في فرح أخت جوزي، حماتي زقت ابني زياد اللي عنده خمس سنين عشان اخد قطعة كب كيك، في الوقت اللي جوزي جالي ووشه في الأرض يوشوشني ويقولي نتكلم بعدين يا سما.. بلاش فضايح! بس مكانوش يتخيلوا أبداً إن ابني الصغير سمع محادثه هيقلب بيها الفرح رأساً على عقب قبل ما الليلة تخلص!
الكب كيك ده للمعازيم المهمين مش للعيال الجعانة!
حماتي سعاد صرخت بالكلمتين دول قبل ما تزق ابني زياد بعـ,ـنف في وسط القاعة.
الصوت قطم صوت الأغاني والدي جي اللي شغال.
زياد اختل توازنه، وقع على ركبه على أرضية القاعة الرخام المتلمعة، والكب كيك الفانيليا اتدحرجت واتداست تحت جزمته الصغيرة.
للحظة، كل حاجة فضلت شغالة زي ما هي ولا كأن حاجة حصلت..كاسات الشربات، النور المبهوق، والناس بتضحك للمصورين.
بس جوايا؟ في حاجة اتكسرت ومستحيل تتصلح تاني.
جريت عليه.
خد ابني كان أحمر جمر، وعينيه مليانة دموع، والفيونكة الصغيرة بتاعته معوجة على قميصه الأبيض.
يا ماما، البنت هي اللي قالتلي خذها.. قالها وهو بيترعش من العياط.
مسحت وشه بالراحة وأنا بحاول أداري دموعي قدام الناس.
بصيت لحماتي، الحجة سعاد.
عينها حجر، ولا اتهزت!
عدلت عقد اللولي بتاعها وقالت ببرود كان لازم حد يعلمه الأدب والدلع اللي أنتي عودتيه عليه مينفعش انهارده….سايبة الولد ياكل زي الجعانين!
الفرح كان معمول في دار مناسبات وفندق فخم جداً على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. ورد وارد من برة على
كل طاولة، وبوفيه حلويات وطورطة 5 أدوار تفتح النفس، تكفي بلد. كاميرات في كل زاوية، وفيديو مصور محترف. أخت جوزي نورهان كانت بتتجوز عمر، ابن راجل أعمال معروف أوي في الإسكندرية.
ولشهور، كانت حماتي نازلة فخر قدام القرايب انها هي اللي دافعة كل مليم في الفرح
بنتي لازم تبتدئ حياتها زي الملكات!
اللي محدش كان يعرفه.. إن ال 200ألف جنيه من مصاريف الفرح ده اتسحبوا دم قلب من تحويشتي الشخصية!
أنا اسمي سما، شغال محاسبة، بقالي 5 سنين بشيل القرش على القرش.. المكافأة، العيدية، فروق الضرائب، وأي قرش زيادة ينزللي، عشان نجمع مقدم شقة صغيرة.
مش قصر، ولا فيلا.. مجرد شقة 3 أوض ولمة دافية أنا وجوزي ماجد وابننا زياد، نخلص بيها من تحكمات الحجة سعاد وعيشتنا معاها في بيتها.
أصل العيشة تحت سقفها كانت عبارة عن موشح يومي إني مش من مستواهم، وإن أهلي ناس على قدهم، وإن زياد متربي غلط ومتدلع ، وإن ماجد لازم يفضل تحت رجليها قبل ما يفكر في مراته!
قبل الفرح بشهرين، حماتي جمعتنا في الصالون وقالت
انا مزنوقة في فلوس ومحتاجه حواللي 200 ألف جنيه فكة كده عشان القاعة والورد والفوتوسيشن لزوم فرح نورهان….. وماجد أخوها، والعيلة لازم تشيل بعضها!
أنا اتسمرت مكاني بس الفلوس دي عشان مقدم الشقة!
ماجد مسك إيدي من تحت الترابيزة وقال بصوت واطي عشان خاطري يا سما، المرة دي بس.. وحقك عليا أول ما الفرح يخلص هنرجعهم، أمي مش هتأكل علينا حقنا.
وافق وحولت الفلوس من غير عقد، ولا وصل أمانة، ولا أي إيصال يضمن حقنا. عملتها عشان خاطر ماجد، ولأني كنت لسه عبيطة وبصدق إن في حاجة اسمها دين أصول وعيلة.
ومن ساعتها، حماتي رمت كل قرف الفرح على دماغي كلمي الفندق، راجعي الفواتير، استلمي الورد، ظبطي أماكن المعازيم..
في حين إن نورهان كانت تقضي اليوم تتفرج على فساتين وتعيط عشان لون المناديل مش لايق مع جزمة العريس!
يوم الفرح، وصلت أنا وزياد من الساعة 8 الصبح. الولد ماكلش غير نص لقمة جبنة. كل شوية يقولي جعان يا ماما، وكل ما أروح أجيبله حاجة تأكله، تطلعلي حماتي بأمر جديد
يا سما، شوفي طاولات أهل العريس!
يا سما، اتكلمي مع بتوع الصوت!
يا سما، قولي لل DJ يغير الأغاني البلدي دي!
لحد ما بنت صغيرة شغاله في السيرفيس شافت زياد قاعد لوحده وعينيه متلقحة من التعب، راحت مدياله كب كيك فايضة من بوفيه الأطفال.
وعشان أخد حتة كيكة.. حماتي اتجننت عليه وزقته قدام الناس!
ماجد وصل وأنا لسه حـ,ـضنة زياد وبطهرله ركبته.
قلتله وأنا كلي أمل يتكلم أمك ضـ,ـربت ابنك ورجله اتعورت عشان أكل كب كيك!
ماجد بص لخد الولد الأحمر، وبعدين بص لأمه، وبعدين للمعازيم اللي ابتدوا يبصوا علينا.
وطى عليّ ومسك دراعي وقال سما. عشان خاطري، النهاردة فرح أختي مش عايزين فضـ,ـايح قدام أهل العريس.. نتكلم بعدين!
زياد رفع وشه المليان دموع وقال بصوت يقطع القلب
أنا آسف يا بابا.. مش هاكل تاني خالص.
ماجد نزل رأسه وما نطقش كلمة.
اللحظة دي وجعـ,ـتني أكتر من أي حاجة.. أكتر من الزقة، وأكتر من الإهـ,ـانة، وأكتر من الفلوس اللي راحت.
إن ابني الصغير يتأسف إنه كان جعان، وأبوه واقف زي الصنم!
شيلت زياد ودخلت بيه في الطرقة بتاعة الخدامين والعمال، ورا كراتين الشربات والمفارش. قعدت أطهر ركبته المحـ,ـروقة من الوقعة، وطلعت فواتير القاعة من شنطتي عشان كنت ناوية أواجه حماتي بالفلوس بعد ما المهزلة دي تخلص.
زياد بص للورق وقال بصوت واطي
ماما.. هو لما الواحد يقول الحقيقة، الكبار بيزعلوا برضه؟
جسمي قشعر لا يا حبيبي.. عمرك ما تخاف تقول الحقيقة أبداً.
بص ناحية القاعة كأنه خايف حد يسمعه وقال
أصل أنا سمعت تيتة وعمتو نورهان بيتكلموا عن الفلوس بتاعتك.. وبيتكلموا عن ظرف أصفر كبييير!
وقبل ما ألحق أسأله يعني إيه ظُرف أصفر.. صوت المايك ضـ,ـرب في القاعة كلها
نرجو من عائلة العريس وعائلة العروسة الصعود للمسرح للتهنئه!
زياد مسك إيدي بجمود.
وبعد 10 دقائق بالضبط.. ابني هيقول كلمة واحدة قدام كل المعازيم، هتخلي فرح نورهان يتقلب، والناس تضـ,ـرب كف بكف!
فجأة زياد شد إيدي وجري بيا ناحية المسرح..
كان بيجري بسرعة ومتحمس كأنه طفل جواه مهمة وطنية، وأنا من كتر الذهول والرجلين اللي شايلاني بالعافية مشيت وراه من غير ما أفكر.
المسرح كان فوقيه المايك متثبت على ستاند قدام العروسين، وأهل العريس نازلين سلامات وبوس، والعريس عمر باصص لنورهان بفخر، وحماتي سعاد واقفة فردة ظهرها ولابسة الفستان السواريه الدهبي،
رافعة رأسها للسما وكأنها بتملك القاعة باللي فيها.
زياد استغل إن المصور بيعدل الكاميرا والكبار ملخومين في السلامات، وبتلقائية الأطفال اللي مفيهاش أي خوف، طلع على المسرح، وتسحب لحد ما وصل للمايك!
القاعة كلها هدأت لحظة لما صوت حشرجة المايك ضـ,ـرب في السماعات.
حماتي لفت وشها، أول ما شافت زياد واقف قدام المايك، وشها اتخطف ولونه بقى شبه الطماطم الفاسدة.
زياد حط إيديه الصغيرين حوالين المايك، وبصوت طفولي نقي ومسموع في أبعد ركن في الفندق كله، قال
يا جماعة.. تيتة سعاد بتقول إني جعان وشحات عشان أكلت كب كيك..
بس هي أخدت الظرف الأصفر من عمو عمر العريس فيه فلوس كتير أوي، وقالت لعمتو نورهان خبي الظرف ده في شنطتك بسرعة عشان سما الهبلة تاخد الصابون بتاعه وتفتكر إننا معندناش فلوس ونضحك عليها وما نرجعش ال 200 ألف بتوع الشقة!
الزمن وقف!
الأغاني شغالة واطية في الخلفية، بس القاعة كأن نزل عليها صمت مقابر.
مفيش ولا مليمتر حركة. المعازيم كلهم اتمسمروا في أماكنهم، والكاسات اتعلقت في الأيدين، والعيون كلها اتقصعت وراحت ناحية حماتي ونورهان!
زياد كمل ببرود وهو باصص لعمر العريس
وعمتو نورهان قالتلها يا ماما سما عبيطة وبتصدق ماجد أي حاجة يقولها، وتيتة قالت أهم حاجة الفرح يطلع أسطوري عشان ناس إسكندرية ما يقولوش علينا جربانين، وال 200 ألف بتوع الشقة هنبقى نتحجج إن الفندق غلي وما فضلش حاجة!
زياد نزل المايك من على بوقه، وبصلي بابتسامة نصر صغيرة وقال بالصوت العالي برضه
ماما.. أنا كده قلت الحقيقة صح؟ مش أنتي قولتيلى الحقيقة ما تضيعش؟
القاعة انفـ,ـجرت!
زي ما تكون قنـ,ـبلة اتفرقعت في نص الصالة.
أبو العريس راجل الأعمال المعروف بشخصيته الصارمة وشه اتغير 180 درجة. بص لعمر ابنه، وبعدين بص لحماتي سعاد ولنورهان اللي كانت واقفة بالمكياج الغالي وشها ميت من الرعب والكسفة.
أبو العريس قرب من المايك، مسكه بغضب وقال بصوت هز المكان
إيه الكلام ده يا حجة سعاد؟!
هو إحنا داخلين على ناس نصابين وبتستغل فلوس النقطة والشبكة عشان يسددوا بيها ديونهم وياكلوا حق جارتهم ومرات ابنهم؟!