.
قعد محمود في الأرض، نفس القعدة اللي أنا قعدتها لما شفت صوره معاها، بس الفرق إن هو كان بيبكي على “الفلوس والورث الضايع”، وأنا كنت ببكي على “كرامتي”.
بص لي وهو مكسور، وحاول يزحف ناحيتي:
“سحر.. أنا اتخميت فيها، الشيطان ضحك عليا.. إنتي الأصل، إنتي اللي شيلتي وصنتي، أنا هقطع علاقتي بيها، وهنبدأ من جديد، بس رجعي الفلوس عشان نسدد ديون الشقة..”
قربت منه، وطيت لمستواه، وقولتله بصوت هادي زي الموت:
“إنت قولت إن الشغل والبهدلة لايقين عليا، صح؟ وأنا النهاردة قررت أثبتلك إنهم فعلاً لايقين عليا، لأني (اشتغلتك) صح، وبهدلت صورتك قدام نفسي للأبد..
الشقة دي ليا فيها النص، والنص التاني المحامي رفع عليه قضية حجر وتحفظ بفلوس التحويلات اللي كنت بتسرقها مني.”
وقفت وفتحت باب الشقة على آخره:
“اخرج يا محمود.. اخرج روح للبرنسيسة بتاعتك، يمكن تلاقي مكان جنبها على الرصيف لما يطردوها بكرة.. أنا مش ربنا خلقني عشان أعافر، أنا ربنا خلقني عشان (أكسر) اللي يفكر يدوس عليا.”
محمود خرج وهو بيجر أذيال الخيبة..
محمود بص للباب المفتوح ولبرا بذهول، كأنه مش مصدق إن “سحر” الضعيفة هي اللي بتطرده. قام وقف وحاول يستجمع بقايا جبروته: “ماشي يا سحر..
هخرج، بس افتكري إنك إنتي اللي اخترتي، ووردة بكرة ورثها يخلص وهتيجي تبوسي رجلي عشان أرجعلك.”
بصيت له بسخرية وقولتله: “ورثها؟ طيب استنى أوريك آخر “مفاجأة” في ورث البرنسيسة.”
مسكت الموبايل وفتحت “جروب المنطقة” على الفيسبوك، ووريتله بوست لسه نازل من عشر دقايق، نزلته واحدة من جيران وردة القدام.. البوست كان فيه صور لوصلات أمانة وصورة لوردة وهي مكلبشة وبوليس المحضر واقف قدام بابها.
“وردة دلوقتي في البوكس يا محمود.. أهل جوزها مكنوش مستنيين ورث، دول كانوا مستنيين يجمعوا عليها كل الوصلات اللي كانت بتمضيها عشان “تتدلع” وتعمل هانم..
الـ 7000 جنيه بتوعك كانوا مجرد (مُسكن) للديانة، وأول ما الفلوس وقفت، الديانة أكلوا وشها.”
محمود وقع منه مفتاح الشقة، وشه بقى أبيض زي الورق، لدرجة إني خفت يجراله حاجة في بيتي ويدخلني في سين وجيم. “يعني.. يعني كل اللي دفعته راح؟ الشقة اللي وعدتني نكتبها باسمنا؟ الذهب اللي قولتيلي إنك بتشيليه أمانة؟”
ضحكت بصوت عالي: “الذهب ده يا حبيبي كان مبيوع من قبل ما تعرفه، كانت بتلبسك (فالصو) وتفهمك إنه ألماس وذهب أبيض.. إنت انضحك عليك في كل حاجة، من أول مشاعرك لحد قرشك.”
قربت منه وزقيته ناحية الباب بقوة مكنتش أعرف إنها عندي:
“اخرج يا محمود.. اخرج روح الحقها في القسم، يمكن تلاقي محامي “غلبان” زيك يرضى يدافع عنها بمليمين.. أنا هنا خلاص، “الوقود” اللي كان بيحرق نفسه انطفى، والرماد اللي فاضل هيعمي عينيك لو فكرت تقرب من الباب ده تاني.”
خرج محمود وهو بيترنح، كأنه كبر 20 سنة في لحظة. أول ما قفلت الباب وراه، سندت ضهري عليه ونزلت على الأرض.. بس المرة دي مكنتش ببكي قهر. كنت بتنفس، بتنفس هواء نضيف لأول مرة من سنين.
بصيت لإيدي الخشنة، وبستها.. “حقك عليا يا إيدي، وحقك عليا يا ضهري، وحقك عليا يا سحر.”
النهاية مكنتش مجرد طلاق، كانت “ولادة”.
تاني يوم، رحت الشغل، وزميلي في المكتب قالي: “مالك يا سحر؟ وشك نور النهاردة، كأنك كنتي شايلة جبل ونزلتيه.”
ابتسمت وقولتله: “فعلاً يا أستاذ علي.. نزلت الجبل، وقررت أطلع مكانه، بس المرة دي لوحدي، ومن غير ما أشيل حد فوق كتافي.”
مرت سنتين.. السنتين دول مكنوش مجرد وقت بيعدي، دول كانوا عملية “ترميم” لروح اتهدت بالكامل. سحر مكنتش بتصلح اللي انكسر، دي كانت بتبني “سحر” جديدة، واحدة عارفة قيمة كل عرق بينزل من جبينها، وعارفة إن كرامتها أغلى من أي “سي سيد” في الدنيا.
في يوم ربيعي هادي، كنت واقفة قدام المراية، بس المرة دي مش بشوف وش شاحب ولا هدوم دبلانة. كنت لابسة فستان بسيط بلون السما، وعينيا فيها لمعة مكنتش موجودة حتى يوم فرحي الأولاني.
دخل “خالد” الأوضة، بص لي وابتسم ابتسامة صافية، الابتسامة اللي خلتني أصدق تاني إن فيه رجالة بجد. خالد مكنش مستني مني أشيل الشيلة بداله، ولا كان مستني “ماكينة فلوس”. كان دايماً يقولي: “شغلك ده نجاحك إنتي، ومصروف البيت ده واجبي أنا.. أنا متجوز ست، مش شريكة في جمعية.”
مسك إيدي، وباسها بكل احترام، مش زي بوسة محمود اللي كانت كلها نفاق وتمثيل.
“جاهزة يا سحر؟
المعرض بتاعك هيبدأ كمان ساعة، والكل مستني يشوف إبداعك.”
أيوة، سحر “الشغالة” اللي كانت بتصرف على خيانة جوزها، بقت صاحبة مشروع صغير للمشغولات اليدوية اللي كانت بتعملها وهي مخبية عن محمود عشان ميستولاش على فلوسها.
في اللحظة دي، افتكرت “محمود”.
جالي خبر من شهر إنه لسه بيجري في المحاكم، وردة “البرنسيسة” طلعت متجوزة عرفي من واحد تاني أصلاً قبل ما هو يلبس في حيطة ديونها، وهو دلوقتي عايش في أوضة وصالة بالإيجار، وصحته ضاعت من كتر التفكير في الفلوس اللي راحت “أونطة”.
بصيت لخالد وقولتله: “جاهزة يا حبيبي..
جاهزة ومنورة كمان.”
خرجنا من البيت، وأنا حاسة إن الأرض شيلاني، مش أنا اللي شايلاها. بصيت للسما وقولت في سري: “شكراً يا رب إنك كشفتلي الحقيقة في وقتها، وشكراً إنك عوضتني باللي يقدر (الذهب) اللي جوايا، مش اللي يسرق (الذهب) اللي في إيديا.”
سحر النهاردة مش وقود بيحرق نفسه.. سحر بقت هي (النور) اللي بينور حياتها وحياة اللي يقدرها.
تمت
تمت بقلم امانى سيد