ,ـوت في النـ,ـار.. الحقوا ابني يا عالم! ده هو السند اللي ليا في الدنيا!
ريهام كانت ساندة ضهرها على سور حديد، ماسكة بطنها وبتعيط بانهيار، ملامح الشماتة والجبروت اللي كانت على وشها في جنينة التجمع الخامس اتمست تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي من المـ,ـوت ومن السجن ومن الضياع.
وصلت عربية كريم ومروة، ونزلت مروة بسرعة. أول ما الحاجة دولت شافتها بوشها المحروق من شمس يونيو وآثار التعب، جريت عليها على ركبها في التراب، ومسكت في جلباب مروة وهي بتبكي وتتوسل:
— مروة! ابوس رجليكي يا بنتي.. سامحيني.. أنا كنت غبية وعميتني الفلوس.. أحمد بيمـ,ـوت جوه يا مروة، خلي أخوكي الضابط ينقذه! وحياة غلاوة أبوكي عندك يسامحنا وخرجي أحمد من النار!
مروة بصت لها ببرود ونفضت إيد الولية من عليها وقالت بنبرة حادة زي الموس:
— تفتكري لما كنت مربوطة في العمود وبصرخ من العطش والشمس بتاكل في دماغي، لو كنت قولتلك وحياة أحمد عندك فكيني، كنتي هتحني؟ إنتي قلبك حجر يا دولت.. والنار اللي ابنك ولعها دي، هي أول شرارة من جهنم اللي هتعيشوا فيها.
في اللحظة دي، خرجوا اتنين من رجال المطافئ وهم شايلين أحمد على نقالة. كان مغمى عليه تماماً، وشه كله أسود، وهدومه متبهدلة، وجلد إيديه ورجليه فيه حروق شديدة من أثر النار اللي حاصرت الركن اللي كان مستخبي فيه.
الحاجة دولت صرخت صرخة شقت المكان وجريت عليه، لكن العساكر منعوها. الدكتور بتاع الإسعاف حط جهاز التنفس عليه وبص لكريم ومروة:
— عنده اختناق شديد وحـ,ـروق من الدرجة الثانية والثالثة في أطرافه.. حالته حرجة ولازم يتنقل العناية المركزة فوراً تحت حراسة مشددة.
مروة بصت لأحمد وهو متمدد زي الجـ,ـثة الهامدة، الراجل اللي كانت في يوم من الأيام مستعدة تضحي بعمرها عشانه، الراجل اللي سددت ديونه ووقفت معاه لما الكل سابه.. دلوقتي واقفة بتتفرج عليه وهو بيروح المستشفى مكلبش ومحـ,ـروق وبيمـ,ـوت بالبطيء. التفتت لكريم وقالت بصوت خالي من أي مشاعر:
— يلا بينا يا كريم..
الحساب لسه مخلصش، والمحكمة الأسبوع الجاي.
### خلف القضبان: ترقب وجلسة الحسم
مر الأسبوع كأنه سنة على العيلة المحبوسة. أحمد حالته استقرت في مستشفى السجن، لكن الحروق سابت علامات وتشويه في إيديه ورجليه، وبقى عاجز عن الحركة الطبيعية، قاعد على كرسي متحرك ومكلبش في السرير.
أما أمجد علوان، فكان قاعد في زنزانته الانفرادية، النيابة قفلت عليه كل الأبواب، والفلاشة اللي مروة سلمتها لكريم فتحت الصندوق الأسود لكل عمليات تهريب الأجهزة الطبية المغشوشة وغسيل الأموال. القضية بقت قضية رأي عام، والجرائد والتلفزيون مكنش وراهم غير “عصابة التعذيب والتهريب”.
يوم الجلسة الصبح..
قاعة محكمة جنايات القاهرة كانت مليانة على آخرها. الصحفيين والمصورين في كل مكان، وأهالي المنطقة وجيران فيلا التجمع واقفين يتفرجوا على نهاية العيلة اللي شافت نفسها على الخلق.
دخل أحمد على الكرسي المتحرك، ووراه الحاجة دولت وريهام اللي كانت لابسة لبس الحبس الأبيض الحوامل ودموعها منشفتش. وفي قفص الاتهام الثاني كان واقف أمجد علوان، وعينيه بتطلع شرار، لابس بدلة السجن الزرقا وواقف بكل غل.
على الجانب الآخر، في الصفوف الأولى للمحكمة، كانت قاعدة مروة محمود السيوفي، وبجنبها أبوها اللواء بجلالة قدره وهيبته اللي تخلي المستشارين نفسهم يحترموه، وأخوها كريم السيوفي بلبسه الرسمي الميري.
مروة كانت لابة طقم أسود شيك جداً، وحاطة مساحيق تجميل خفيفة دارت آثار الشمس، لكن عينيها كانت واضحة وفيها نظرة نصر وثبات يرعب أي حد يبص لها.
أحمد رفع عينه بالعافية وبص لمروة.. حاول يمد إيده المحروقة والمتكلبشة ناحيتها ونادى بصوت ضعيف ومبحوح:
— مروة.. ارحميني يا مروة.. أنا ضعت خلاص.. شركتي اتفلست وبيتي اتخرب.. ارحميني عشان خاطر الأيام اللي عشناها سوا!
مروة ماردتش عليه، ولا حتى رمشت. بصت قدامها للقمة المنصة وكأن أحمد ده حشرة مش موجودة في الفراغ.
### المرافعة التاريخية وسقوط الأقنعة
بدأت الجلسة، ووقف ممثل النيابة العامة يلقي خطبة هزت أركان القاعة.
اتكلم عن الخيانة، عن الغدر، عن الزوج اللي هان مراته وصانع نعمته عشان حفنة فلوس وشقة. واتكلم عن الأم اللي نزعت من قلبها الرحمة والأمومة وبقت زي الشيطان بتعذب وبتحرض على القتـ,ـل.
— “يا سيادة المستشار.. إن هؤلاء المتهمين لم يرحموا ضعف المجني عليها، احتجزوها تلاتة أيام كاملة تحت شمس حارقة، بلا ماء ولا كِسرة خبز، يبتزونها لسـ,ـرقة شقا عمرها. ولم يكتفوا بذلك، بل إن المتهم الأول اشترك مع ذئب السوق المتهم الخامس “أمجد علوان” في إدخال سموم وأجهزة طبية مغشوشة تقـ,ـتل آلاف المرضى الأبرياء في مستشفياتنا.. إنهم خطر على المجتمع، ونطالب بتطبيق أقصى عقوبة عليهم!”
المحامين بتوع أحمد وأمه حاولوا يتكلموا ويلاقوا ثغرة، لكن المستندات والتقارير الطبية، وبصمات الحبال على إيد مروة، وشهادة القوة الأمنية اللي اقتحمت الفيلا والمخزن، وفلاشة الحسابات السرية.. كل دي كانت مسامير اتدقت في نعش العيلة دي.
المستشار رئيس الجلسة ضـ,ـرب بالشاكوش وقال بصوت جهوري:
— رفعت الجلسة للمداولة والنطق بالحكم في آخر الجلسة!
### اللحظات الأخيرة قبل حكم الإعدام المدني
في غرفة المداولة الملحقة بالقاعة، كانت الحاجة دولت قاعدة بتلطم على رجليها وتصرخ:
— يا خراب بيتك يا دولت.. يا فضيحتك وسط الناس والمحلات! هتحبس في آخر عمري؟ البت طلعت حية.. حية وقرصتنا كلنا!
ريهام بصت لها بقهر:
— إنتي السبب ياما! إنتي اللي قولتيلنا مروة دي غلبانة ومالهاش ضهر.. أديكي شوفتي ضهرها عمل فينا إيه! ده أبوها لواء وأخوها مخابرات، وإحنا كنا بنلعب مع المـ,ـوت!
أحمد كان قاعد على الكرسي المتحرك، باصص للفراغ، دموعه بتنزل على حروق وشه وبتحرق جلده أكتر وأكتر. عرف إن خلاص، القطار فات، وإن مروة مش هترجع، والفلوس راحت، والشرف ضاع.
في الناحية الثانية، أمجد علوان قرب من السلك بتاع القفص وبص لأحمد بغل:
— وحياة أمي يا أحمد يا عبد الرحمن.. لو دخلت السجن، لأخلي رجالتني جوه يعلموك الأدب على غبائك..
إنت اللي جرجرتني للمصيبة دي بسبب شقة ومرتاتك!
أحمد مكنش قادر يرد، كان ميت إكلينيكياً من الخوف والندم.
### النطق بالحكم: زلزال في القاعة
بعد ساعتين من الانتظار المرير، رجع المستشار وهيئة المحكمة للمنصة. القاعة بقت هادية لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت هتسمع صوتها. الكل واقف حابس أنفاسه.
رئيس المحكمة عدل نظارته، وفتح المحضر وبدأ يقرا بحسم:
> **”حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**
> **أولاً: بمعاقبة المتهم أحمد عبد الرحمن بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، وتغريمه مليوني جنيه عن تهم التعذيب والاحتجاز والاشتراك في تهريب أجهزة طبية مغشوشة.**
> **ثانياً:
بمعاقبة المتهمة دولت مصطفى بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات عن تهم التحريض والاشتراك في الاحتـ,ـجاز والتعـ,ـذيب والسـ,ـرقة بالإكـ,ـراه.**
> **ثالثاً: بمعاقبة المتهمة ريهام عبد الرحمن بالسجن لمدة 3 سنوات مع الشغل والنفاد.**
> **رابعاً: بمعاقبة المتهم أمجد علوان بالسجن المؤبد 25 سنة وغرامة 10 ملايين جنيه ومصادرة جميع أمواله وحساباته.”**
>
صراخ وعويل وعياط انفجر في القفص. الحاجة دولت وقعت من طولها وأغمى عليها، وريهام بدأت تصرخ بهستيريا والحراس بيسحبوهم على جوه، وأحمد دفن وشه في إيديه وهو بيبكي بكاء مرير، وعربات الترحيلات مستنياهم بره عشان تنقلهم لعالم تاني.. عالم الظلمات ورا الأسوار.
### خروج الملكة
مروة قامت وقفت براحة، وبصت لأبوها اللواء محمود وأخوها كريم وابتسمت ابتسامة صافية ولأول مرة تحس إن الحمل اللي على كتافها انزاح تماماً. حقها رجع، وكرامتها اللي حاولوا يدوسوا عليها تحت الشمس رجعت ورفعت راسها ألعى من السما.
خرجت مروة من قاعة المحكمة وهي سانة على إيد أبوها، والصحفيين فلاشات كاميراتهم بتنور حواليها. وهي نازلة على سلم المحكمة، بصت للسما وخدت نفس طويل من الهوا النضيف، وقالت في سرها:
— “الظلم ليله قصير.. واليوم اللي وقفت فيه تحت الشمس مربوطة، كان السبب عشان النور يظهر وكل الأقنعة تقع.”
لكن وسط الفرحة والنصر ده، كريم أخوها قرب منها وهمس في ودنها بنبرة قلبت كيانها تاني وخلى ابتسامتها تتجمد:
— مروة.. الحكاية لسه مقفلتش رسمي.. المحامي بتاع أمجد علوان قدم مستند خطير حالا للنيابة، المستند ده يثبت إن الشقة بتاعة الشيخ زايد.. فيه حد تاني شريك معاكي في ملكيتها من ورا ضهرك، والحد ده يبقى.. طليق ريهام اللي إحنا حبسناه!
مروة بصت لكريم بصدمة وذهول.. مين اللي بيلعب من ورا الستار تاني؟ وفصل إيه اللي لسه هيتفتح في حياتها؟…!!!!
## الفصل السادس والأخير: خيوط الفجر والعدالة
الكلمة اللي قالها كريم نزلت على مروة زي المية الساقعة.
بصتله وعينيها بتتحرك بصدمة، مكنتش قادرة تستوعب. طليق ريهام؟ “حسام”؟! الشاب الغلبان اللي أحمد وأمه استقووا عليه ومضوه على شيكات عشان ياخدوا محله؟ إزاي يكون شريك معاها في شقة الشيخ زايد اللي هي شرياها بفلوس شقاها وتعبها قبل ما تعرف عيلة أحمد أصلاً؟
اللواء محمود شاف نظرة الصدمة في عين بنته، حط إيده على كتفها وبص لكريم بصرامة وقوة:
— مستند إيه وطليق ريهام إيه يا كريم؟ إحنا لسه خارجين من قاعة المحكمة ومنتصرين، مين ده اللي عايز يفتح سيرة تانية؟
كريم شاور ليهم يمشوا ناحية العربية بعيد عن دوشة الصحفيين:
— يا بابا، المحامي بتاع أمجد علوان طلع حوت، وقبل ما يمشوا بأمجد على السجن، قدم طلب عاجل للنيابة لإعادة فحص أوراق ملكية الشقة. حسام طليق ريهام، مكنش غلبان ولا حاجة، ده طلع هو “المهندس” اللي كان بيبني العمارة دي من خمس سنين، ولما مروة اشترت الشقة، عقد البيع الابتدائي كان فيه بند خفي وتوقيع ثلاثي.. حسام بايع ومروة مشتري، وفي طرف ثالث كان واخد توكيل بإدارة العقار.. وهو أمجد علوان!