بلعت ريقي بالعافية وقلت بصوت هادي، زي الميت: * “صباح النور يا إبراهيم.” * “إيه يا حبيبتي، صحيتي؟ صوتك مالك كده؟ متغير ليه؟ إنتي تعبانه؟” سؤال النفاق ده خرج منه بمنتهى السهولة.. “صوتك مالك؟”! قلت له وأنا بأكد على كل كلمة: * “لا.. مفيش. بس ما نمتش كويس إمبارح.. أصل الجو كان مكتوم شوية.” سكت ثانية، وقال بضحكته المعتادة: * “معلش يا حبيبتي.. هانت خلاص، أيام وتكوني معايا هنا وفي حضني والتعب ده كله يروح. عملتي إيه؟ نازلة القنصلية النهاردة؟”
في اللحظة دي، كان قدامي طريقين: إما أصرخ في وشه، أقوله أنت خاين ومنافق، وأسمعه الصوت اللي سمعته إمبارح وأقفل السكة وأطلب الطلاق.. أو ألبس القناع، وألعب الملعوبة اللي لازم تتلعب عشان أعرف الحقيقة كاملة ومضيعش حقي. لو صرخت دلوقتي، هيقفل عليا، هيغير أرقامه، هيتحامى في غربته، وأنا هفضل هنا في مصر مضحوك عليا، مكسورة، ومحدش هيصدقني أو يقف معايا من غير دليل قاطع. أنا لازم أروح له! لازم أحط رجلي في بيته بره، وأشوف الست دي بوشي، وأعرف كل حاجة بنفسي!
غيرت نبرة صوتي فوراً، وخليت فيها شوية لهفة مزيفة: * “أه طبعاً يا إبراهيم.. أنا قائمة أهو ألبس عشان ألحق الدور في القنصلية. خلاص فاضل البصمة والفيزا تتختم، ومش فاضل غير أسبوع وتكون الشنطة مقفولة وأنا عندك.” سمعت تنهيدة منه.. تنهيدة مش عارفة كانت راحة ولا توتر: * “ربنا يوفقك يا سمر.. خلصي وكلميني أول ما تخرجي. وتخففي على نفسك يا حبيبتي متضغطيش على روحك.” * “حاضر يا إبراهيم.. مع السلامة.” قفلت المكالمة.. وقفت قدام المراية. بصيت لوشي.. كان شاحب، وتحت عيني سواد، بس عيني نفسها كان فيها شرار غريب. الخوف والتعب اللي كانوا فيا إمبارح تحولوا لجمود.
نزلت الشارع.. مشيت وسط الناس وأنا مش حاسة بالزحمة ولا بالحر. دخلت القنصلية، وقفت في الطابور، قدمت الأوراق، بصمت، واستلمت الميعاد النهائي لاستلام الباسبور بالفيزا. كل خطوة كنت بعملها، كنت بحس إنها خطوة نحو كشف المستور. بعد أسبوعين كاملين.. أسبوعين كنت بعيش فيهم تمثيلية مرعبة. بكلمه كل يوم، أضحك معاه، أطمنه على الشنط، أسمعه كلام الحب المزيف وهو يرد بنفس الحب المزيف.. وأنا في داخلي بغلي، كل كلمة حلوة كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار.
جاء يوم السفر. أمي وإخواتي كانوا معايا في المطارات، يزغرطوا ويبكوا من الفرحة: “مبروك يا سمر.. ربنا يسعدك يا بنتي مع جوزك ويجبر بخاطركم”. كنت ببص لهم وأنا ببتسم ابتسامة باهتة.. لو يعرفوا أنا مسافرة لإيه! أنا مش مسافرة لبيت الزوجية.. أنا مسافرة لمواجهة
ركبت الطيارة.. الطيارة أعلنت الإقلاع. بصيت من الشباك على مصر وهي بتبعد تحت الغيم.. وحسيت إن حياتي القديمة هي اللي بتبعد، وإن اللي جاي مش معروف. بعد أربع ساعات طيران.. وصلت المطار بره.
خلصت إجراءات الجوازات، أخدت الشنط، وخرجت للممر الخارجي. من بعيد.. شفته! كان واقف مستني، لابس القميص الكحلي اللي بحبه، وبيدور بوشه بين المسافرين بلهفة. أول ما شافني، وشه ينور ورفع إيده يلوح لي. مشيت ناحيته ببطء.. خطوة.. ورا خطوة.. الشنط تقيلة في إيدي، بس ثقل قلبي كان أتقل بكتير. أول ما قربت منه، فتح دراعاته عشان يحضنني: * “سمر! الحمد لله على السلامة يا حبيبتي.. نورتي الدنيا!” وقف في مكاني.. أخدت خطوة لورا بسيطة وتفاديت الحضن، ومسكت إيده ببرود:
* “الله يسلمك يا إبراهيم.. الحمد لله على الوصول.” بص لي بستغراب، وشه اتغير شوية من جفاء رد فعلي: * “مالك يا سمر؟ تعبانة من السفر ولا إيه؟” * “تعبانة شوية.. يلا بينا على الشقة.” أخد الشنط مني، ومشينا ناحية العربية. طول الطريق في العربية، كان بيحاول يفتح كلام.. يكلمني عن الشقة، عن الشغل، عن الأيام اللي جاية.. وأنا ردودي كانت كلمة وبتغطاها سكتة. وصلنا العمارة.. عمارة فخمة في حي هادي. أخد الأسانسير وطلعنا الدور الثالث. وقف قدام الباب، طلع المفتاح من جيبه، وقال بابتسامة:
* “اتفضلي يا سمر.. بيتك ومطرحك.” دخلت الشقة.. المكان كان هادي، الإضاءة خافتة، وريحة بخور هادية مالية المكان. أول ما حط الشنط في الصالة، وقفت في نص الشقة، وبصيت حواليا. كان فيه جزامة صغيرة جنب الباب.. وعلى الجزامة، كان فيه جزمة حريمي أنيقة جداً لونها أحمر، وشال حريمي مرمي بإهمال على الكنبة في الصالة! إبراهيم لاحظ عيني وهي بتبص على الشال والجزمة.. وشه اتخطف بسرعة، واندس التوتر في ملامحه، وقال بارتباك واضح: * “أه.. ده.. ده شال بتاع مدام الجيران كانت هنا إمبارح بتساعدني أنضف عشان استقبالك ونسيته!”
لفيت وشي ليه ببطء.. حطيت شنطة إيدي على الترابيزة، وبصيت في عينيه بثبات مرعب، وقلت له بصوت واطي وواضح: * “ومدام الجيران دي يا إبراهيم.. هي اللي قالتلك إمبارح إني لما أجي هنسى وجودها، وأن لها فيك حق زي ما ليا بالظبط؟” البيت كله دخل في صمت قاتل.. وجه إبراهيم تحول للون الأبيض تماماً، وشفايفه بدأت اترعش وهو يبص لي ومش قادر ينطق بحرف واحد! الجزء الثالث
كانت اللحظة زي اللي نزلت قطعت صمت الشقة. كلمة واحدة من سؤالي كانت كفيلة إنها تطير الألوان كلها من وش إبراهيم. عينيه اتسعت على الآخر، وبدأ يحرك شفايفه من غير ما يطلع منها صوت مفيد، كأنه واحد أكل مفاجأة على دماغه وشلّت تفكيره. السكوت فضّل يخنق المكان لثواني طويلة، ريحة البخور اللي كانت مالية الصالة تحولت في نظري لريحة ومكيدة متحبكة بعناية. * “إنتي.. إنتي بتقولي إيه يا سمر؟” خرجت منه الكلمة متقطعة، ومصحوبة بضحكة صفرا مهزوزة يحاول يداري بيها :
* “إنتي أكيد تهزي.. أو تعبانة من السفر والطيران ومخك مأثر عليكِ!” خطوت ناحيته خطوة واحدة، وعيني ثابته في عينيه من غير ما أرمش. كنت حاسة ببرود غريب بيسري في جسمي، البرود اللي بييجي بعد ما الأولى تخلص وتبدأ مرحلة المواجهة:
* “مخك مأثر عليك؟ السكربت ده أقدم من إني أصدقه يا إبراهيم. من أسبوعين.. المكالمة اللي قفلتها معايا وقلت لي إنك راجع هادد حيلك وطالع تنام. نسيت تقفل الخط.. التايمر فضل شغال ربع ساعة كاملة. سمعت كل كلمة.. سمعت خطواتها، سمعت نبرة صوتها وهي بتقولك ‘الهانم بتاعتك لما تيجي هتنصاني.. أنا ليا فيك حق زي ما ليها’، وسمعت ردك أنت.. صوته اللي كان أبرد من التلج وأنت بتقولها ‘طبعاً يا حبيبتي، إنتي مراتي ومفيش حد ياخد مكانك’.”
إبراهيم رجع خطوة لورا، سسند على ضهر الكنبة وكأن رجله مش شايلاه. النظرة المرتبكة اللي في عينيه تحولت لخوف صريح. ان كشف.. القناع المترتب والوش الحنون اللي كان بيلبسه في المكالمات اتخلع في ثانية. * “سمر.. اهدي بس واستعذي بالله.. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة..” صرخت فيه لأول مرة، صرخة خرجت من وسط صدري هزت جدران الصالة:
* “أومال إيه؟! فهميييي! فهم المضمونة اللي جاية بلاد الناس فاكرة إنها رايحة لجوزها وحبيبها لتكتشف إنه مستنيها بضرة وشال حريمي وجزمة مرمية على باب الشقة؟! مين دي يا إبراهيم؟ تتجوز عليا؟ أنا اللي بقالي سنتين شايلة بيتك وأهلك ومستحملة نظرات الناس وصابرة على القعدة لوحدي؟ تتجوز عليا وأنت غربتك كلها كانت بفلوسي وصبري؟” قعد على الكنبة وحط إيديه الاثنين على وشه، يفركهم بقوة. الصوت الهادي اللي كان بيسحرني بيه في التليفون اختفى، وحل مكانه صوت واحد مكسور ومزنوق في زاوية:
* “أنا اتزنقت يا سمر.. والله العظيم اتزنقت وما كنتش عامل حسابي إن الأمور تتطور كده!” * “اتزنقت؟!” قلتها بسخرية مريرة وأنا بضحك بصوت طالع بالعافية من وسطه وجع: * “يعني إيه اتزنقت؟ هي الخيانة بقت زنقة؟ اتجوزتها ليه ومن إمتى؟ ورقة عرفي ولا رسمي؟ مين هي؟!” رفع وشه ليا، وعينيه كان فيها مزيج من التوسل والارتباك:
* “هي.. هي زميلتي هنا في الشغل. اسمها نيفين.. مصريّة ومقيمة هنا من زمان. من سنتين، لما جيت هنا وكنت لوحدي ومش عارف أتأقلم، كانت هي الوحيدة اللي جمبي. ساعدتني في شغل، ووقفت معايا في الإجراءات، ولما جالي التعب الشديد السنة اللي فاتت ودخلت المستشفى، هي اللي شالتني وكانت بتسهر معايا..”