وصلت البيت اللي ورثته عن امي

تخيل إن أُمك تعدّي نص عمرها واقفة على حيلها في مطبخ مطعمها الصغير، تعرق وتتعب عشان تسيبلك في الآخر لقمة حلال وبيت يطمنك ويسترك، وبعد ما تدفنيها بسة شهور، تروحي تفتحي باب بيتها، تلاقي حماتك واقفة جوة بتختار الأوضة الماستر، وجوزك نازل تقسيم في الأوض على إخواته وكأنك موتي واندفنتي معاها! ال قصة مش مجرد حكاية ورث، دي شرارة وولعت في العيلة كلها.. تعالي وشوفي اللي حصل في الجزء الأول! «مين إداكم الحق تقسموا بيتي وتوزعوا أوضه وكأني مش موجودة أساساً؟»

صوتي خرج هادي.. هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن البواب العجوز اللي واقف على البوابة وطّى عينه في الأرض وما قدرش يحط عينه في عيني. أنا اسمي ندى، عندي 34 سنة، وممرضة في مستشفى حكيم. ومن ست شهور بس، دفنت أمي الحجة فاطمة، الست الطيبة اللي قضت نص عمرها واقفة على رجليها في مطعم الفول والطعمية الصغير بتاعها في وسط البلد، عشان تسيبلي في الآخر حاجة تسندني وأعيش بيها مستورة. أمي ما سابتليش قرشين في البنك وبس.. دي سابتلي بيت ورثته عن أبوها، بيت دورين بجنينة صغيرة على أطراف المعادي، وسابتلي وصية عمري في حياتي ما نسيتها ولا هنسى كلماتها:

«يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!» يوم السبت ده.. كان أول يوم أروح أفتح فيه البيت وأنا صاحبته الرسمية الشرعية. المفاتيح الحديد في إيدي بصلابتها، وفي إيدي التانية ملف بيج فيه إعلام الوراثة وعقود الملكية المسجلة في الشهر العقاري، وكنت حاسة في كل خطوة إن روح أمي ماشية جنبي وبتسندني.

كنت فاكرة إن جوزي، طارق، اللي متجوزاه بقالي خمس سنين وشايلة عيبه وصابرة على قلة حيلته، هيمسك إيدي بحنية ويمشي معايا، وهندخل البيت سوا في هدوء.. ويمكن أعيط وأنا بشوف الجنينة والشبابيك اللي أمي الله يرحمها ما لحقتش تفرح بيها ولا تقعد فيها. بس أنا كنت مغفلة وساذجة لأقصى درجة! أول ما وصلت الشارع ونزلت من عربيتي، لقيت تلات عربيات مركونين صف تاني قدام باب البيت بالظبط: عربية حماتي الحاجة صفية، وعربية أخو جوزي الشقي إبراهيم، وعربية أخته المفسدانية شيماء.. وابن شيماء الصغير واقف بيخبط برجليه المبلولة تراب وطين في كاوتش عربيتي القديمة بكل قلة أدب!

أول واحدة جريت عليا وفتحت دراعاتها كانت حماتي صفية.. لابسة عباية شيك ونظارة شمس مغطية نص وشها، وماسكة شنطة جلد زفرة، وبتبتسم الابتسامة الصفرا إياها.. الابتسامة اللي بتحضنك بيها وهي بتحسب في سرها هتاخد منك إيه وتعرّيكي إزاي! قالت بلهفة وشهوتها للبيت باينة في عينيها: – «أخيراً وصلتي يا ندى! هاتي المفاتيح من إيدك يلا بسرعة عشان ندخل ونشوف كل واحد وياخد أنهي أوضة ويستقر!» سحبت إيدي لورا بكل قوة وثبات، وبصيت في عينيها وقُلت ببرود يقطع العرق والدف:

– «أنا اللي هفتح بيتي بنفسي يا خالتي.. والمفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.» تفتكروا طارق وجوزها وحماتها هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن ندى مش الست الطيبة الغلبانة اللي كانوا بيمشوها بكلمة؟ ابتسامتها الصفرا اختفت في ثانية، وهدى أخته ضحكت بسخرية وقالت وهي بتقل بعينيها: – «يا بنتي بلاش دراما بقى وشغل أفلام! إحنا بقينا أهل وعيلة واحدة خلاص.» في اللحظة دي ظهر طارق جوزي من وراهم، وكان مبتسم ووشه ينور كأنه عامل مفاجأة حلوة ومستني حد يشكره عليها!

قال وهو بيمد إيده يربت على كتفي: – «يا حبيبتي جبتهم كلهم مرة واحدة عشان يشوفوا البيت بدال ما ندوخ ونيجي كذا مرة على الفاضي.» ما رديتش عليه.. ولا كلمة.. لسه التلج ساكن في عروقي. مديت إيدي وحطيت المفتاح الحديد في الباب، وفتحت. أول ما باب البيت اتفتح، دخلوا كلهم يجروا كأنهم داخلين أوكازيون ولا سوق الجمعة وكل واحد عايز يلحق النسايب! – «يا نهار أبيض على العز!» إبراهيم أخو جوزي صاح وهو واقف في الصالة وبيصفر:

– «ده بيت بجد مش أي كلام يا طارق! طلعت محظوظ يا ابن المحظوظة!» شياطين هدى أخته رمت نفسها على الكنبة العاجي الشيك اللي أمي كانت جايباها جدبد ، وكانت لسه متغطية بالبلاستيك بتاعها عشان تحافظ عليها.. وابنها الصغير القليل الأدب طلع بكتشيه المليان طين فوق الكنبة وابتدى ينط ويفرك! قلت بحدة وصوت ناشف هز الصالة: – «نزلي الواد ده من فوق الكنبة حالاً!» طارق ضحك ببرود وقال: – «سيبيه يا ندى ده عيل صغير بيلعب، كبري عقلك يا شيخة!»

بصيت له في عينيه.. كان يا إما مش فاهم المصيبة اللي بيعملها، يا إما عاملي فيها هفأ ومكبر دماغه. أما حماتي الحاجة صفية، فما ضيعتش ثانية واحدة! دخلت جراي على الأوضة الماستر الرئيسية، فتحت الدولاب الكبير، ولمست الحيطة بأيديها، وقعدت على المرتبة ونهدت بمنتهى الثقة وقالت: – «الأوضة دي تلزمني وعليها إيدي.. خلاص أنا كبرت ورجليا وجعاني على طلوع ونزول السلم كل شوية!» طارق قال بتمتمة: – «يا ماما دي الأوضة الرئيسية بتاعة البيت..» ارتحت ثانية.. ثانية واحدة بس!

لأنه كمل بكل ندالة: – «بس فوق فيه أوضة حلوة ببلكونة وشمسها جميلة يمكن تعجبك أكتر وتريحك!» حسيت إن الدم اتجمد في عروقي ووقف. طلعت فوق وعيني بتغلي. لقيت إبراهيم أخوه ومراته بيختلفوا بصوت عالي هيحطوا سرير البنات فين! مراته قالت بلؤم: – «الأوضة دي بحري ونورها حلو أوي، البنات هيحبوا يعيشوا هنا ويكبروا فيها.» وقفت في مكاني وقلت بنبرة تقطر سم: – «لما تيجوا تعيشوا هنا؟! هو مين ده اللي هيجي يعيش هنا؟!» ولا حد عبرني ولا حد رد.. لأنهم أصلًا ما كانوش ناويين يستأذنوا ولا حاطين لي أي وزن!

في الجنينة الخلفية، حمايا الحاج فتحي كان واقف بيبص على المساحة الخضرا والأشجار وقال وهو بيمصمص شفايفه: – «حفلات الشوي هنا هتبقى خرافة كل يوم جمعة، العيلة كلها هتيجي تتجمع هنا!» كل حاجة كانت متخططة ومتقسمة بالمليم.. الأوض، الجنينة، الغرف، حتى أيام التجمع والعزايم! الوحيدة اللي محدش حسب حسابها ولا حط لها وزن في البيت ده.. كانت أنا! طارق جه وقف جنبي، وحط إيده على كتفي كأنه بيطبطب عليا وقال:

– «بصي بقى يا ستي، أنا فكرت في كل حاجة عشان نريح الكل.. بابا وماما ياخدوا الأوضة الماستر تحت عشان صحته. وإبراهيم ومراته ياخدوا الأوضتين اللي ورا. وهدى تنزل أوضة الضيوف لما تتخانق مع جوزها وتيجي تقعد عندنا.. وإحنا بقى نحول المكتب الصغير اللي جوة لأوضة نوم لينا!» بصيت له بذهول وعدم تصديق، وقلت بصوت مش طالع: – «المكتب؟! نحول المكتب أوضة لينا في بيت أمي؟!» رد ببرود: – «آه هو صغير شوية، بس إحنا أصلًا بنقضي طول اليوم في الشغل ومش بنقعد في البيت كتير!»

زقيت إيده بعيد عني بكل قوتي وقُلت: – «وإنت أمتى إن شاء الله كنت ناوي تستأذنني أو تسألني عن رأيي في بيتي؟!» وشه اتغير وأحمر، وقال بين سنانه بصوت واطي وشرس: – «ندى بلاش تعملي مشاكل وتفضحينا قدام أهلي!» وفجأة.. البيت كله سكت! حماتي خرجت من الأوضة وهي شايلة بطانية من بتوع أمي، وإبراهيم نزل من فوق، وهدى بطلت ضحك. كلهم بصوا عليا بصه واحدة.. كأني أنا الغريبة والدخيلة في بيت أمي! طارق قال بعصبية ونرفزة:

– «مالك يا ندى؟ هتحرجيني قدام أهلي وتقللي مني؟!» في اللحظة دي.. كل حاجة وضحت قدامي زي الشمس. بصيت لحماتي.. وبعدين لإبراهيم.. وبعدين للولد اللي نازل نط على الكنبة اللي أمي طفحت الدم عشان تجيبها وتسترني.. وأخيراً، بصيت لجوزي. وقلت بصوت هادي كأنه س\كين: – «اللي بيعمل فضيحة هنا مش أنا يا طارق.. الفضيحة إنكم داخلين بيت مش بتاعكم وبتقسموه كأنه غنيمة حرب طالعة لكم!» حماتي فتحت بقها وشهقت: – «مش بتاعنا؟! ده بيت ابني وحلاله!»

هدى قالت وهي مكتفة إيديها وبتلوي بؤها: – «إيه الأنانية والغل ده؟ بيت بالحجم ده لناس اتنين بس؟!» إبراهيم ضحك باستهزاء وقالي: – «أخويا عرف يختار المرة دي واحدة ورثت ورث صح!» فجأة.. طارق مسك دراعي بعنف وجذبني ناحيته وقال بغضب: – «كفاية بقى قلة أدب! لمي الملف اللي في إيدك ده، واتصرفي بعقل وبلاش جنان!» بصيت على إيده وهي معلمة في دراعي بعنف.. ورفعت عيني في عينه بثبات يهد جبال، وقُلت: – «سيب إيدي.»

ما سابهاش وحاول يضغط أكتر.. فقلت بصوت أوطى.. وأخطر بكثير: – «قلت لك.. سيب إيدي.» لأول مرة في حياته.. شاف في عيني حاجة خاف منها، وساب إيدي فوراً وترجع خطوة. فتحت شنطتي بهدوء ثلجي، وطلعت الملف البيج اللي كنت ماضية عليه الصبح في مكتب المحامي الأستاذ عادل. أول ما حماتي شافت الملف، ابتسامتها اختفت تماماً.. وطارق وشه بقى أبيض زي القماش الميت، لأنه عرف الختم الرسمي النسر اللي عليه، وعرف إن الملف ده مش مجرد إعلام وراثة وعقد ملكية.. أمي، حتى بعد ما ماتت وراحت لربها، كانت سايبة آخر ورقة لحمايتي وكسر عين كل طماع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0