كدب عشان تقومها علينا.. هو أنتي يا عمتو ليه بتقلبي تيتة على ماما؟”
درّبت العيال ساعتين، تحول الموضوع بالنسبة لهم للعبة مسلية جداً، وحفظوا الأدوار كأنهم داخلين مسرحية! العيال أذكياء، ولما يحسوا إن الأب والأم متفقين معاهم (أو الأم بتحميهم) بيلعبوا الصح.
ساعة الصفر!
الساعة جاءت 12 الظهر. الباب خبط بقوة وبرعونة.. طبعاً دي دخلة “أماني”.
فتحت الباب بابتسامة عريضة جداً أوسع من بوابة النادي! وقبل ما تتكلم، قلت لها بنبرة كلها ترحيب مبالغ فيه: “أهلاً أهلاً يا أماني! اتفضلي يا حبيبتي، البيت بيتك زي ما أخوكي قال بالضبط!
ده أنتي تنوري في أي وقت!”
أماني وقفت على الباب مذهولة، كانت جبل من الكبرياء والشرار طالع من عينيها، جيا تسد دين الخناقة وتعمل الشو بتاعها، فتفاجأت بدخلتي دي. دخلت وهي بتلوف بوزها وبتقول بصلف: “كويس إنك عرفتي غلطك، أخويا اتصل بيا ومسح بيكِ الأرض وقال لي البيت بيتك!”
ابتسمت ببرود وقلت لها: “طبعاً يا حبيبتي، أدخل أعملك أحلى كاسة عصير مانجة تحبيها!”
دخلت المطبخ وشغلت مسجل الموبايل وحطيتها تحت المفرش بتاع التربيزة
في الصالة، وسبتها مع العيال.
وقفت ورا الباب أراقب وأسجل كل حرف!
أماني قعدت، وطلعت من شنطتها كيس شيبسي وشوكولاتة صغيرة، وقالت للعيال بنبرة الخبث إياها: “تعالوا يا شطار.. قولولي بقى، ماما قالت إيه لبابا لما روح البارح؟ وبابا زعلها وأخد حق عمتو ولا لأ؟”
هنا بدأ العرض الشيطاني البديع!
ياسين الكبير قرب منها، وأخد الشيبسي من إيدها بكل حوداة، وقالها ببرود طفل فاهم:
“ماما مقالتش حاجة يا عمتو، بس بابا قال لماما إنك مسكينة وطيبة بس لسانك هو اللي خرب بيتك وخلاكي تطلقي، وقالها معلش استحمليها دي أختي الكبيرة وملهاش حد!”
أماني عينها برقت والصدمة لجمتها! وقبل ما تستوعب، جرت مريم وقعدت جنبه وقالت لها ببراءة قاتلة: “اه يا عمتو! وماما كانت بتدعي لك بالهدية، وقالت لنا لما عمتو تسألكم بابا وماما بيعملوا إيه في الأوضة، قولولها بيصلوا عشان ربنا يرزقها بزوج صالح يشغلها عن أسرار الناس!”
أماني وشها جاب ألوان! أحمر في أصفر في أزرق.. وقفت على حيلها وقالت بصوت مهزوم ومصفي: “أنتم.. أنتم مين اللي علمكم الكلام ده؟!
أنتم بتقلوا أدبكم عليّ؟!”
طلع نور التوأم التاني وقالها بابتسامة: “لا يا عمتو دي لعبة! ماما قالت لنا أنتي بيلعبي معانا لعبة الأسئلة، وإحنا بنلعب معاكي! طب قوليلي يا عمتو.. هو أنتي ليه لما بتمشي من عندنا بتروحي لتيته وتقوليلها ماما مابتأكلناش؟ هو أنتي بتحبي الكدب؟”
أماني كانت هتتجنن! العيال بيتكلموا بمنتهى البراءة، وبنبرة عادية جداً كأنهم بيلعبوا، والكلام كان ينزل على قلبها زي السياط!
خرجت أنا في اللحظة دي من المطبخ، ماسكة صينية العصير، وبصيت لها بذهول مصنع وقلت: “إيه ده يا أماني؟ مالك واقفة كده ليه وشك أصفر؟ العيال زعلوا منك ولا إيه؟”
أماني صرخت فيا وهي بترتعش من الغيظ:
“أنتِ محفظة العيال الكلام ده! أنتي بتقللي مني قدام الأطفال؟ بتعلميهم يقلوا أدبهم على عمتهم؟!”
رديت عليها بمنتهى الهدوء والبرود اللي يفرتك الأعصاب، وأنا باخد العصير وأشرب منه بقسوة: “أنا يا أماني؟ حاشا لله! أنا مش محفظاهم حاجة، العيال أذكياء وبيشوفوا وبيسمعوا.. مش أنتِ اللي قايلة البارح إنهم أطفال وبنتسلى معاهم ومفيش أسرار؟ أديهم بيلعبوا معاكي وبيسألوكي تسلية! ولا هو الحلال
ليكي والحرام عليهم؟”
قربت منها ووشي في وشها، ونبرة صوتي اتحولت للفرامل الحديدية: “أنتِ فاكرة إنك لما تستغلي براءة أطفالي عشان تطلعي أسرار بيتي، أنا هسكتلك؟ ولا فاكرة إن أخوكي لما يزعقلي هخاف منك؟ بيتي ده ليه حرمة، وولادي خط أحمر. حابة تيجي هانم معززة مكرمة، تحترمي نفسك وتحترمي براءة ولادي.. أهلاً وسهلاً. حابة تلعبي العاب مكشوفة وتتجسسي علينا؟ ولادي جاهزين يربوكي من جديد وبنفس طريقتك!”
أماني كانت بتتنفس بصعوبة، حست إن البساط اتسحب من تحت رجليها، وإن سلاحها الوحيد (اللي هو العيال) تحول لسيف مسلط على رقبتها ونقل كلامها وفضايحها!
مسكت شنطتها وهي بتلعن وتسب وقالت: “والله لأقول لمحمد أخويا!
والله لأوريكي يا منال!”
قلت لها بابتسامة نصر: “قوليلو يا حبيبتي.. والمسجل ده تسجيل صوت وصورة لكل اللي حصل، عشان لما يجي يسأل العيال، العيال هيقولوا له إحنا
بنلعب مع عمتو زي ما هي بتلعب معانا بالضبط!”
طلعت تجري من الشقة ودفعت الباب وراها بكل قوتها، وكأن البيت بقى فيه عفاريت!
المواجهة الأخيرة مع الزوج..
بالليل، جه جوزي محمد.. طبعاً أماني كانت اتصلت بيه وعملت مناحة، وقالت له: “مراتك تسلط عيالك عليا ويقولولي يا مطلقة ويا كدابة!”
دخل محمد الشقة زي الطوفان، ينادي بعلو صوته: “منال! أنتِ عملتي إيه في أختي؟
أنتِ اتجننتي؟”
خرجت له بكل هدوء، ومسكت إيده وقعدته على الكنبة.
طلعت الموبايل وشغلت التسجيل بتاع الصبح.
سمع صوت أخته وهي بتسأل العيال: “أبوكم وأمكم بيعملوا إيه لما يقفلوا الباب؟”
وسمع رد العيال، وسمع كلامها وهي بتهددهم وتستغلهم.
محمد وشها بدأ يتغير، الاندفاع اللي كان فيه بدأ يقل، والصدمة احتلت ملامحه لما سمع أخته بنفسه وهي بتستدرج أطفاله الصغار لقلة الأدب والفضول الرخيص.
قلت
له بمنتهى الرزانة والعتاب الهادي: “يا محمد.. أنا متجوزاك بقالي عشر سنين، عمرت بيتك وصنت عرضك ورعيت أطفالك. أختك على راسي من فوق لما تحترمنا، لكن لما تدخل بيتي عشان تحول ولادي لجواسيس، وتخليهم يسألوا عن أدق خصوصياتنا اللي حتى الكبار بيستحوا يتكلموا فيها.. يبقى هي اللي بتهينك قبل ما تهينني!”
كملت وأنا ببص في عينيه بقوة: “أنا ما ضربتهاش، ولا شتمتها، ولا طردتها. أنا خليت ولادك يردوا عليها ببرائتهم بنفس المنطق اللي هي بتتعامل بيه. لو أنت قاضي يرضيك إن أختك تعلم ولادك النفاق والتجسس ونقل الكلام.. اتفضل اطلب منها تيجي بكرة وتكمل!
بس ساعتها ما تلومش غير نفسك لما ولادك يطلعوا للناس معندهمش أخلاق ولا أمانة!”
محمد سكت تماماً.. الكلمات أسرته، والدليل الصوتي قطع عليه أي طريق للدفاع عن أخته. هو كان فاكر الموضوع مجرد “هزار ستات”، بس
لما سمع أخته بتسأل العيال عن علاقتنا الخاصة، حس بإهانة لرجولته قبل أي حاجة.
فرك إيديه بقلة حيلة وقال بنبرة هادية ومكسورة: “هي.. هي فعلا زادت منها أوي المرة دي.. أنا ما كنتش متخيل إنها بتسألهم في الحاجات دي بالذات.”
قلت له: “أنا مش زعلانة منك يا محمد، أنا عارفة إنها أختك وبتعزها، بس بيتك وولادك خط أحمر. أماني تيجي تنورنا، بس تحترم حدودها.. غير كده، ولادي مش هيبقوا لعبة في إيد حد.”
ومن اليوم ده..
أماني غابت عن بيتنا يجي شهرين كاملين! ولما رجعت تزورنا بعد تدخل من الحجة والدتها، دخلت زي الألف.
تقعد مؤدبة، تشرب الشاي، تتكلم في الطقس وفي الطبيخ، وما بقتش تتجرأ تفتح بؤها بكلمة واحدة أو سؤال غريب للعيال!
ولادي تعلموا الدرس، وعرفوا إن للبيت أسرار وحرمة، وأنا حافظت على بيتي وكرامتي وتربية ولادي من غير ما أعمل خناقة واحدة تتهد
بيها جدران بيتي.