جوزى كان قاري فتحته علي بنت خاله

أشار بيده بغضب: – “أنا مش هسيب بيتي يا ندى! ومش هسمح لك تمشي كلامك عليّ!” أخرجتُ هاتفي من جيبي، وضغطتُ على زر التشغيل، ليعلو صوت حماتي الواضح والحاد من سماعة الهاتف وهي تقول: (سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني…) سقطت يداه إلى جواره، وتغير لون وجهه إلى الأصفار وهو يستمع إلى التسجيل الذي سجلته بدهاء وأنا واقفة في الممر خلف المطبخ.

رفعتُ رأسي وقلتُ بنبرة أخيرة لا تقبل النقاش: – “التسجيل ده لو وصل لعيلتك ولعيلتها، هيعرفوا مين اللي جاية تخرب البيوت ومين اللي بتلعب من ورا الضهر.. قدامك عشر دقائق تلم هدومك وتخرج، يا إما التسجيل ده هيكون على جروب العيلة قبل ما تنزل من باب العمارة!” ساد الذهول وجه أحمد، وسقطت كبرياؤه أمام صوت أمه المنبعث من الهاتف. كان التسجيل واضحاً كالشمس، لا يقبل التشكيك ولا يتحمل التأويل. نظر إليّ والتردد يعتصر ملامحه، كأنه يحاول التوفيق بين هيبة رجولته أمام زوجته وبين الخزي الذي تملكه وهو يرى مخطط عائلته منشوفاً بالكامل.

– “ندى.. إنتِ بتسجلي لأمي؟ إنتِ وصلتي للمرحلة دي؟” قالها بصوت خافت تائه، خالي من أي نبرة هـ,ـجوم. رددتُ بثبات أشد من الحديد، وأنا أضع الهاتف في جيبي: – “لما أكتشف إن في مؤامرة بتترتب في ظلي عشان تسلبني بيتي وحياتي، يبقى الذكاء حماية مش جرم. التسجيل ده مش س\لاح للتهديد، ده وثيقة دفاع عن كرسي وكرامة اتعمل حساب لإهانتهم في غيابك وفي حضورك. قدامك حل من اتنين يا أحمد.. مالهمش ثالث.” اقترب مني خطوة، وكانت عيناه تتوسلان مهلة للتفكير:

– “حلول إيه يا ندى؟ إحنا بنينا البيت ده مع بعض، ومفيش حد يقدر يتدخل بينا…” – “الحل الأول،” قطعتُ حديثه بنبرة حاسمة: “إنك تلم أمتعتك فوراً وتخرج، تروح لأمك وتعيش الأسبوع اللي خططت له، وفي خلال الأسبوع ده تقرر.. يا إما ترجعلي راجل صاحب قرار بيحمي مراته وبيحط حدود قاطعة لأي حد يفكر يمس كرامتها، يا إما التسجيل ده يوصل للكل ورسالة طلاقي تجيلي لحد عندي.” بلع ريقه بصعوبة وسأل بصوت مبحوح: – “والحل الثاني؟”

– “الحل الثاني إنك تقعد هنا.. بس بشرط، ترتدي هدومك حالا، وتنزلي معايا لعند أمك في شقتها، وقدام بنت خالك وعيلتها كلها، تعتذر لي عن المهزلة اللي حصلت، وتعلن قدامهم كلهم إن ندى هي صاحبة البيت الأول والأخير، وإن اللي تفكر تتخطى حدودها مش هتشوف منك غير الصد والهوان. تختار إيه؟” وقف أحمد مشلول التفكير. كان يعلم تماماً أن الذهاب لأمه ومواجهتها يعني إعلان الحرب عليها، وأن خروجه من الشقة يعني اعترافاً ضمنياً بضعفه وهزيمته أمامي. تخبطت أفكاره لدقائق، والنظر بين عينيّ الصارمتين وبين باب الشقة.

وفجأة، تحرك نحو الخزانة، وأمسك بمقبضها، وسحب مقبض الحقيبة الكبيرة. ساد ظني للحظة أنه اختار الهرب والخروج، لكنه ألتفت إليّ ونظر في عينيّ بنبرة جديدة، نبرة رجل أدرك أخير خطورة ما كان سيخسره: – “أنا مش هسيب بيتي يا ندى.. ومش هسيبك تمشي من حياتي ولا هسمح لحد يهد اللي بنيناه. غيري هدومك.. إحنا نازلين لأمي حالا.” تنفستُ الصعداء في سري دون أن أظهر على وجهي أي أثر للتراجع. ارتديتُ عباءتي الأنيقة، ووقفتُ أمام المرآة أظبط حجابي بكل ثقة. لم تكن هذه مجرد مواجهة مع حماتي وبنت أخيها، بل كانت المعركة الفاصلة التي ستحدد مستقبلي في هذا البيت.

نزلنا درجات السلم بخطوات متزنة. كان أحمد يمشي بجواري، لكن ملامحه كانت مشدودة كأوتار القيثارة. وقفنا أمام باب شقة حماتي. أخذ أحمد نفساً عميقاً، ثم رفع يده وطرق الباب بقوة. فتحت حماتي الباب وعلى وجهها ابتسامة نصر زنيفة ظناً منها أننا جئنا لنسترضيها، وكانت بنت أخيها تجلس في الصالة تتابع المشهد بفضول واثق. لكن الابتسامة سرعان ما تجمدت على شفتي حماتي عندما رأت نظرات ابنها الحادة ووقفتي الصلبة بجانبه. دخل أحمد الصالة بخطوات واسعة، واستدار ليواجه أمه وبنت خالته، ثم قال بصوت هز أرجاء الشقة:

– “أمي.. إحنا جايين نحط نقط على الحروف، عشان الكلام اللي اتقال في بيتي النهاردة مش هيعدي بالساهل!” صمتت الصالة تماماً، واستقرت جميع العيون على أحمد الذي كان يقف بصلابة لم تعتدها أمه منه قط. اتسعت عينا حماتي من الصدمة، وقامت بنت خالته واقفة من مكانها والارتباك يعتصر ملامحها، بعدما أدركتا أن المشهد لم يسِر وفق الخطة التي رُسمت في الخفاء. تداركت حماتي موقفها محـ,ـاولةً استعادة السيطرة، وصاحت بصوت مرتفع: – “جرى إيه يا أحمد؟ جاي لبيتك وبيت أمك تعمل زفة؟ هي الهانم لحقت تعبي راسك في كلمتين؟”

تقدم أحمد خطوة إلى الأمام، وجاء صوته حاسماً وقاطعاً لا يحمل أي مجال للتردد: – “محدش عبى راسي يا أمي.. ندى مراتي، وبيتي خط أحمر. الكلام اللي سمعته ندى بخصوص الأسبوع وخطة الترتيبات اللي اتكلمتم فيها في صالون بيتي، ده إهانة ليا قبل ما يكون إهانة ليها.” شحب وجه بنت الخال ونظرت إلى الأرض بعجز، بينما حاولت حماتي الإنكار بصوت متلعثم: – “كلام إيه؟ هي البنت دي بتتبلى علينا ولا إيه؟ إنت بتصدق كلام…”

أخرجتُ هاتف المحمول من حقيبتي بكل هدوء، وبلمسة واحدة على الشاشة، انطلق صوت حماتي الحاد والواضح يسري في أرجاء المكان: (سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني…) ساد صمت أثقل من الصخر. تجمدت حماتي في مكانها، ولم تستطع أن تنطق بحرف واحد، بينما انسحبت بنت أخيها ببطء واعتذرت بخجل شديد لتلم أمتعتها وتغادر الشقة فوراً دون أن تنبس بكلمة. التفت أحمد إلى أمه ونظر إليها بنظرة ملأها الأسى والصرامة في آنٍ واحد وقال:

– “أنا بحبك وبحترمك لأنك أمي، والبر بيكي واجب عليّ.. بس بيتي وحياتي مع ندى مش لعبة في إيد حد. ندى هي صاحبة البيت ده، واللي يفكر يمس كرامتها أو يهد استقرارنا مش هيكون ليه مكان في حياتنا.” ثم التفت إليّ، وأمسك بيدي أمام أمه بثبات وتأكيد، وقال: – “يلا يا ندى.. نرجع بيتنا.” خرجنا من شقة حماتي بخطوات واثقة ومرفوعة الرأس. صعدنا إلى شقتنا، وأغلقتُ الباب خلفنا، لنشعر لأول مرة منذ عودته بسلام حقيقي يغمر المكان. نظر إليّ أحمد وقال بنبرة صادقة تحمل كل معاني الاعتذار والتقدير:

– “سامحيني يا ندى.. اتعلمت الدرس، وعرفت إن القوية اللي تدافع عن بيتها بذكاء وحكمة هي الوحيدة اللي تستاهل تكون شريكة العمر.” ابتسمتُ له وأنا أشعر أن الموازين قد انقلبت بالفعل، وأنني لم أحافظ على بيتي وكرامتي فحسب، بل أعدتُ تشكيل حياتي الزوجية على قواعد صلبة لا يمكن لأي مؤامرة أن تهزها بعد اليوم.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0