جوزى عمل حـ,ـادثه كبيرة

نفيسة مانهارتش، ولا صرخت، ولا استجدفته يرجع في كلامه زي ما كان متوقع. بالعكس، رسمت على وشها ابتسامة سخرية، ودخلت الأوضة وجابت شنطة هدومه اللي كانت محضراها من وقت ما شافته في المول. رمت الشنطة تحت رجليه وقالت له: “الباب يفوت جمل يا محاسب.. بس خليك فاكر، أنا اللي “طلقت” التضحية لواحد زيك من قبل ما أنت تنطقها. الشقة دي أنا اللي دافعة إيجارها من عرق جبيني، والعيال دول عيالي أنا.. أنت اللي تطلع برا، تطلع بقميصك المكوي اللي ريحته “خـ,ـيانة”، وترجع للرصيف اللي شلتك من عليه.”

وقف رأفت مذهول، كان فاكر إن “الطلاق” كسر ليها، مكنش يعرف إنه كان “شهادة ميلاد” جديدة لنفيسة. خرج يجر شنطته وجيوبه مليانة جحود، ونفيسة قفلت الباب وراه بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه وتنفست لأول مرة بعمق. بصت لإيدها الخشنة وقالت بيقين: الحمد لله انه طـ,ـلقنى بعد ما قفلت نفيسة الباب، مسمعتش غير صوت خطوات رأفت وهي بتبعد عن السلم، خطوات كانت زمان بتمثل لها “أمل في الشفاء”، ودلوقتي بقت بتمثل لها “خلاص من الهم”.

بصت نفيسة حواليها في الصالة، لأول مرة تحس إن الشقة واسعة ونضيفة بجد، مفيش “رأفت” يطلب منها حاجة بتأمر، ولا “رأفت” يعايرها بريحتها، ولا “رأفت” يكسر خاطرها بكلمة. دخلت أوضة العيال، لقتهم نايمين ببراءة، بوستهم واحد واحد وهمست لنفسها: “من النهاردة مفيش شقا عشان خاطر حد مش بيقدر.. الشقا ليكم ولنفسي وبس.”

تاني يوم الصبح، نفيسة مصحتش تجري تكوي قمصان ولا تحضر فطار لراجل جاحد، صحيت براحتها، فطرت مع عيالها، ونزلت المول وهي رافعة راسها. راحت للسوبر فايزر في المول، وبدل ما تطلب زيادة، طلبت فرصة تانية خالص، قالتله: “أنا بقالي شهور بلف في المول ده وعارفة كل كبيرة وصغيرة فيه، أنا مش بس بعرف أنضف، أنا بعرف أدير وأراقب المخازن والحسابات، وعندي عقل يوزن بلد، اديني فرصة واحدة بس أجرب”.

السوبر فايزر اللي شاف جدعنتها وشطارتها في الالتزام طول الشهور اللي فاتت وافق يديها فرصة “تجربة” في الإشراف المكتبي، ونفيسة اللي كانت فاكرة إنها “بدون مؤهلات” طلعت أشطر من مية محاسب، سنين الشقا في المول خلتها عارفة حركة البضاعة والداخل والخارج، فبقت “إيدها والنضافة” في الورق زي ما كانت في الأرض.

أما رأفت، فالحياة مضحكتش له كتير، “سها” الهانم اللي رسم عليها الدور، أول ما عرفت إنه “مطلق” ومعيول ومعهوش فلوس يصرف على “منظرها” بعد ما نفيسة قفلت الحنفية، سابته في أول محطة. والشركة اللي اشتغل فيها بـ “واسطة” نفيسة، اكتشفوا إنه “خاوي” ومبيفهمش في الأصول، وبدأ يغلط في الحسابات من كتر تفكيره في “المنظرة” الكدابة، لحد ما رفدوه.

في ليلة، رأفت كان واقف قدام المول، هدومه مبقتش مكوية، ووشه رجع شاحب وكئيب تاني، شاف نفيسة وهي خارجة من “الباب الرئيسي” للمول، مش باب المطبخ، كانت لابسة طقم شيك وواثقة في نفسها، وماسكة شنطة، وواقفة تستنى تاكسي بكرامتها. حاول يقرب منها ويقول بضعف ونبرة مكسورة: “نفيسة.. أنا عرفت قيمتك، الدنيا جت عليا يا أصيلة، والبيت من غيرك ضلمة، سامحيني ونبدأ من جديد”.

مرت شهرين ونفيسة حالها اتقلب ١٨٠ درجة، أول قرار خدته إنها سابت شغلانة البيوت الصباحية ورمت “فوطة التعب” ورا ضهرها، وركزت كل مجهودها في شغلها الجديد في مكتب المول. بقت تصحى الصبح مش عشان تجري ورا حد، لكن عشان تدي لنفسها حقها؛ وقفت قدام مراية الصيدلية وجابت أول كريم مرطب لاديها، الكريم اللي ريحته كانت بتمحي ريحة “الفينيك” اللي سكنت مسامها سنين.

بقت كل ليلة قبل ما تنام، تدهن إيديها اللي شقيت وتعبت، وتتأمل ضوافرها وهي بتطول وبترجع لطبيعتها تاني. اهتمت بأكلها وبشرتها، والشحوب اللي كان مغطي وشها بدأ ينسحب ويحل محله نضارة ست بدأت “تحب نفسها”. جابت لبس جديد، بسيط بس شيك، يفتح النفس على الشغل وعلى الحياة، وبقت لما تمشي في طرقة المول، زمايلها يحييوها بتقدير مش كـ “عاملة نضافة” لكن كـ “ست نفيسة” اللي ماسكة حسابات العهدة بكل أمانة وشطارة.

في يوم، وهي واقفة قدام مراية المول الكبيرة بتظبط طرحتها، لمحت انعكاس صورتها وابتسمت بجد؛ العيون اللي كانت دبلانة من السهر بقت بتلمع بطموح جديد، والضهر اللي انحنى من الشيل والسند اتفرد وبقى زي الألف. نفيسة في اللحظة دي عرفت إن “العلاج الطبيعي” الحقيقي كان لنفسها ولروحها، مش لرجل رأفت الجاحدة، وإن كل مليم صرفته على كريم لإيدها أو لقمة حلوة لعيالها كان استثمار في كرامتها اللي رجعت أغلى من الأول بكتير.

النهاردة نفيسة مش بس بتنضف حسابات المول، دي نضفت حياتها من أي شائبة كانت بتعطلها، وبقت كل ما تبص لإيدها الناعمة تفتكر إن “الإيد اللي بتشقى” تستحق إنها تتشال على الراس، ولو اللي شلته على كتافك نكر، فربك والزمن هما اللي بينصفوا في الآخر. تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2