بعد و.فاة جوزى اتجوزت

انتشر السكون في الشقة، سكون ثقيل يخنق الأنفاس. الساعة قاطعت منتصف الليل بكتكتة منتظمة، والبيت كله متغطي في الضلمة، إلا من ضوء الشارع الضعيف اللي داخل من بين فتحات الشيش. شهد كانت قاعدة على أرضية المطبخ واستخبّت جوة، ضامة ركبها ومغمضة عينيها بتدعي بالسلامة، وأنا واقفة في الطرقة الضلمة، حسة بضـ,ـربات قلبي كأنها طبول حرب بتدق في صدري. ورا ستارة الصالون وفي أوضة الأطفال، كان ضابط المباحث مع اثنين من رجال الشرطة بالزي المدني مستخبيين في صمت تام، بعد ما أمنوا المداخل والمخارج وضبطوا خطة التلبس بناءً على الرسالة الأخيرة اللي جتنا. الساعة جابت 1:30 الفجر.

فجأة، سمعت صوت حركة خفيفة جداً برة الباب.. صوت آلة معدنية بتتحرك في الكالون براحة شديدة، محاولة من طارق إنه يفتح الباب بالمفتاح القديم اللي كان محتفظ بنسخة منه. الكالون عصلج معاه لأننا كنا مغيرين القلب، فسمعت نفس مكتوم وشتمية واطية بحقد. بعدها بثواني، الخبط بدأ.. خبطات مكتومة بس متوالية، وبعدها صوت طارق جاي من شق الباب، صوت مجنون ملوش علاقة بأي عقل أو رزانة: * “افتحي يا ياسمين.. أنا عارف إنك جوة، افتحي بدل ما أهدم الباب على دماغكم أنتي والبنت!
النهاردة مفيش بوليس ومفيش محامين هيحموا من إيدي!”

ما رديتش، ووقفت في نص الصالة متسمرة، التلفون في إيدي شغال وبيسجل كل كلمة. طارق زاد جنونه، وبدأ يضـ,ـرب الباب بكتفه بقوة هزت الحيطة. ضـ,ـربة.. في الثانية.. في الثالثة، لحد ما أكرة الباب الاتكسرت والباب اتفتح بعنف ورزع في الحيطة! دخل طارق الصالة، وشه كان شاحب وعينيه زاغين كأنه مش في وعيه، ومسك في إيده مطواة قرن غزال مفتوحة وبتلمع في الضلمة، وجنبه كيس بلاستيك أسود كبير. صرخ وهو بيلتفت في الصالة: * “فين البت؟ فين شهد؟ تعالوا هنا النهاردة هحرق قلبك عليها وأخليكي تلفي حولين نفسك طول العمر!” قربت خطوتين بثبات، ووقفت قدامه بوضوح وقولت بصوت حاسم هز الشقة:

* “أنت دخلت رجلك بنفسك لقبرك يا طارق!” رفع المطواة فوق وعينيه المليانة بشر أخدت خطوة سريعة ناحيتي: “ودين الله ما هسيبك عايشة!” في اللحظة دي بالظبط، الضوء اتفتح فجأة في الصالة كلها، والضابط ورجال الشرطة خرجوا من الأماكن اللي مستخبيين فيها كالصاعقة! * “اثبت مكانك يا طارق! ارمي السـ,ـلاح من إيدك فوراً!” طارق اتخض اتخضاض مرعب،

الرعب شل حركته لما شاف رجال البوليس والمسـ,ـدسات الموجهة لرأسه. المطـ,ـواة وقعت من إيده على الأرض ورزعت على السيراميك. حاول يلف ويهرب ناحية الباب المفتوح، بس الضابط كان أسرع منه؛ هجم عليه وثبته على الأرض، ورجال الشرطة كبلوا إيديه بالكلابشات من الضهر. كان بيلهث وبيصرخ بانهيار وهو المرمي على الأرض: * “والله مظلوم! هي اللي استدرجتني! هي اللي بعتتلي عشان نصلح الموضوع!” الضابط وطى على الأرض ومسك الكيس الأسود اللي كان طارق جايبه معاه، وفتحه قدام الجميع.. كان جوة الكيس زجاجة بنزين وسلسلة حديد وقفل! كان جاي ناوي يحبسنا جوة الشقة ويولع فينا عشان يداري على جرائمه كلياً!

الضابط بص لطارق بقرف وقاله: * “تلبس كامل.. اقتحام، تهديد بالسـ,ـلاح، ومحاولة قـ,ـتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. غير بلاغات الابتـ,ـزاز والتزويـ,ـر واستغلال القاصر اللي في النيابة. كده مشوارك انتهى تماماً يا طارق.” خرجوا بيه مكبل ومكسور من الباب، والجيران كلهم كانوا واقفين على السلم وشايفينه وهو بيتسحب زي الكلب المذعور، والكلابشات في إيديه وزجاجة البنزين والمطواة مرفوعين كأدلة جريمة. وسامعين صرخاته المتوسلة وهو بيتساق لسيارة البوليس.
/> خرجت شهد من المطبخ وهي بتبكي، بس المرة دي دموع ارتياح. جرت عليا واترمت في حضني بكل قوتها، وقالت بصوت خافق: * “خلاص يا ماما؟ الكابوس ده خلص؟”

حضـ,ـنتها بقوة، ودموعي نزلت لأول مرة من أسبوعين.. دموع الخوف اللي حبستها والقوة اللي اصطنعتها عشان أحمي بيتي وبنتي. * “خلص يا شهد.. خلص والأبد. المريض ده مش هيشوف الشمس تاني.” مرت الأشهر.. وفي المحكمة، التقرير الجنائي وتقرير الخبراء أثبتوا تزوير إيصال الأمانة، وتفريغ الفيديو والمذكرات والتسجيلات وشهادة الجيران وتلبسه في الشقة، كانت كفيلة بصدور حكم رادع من القاضي بـ السجن المشدد 15 سنة لطارق، مع تجريده من كافة حقوقه المدنية وتغريمه مبالغ طائلة كتعويض. البيت رجع له الهدوء والسكينة اللي اتسـ,ـرقوا منه. شهد كبرت، وعيت، وبقت أقرب ليا من أي وقت فات..

أدركت قيمة الأم والبيت السليم، وتجاوزت الصدمة بمساعدتي ومساندتي ليها، ورجعت لدراستها ورأسها مرفوعة. وأنا؟ اتعلمت إن الستر مش معناه إننا نسكت على الحقارة أو الخطر عشان كلام الناس، الستر الحقيقي هو إنك تكوني الجدار الصلب اللي يحمي ولادك، وتواجهي الذئاب مهما كان القناع اللي لابسينه. تمت بحمد الله.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
52