بدأت ابنتي تطلب مني الاذن

لكنني رأيت حقيبة جنى على الكرسي ومن جيبها الجانبي كانت دميتها القديمة تخرج قليلًا، والغرز في ظهرها مفتوحة.
لاحظت المعلمة نظرتي، ثم قالت بهدوء
طلبت مني جنى ألا أعاقبها بسبب الدمية.
أخذت الدمية من فوق المكتب بحذر. كانت قديمة ومهترئة من الأطراف، والخياطة أسفل ظهرها مختلفة قليلًا عن باقي القماش، كأنها فُكّت ثم أُغلقت أكثر من مرة.
همست المعلمة
جنى كانت تمنع أي أحد يلمسها حتى عاملات التنظيف.
ثم فكّت الخياطة الخلفية ببطء،
وأخرجت هاتفًا صغيرًا قديمًا.
هاتف بلا شريحة.
من النوع الرخيص الذي يعمل فقط كمسجل صوتي.

قالت المعلمة بصوت منخفض
جنى سمّته أصوات الليل.
شعرت بساقيّ تضعفان.
ثم ضغطت زر التشغيل.
في البداية
لم يكن هناك سوى احتكاك قماش وأنفاس متقطعة، كأن الهاتف مخبأ داخل شيء ضيق.
ثم جاء صوتي أنا، مرتجفًا
سامي أرجوك لا تتحدث بهذه الطريقة.
بعده مباشرة

جاء صوته.
هادئًا وباردًا بشكل مرعب
لن تغادري هذا البيت إلا عندما أقرر أنا.
وإذا واصلتِ تصديق تلك البنت ستخسرينها.
ثم دوّى صوت ضړبة قوية على الطاولة.
وأضاف بعدها
تذكّري جيدًا يا أمينة لا أحد يصدق طفلة درامية، ولا امرأة يقول الناس إنها مختلة.
غطّيت فمي بيدي.
أوقفت المعلمة التسجيل فورًا.
لم أعد أشعر بشيء سوى ثقل هائل فوق صدري.
ابنتي لم تكن تتخيل.
كانت توثّق.
قالت المعلمة بصوت منخفض
هناك تسجيلات أخرى بعضها قصير جدًا، وبعضها بالكاد يُسمع.

أحيانًا كانت جنى تنسى تشغيل الهاتف، وأحيانًا يسقط داخل الدمية.
شعرت بغصة تخنقني أكثر.
طفلتي كانت تحاول وحدها.
أكملت المعلمة
جنى كانت تسجل منذ أسابيع.
أسابيع كاملة.
طفلتي لم تكن تنام تحت الطاولة لأنها مدللة أو خائڤة من الظلام
بل لأنها كانت تخبئ الهاتف هناك.
ثم أضافت
قالت لي إن سامي لا ينظر أبدًا تحت الطاولة لذلك كانت تشعر بالأمان هناك.
أمسكت المعلمة يدي وقالت بقلق
يا أمينة لا تعودي إلى البيت وحدك اليوم.

هززت رأسي ببطء، لكن عقلي كان بعيدًا
في عيني جنى الصغيرتين،
وفي كل مرة تجمدت فيها حين تسمع صوت المفتاح في الباب،
وكل مرة أصرت على النوم وهي تحتضن حقيبتها المدرسية،
بينما كنت أقنع نفسي أنها مجرد طفلة حساسة.
ثم فتحت المعلمة الملف من جديد،
وأخرجت رسمة ملوّنة بالشمع الأسود والأحمر.
قالت
قبل أن تسمعي بقية التسجيلات أريدك أن تنظري إلى هذه أولًا.
مدّت الورقة نحوي بحذر.
أخذتها بيد مرتجفة.
كانت الرسمة لطفلة صغيرة تجلس تحت طاولة سوداء ضخمة، تحتضن حقيبتها بقوة.
الطاولة لم تبدُ كطاولة
بل كقفص.

وفي زاوية الورقة، رسمت جنى رجلًا طويلًا يقف قرب باب مفتوح.
ذراعاه أطول من الطبيعي،
ولا ملامح واضحة لوجهه
فقط عينان دائريتان باللون الأحمر.
لكن الشيء الذي جمّد الډم في عروقي
كان الجملة المكتوبة أعلى الرسمة بخط طفولي مهتز
قال إننا لن نرجع سوا.
اختنق نفسي فورًا.
رفعت عيني نحو المعلمة وهمست
من قال هذا؟
تنهدت المعلمة هناء ببطء، ثم قالت
جنى سمعت سامي يتحدث في الهاتف قبل أيام كان يظنها نائمة تحت الطاولة.
بدأ البرد يتسلل إلى أصابعي.

جلست على الكرسي دون أن أشعر بنفسي، بينما تابعت المعلمة
حسب كلام جنى سامي كان يتحدث مع شخص عن أخذكِ إلى مكان آخر لترتاحي نفسيًا، بينما تبقى جنى في مكان مختلف لفترة.
رفعت رأسي بسرعة
ماذا؟!
قالت المعلمة بهدوء ثقيل
جنى قالت إنه قال بالحرف
البنت ستتعود بعد يومين المهم أمها لا تخرب الخطة.
في تلك اللحظة اختفى كل شيء حولي.
لم أعد أسمع سوى دقات قلبي.
كل مرة قال لي فيها سامي إنني متعبة.
كل مرة جعلني أشك في ذاكرتي.

كل مرة أقنعني أن خوف جنى مجرد مبالغة
كلها عادت دفعة واحدة.
همست بصعوبة
لا مستحيل
لكن جزءًا داخلي كان يعرف الحقيقة منذ وقت طويل
فقط لم أملك الشجاعة للاعتراف بها.
أعادت المعلمة الهاتف إلى الطاولة أمامي وقالت
قبل أن تتصلي بأي أحد المرشدة الاجتماعية نقلت التسجيلات إلى هاتف آخر.
نظرت إليها پصدمة.
فأكملت
لم نرد المخاطرة پضياع

أي شيء.
ثم أضافت بصوت مكسور
طفلة في التاسعة من عمرها كانت تخبئ هاتفًا داخل دميتها وتنام تحت الطاولة لأنها تؤمن أن لا أحد سيبحث عنها هناك.
انهرت تمامًا.
ليس لأنني سمعت الټهديد لأول مرة
بل لأن طفلتي كانت تسمعه وحدها كل ليلة.
كانت تختبئ في الظلام،
وتسجل خۏفها بصمت،
بينما أنا أحاول إقناع نفسي أن كل شيء طبيعي.
جلست المعلمة بجانبي وأمسكت يدي بقوة.
ثم قالت بصوت خاڤت
يا أمينة أظن أن جنى لم تكن تحاول حماية نفسها فقط كانت تحاول إنقاذك أنتِ أيضًا.

ثم اقتربت أكثر وقالت بحزم هادئ
اسمعيني جيدًا لا تعودي إلى البيت وحدك اليوم.
قالتها وهي تضغط على يدي برفق، وكأنها تخشى أن أنهار بالكامل.
رفعت رأسي نحوها ببطء.
كنت أشعر أنني خرجت فجأة من حياتي القديمة
ودخلت مكانًا لا أعرفه.
مكان تُقال فيه كلمات مثل
خطړ.
حماية.
بلاغ.
وخوف حقيقي.
همست أخيرًا
لكن إلى أين سأذهب؟
تبادلت المعلمة

النظرات مع المرأة الجالسة قرب الباب، ثم قالت بهدوء
المرشدة الاجتماعية ستساعدك.
تقدمت المرأة نحوي.
كانت في الأربعين تقريبًا، ترتدي عباءة رمادية وتحمل ملفًا سميكًا تحت ذراعها.
وجهها هادئ بطريقة غريبة هدوء أشخاص اعتادوا سماع الكوارث.
جلست أمامي وقالت
أنا سعاد من مركز حماية الأسرة والطفل.
حتى اسم المركز أخافني.
شعرت بالخجل فورًا، وكأن وجودي هنا ڤضيحة يجب إخفاؤها لا النجاة منها.
قلت بسرعة
ربما هناك سوء فهم سامي أحيانًا يغضب فقط
قاطعتني بهدوء
وهل أنتِ خائڤة منه؟
فتحت فمي
لكن الكلمات لم تخرج.

لأنني لأول مرة منذ سنوات كنت مضطرة أن أقول الحقيقة بصوت مرتفع.
نعم.
كنت خائڤة.
خائڤة من صمته أكثر من صراخه.
من طريقته حين يقف قرب الباب ويمنعني من الخروج دون أن يلمسني.
من نظراته حين تتأخر جنى في النوم.
من همسه البارد قرب أذني
لا أحد سيصدقك.
خفضت رأسي أخيرًا وهمست
نعم.
لم تبدُ سعاد متفاجئة.
كأنها سمعت هذه الإجابة مئات المرات من نساء أخريات.
قالت بهدوء
الأطفال لا يصنعون أماكن للاختباء من فراغ يا أمينة.
شعرت بقلبي ينكمش.

ثم سألتني
هل لديكِ أهل أو قريبة يمكن أن تذهبي إليها مؤقتًا؟
فكرت طويلًا.
إخوتي بعيدون.
وأغلب قريباتي يعتبرن سامي رجلًا مثاليًا.
الرجل الهادئ المهذب الذي يساعد الجيران ويحفظ أسماء أطفالهم.
لكنني تذكرت خالتي أم سيف.
أرملة تعيش وحدها في بيت قديم بطرف بغداد.
قلت بتردد
ربما خالتي.
أخرجت سعاد دفترًا صغيرًا وبدأت تكتب.
ثم قالت
قبل أي شيء، لن تعودي إلى البيت وحدك. سنرافقك أنتِ وجنى مع الشرطة لأخذ أغراضكما وأوراقكما المهمة.
رفعت عيني بقلق
شرطة؟

قالت بهدوء
التسجيلات وحدها لا تكفي لإيقافه الآن لكنها كافية لفتح بلاغ حماية. والأهم أننا لا نريد أن تبقي وحدك معه بعد اليوم.
شعرت بدوار خفيف.
أنا التي كنت أخاف حتى من صوت المشاكل في الشارع
أصبحت فجأة أحتاج الشرطة كي أعود إلى بيتي.
وفي تلك اللحظة دخلت جنى إلى غرفة المعلمات.
كانت تحتضن حقيبتها بقوة كعادتها، والدمية معلقة من ذراعها بخيوط مرتخية.
لاحظت فجأة أن الخياطة في ظهر الدمية مفتوحة قليلًا
كأن جنى أغلقتها على عجل قبل المدرسة.
اقتربت مني ببطء وهي تنظر إلى وجهي.

ثم سألت پخوف
أنتِ زعلانة مني؟
انهار شيء داخلي فورًا.
ركعت أمامها بسرعة واحتضنتها.
قلت وأنا أبكي
لا يا روحي أنا زعلانة من نفسي.
وضعت يدها الصغيرة على خدي وهمست
كنت أخاف يقول لك إني كذابة.
أغمضت عيني بقوة.
تذكرت كل الأشياء التي تجاهلتها
كيف كانت تتجمد حين تسمع صوت مفاتيحه.
كيف كانت تنام أحيانًا بحذائها.
كيف كانت تخبئ قطع البسكويت داخل حقيبتها.
كنت أرى الخۏف
وأختار تفسيرًا أسهل.
شعرت بذنب ثقيل فوق صدري.
لكن سعاد قالت بهدوء
المهم أنكِ صدقتها الآن.

في المساء خرجنا برفقة سعاد وشرطي وشرطية.
طوال الطريق إلى البيت كنت أشعر بالغثيان.
الشارع الذي كنت أعود إليه كل يوم
صار يبدو غريبًا فجأة.
أضيق.
أبرد.
كأنني أراه للمرة الأولى.
وصلنا قبل المغرب بقليل.
كان الباب مفتوحًا.
تبادل الشرطي والشرطية النظرات فورًا قبل الدخول.
وحين وصلنا إلى المطبخ
توقفت أنفاسي.
كان سامي جالسًا على الكرسي وكأنه

ينتظرنا منذ ساعات.
أمامَه على الطاولة كانت دمية جنى.
مفتوحة من الخلف.
والهاتف القديم في يده.
شعرت بجنى تتشبث بملابسي فورًا.
ابتسم سامي عندما رآنا.
ابتسامة هادئة أكثر من اللازم.
وقال
أخيرًا عدتِ بعقلانية.
تقدمت الشرطية خطوة للأمام وقالت بحزم
السيدة هنا فقط لأخذ أغراضها.
نظر إليها سامي بهدوء مزعج، ثم قال
طبعًا البيت بيتها.
لكن عينيه بقيتا مثبتتين عليّ طوال الوقت.
تلك النظرة الباردة التي كانت تجعلني أراجع كل كلمة قبل قولها.
رفع الهاتف قليلًا وقال ساخرًا
هذا هو سبب كل هذه المسرحية؟

ثم ضحك بخفة
تسجيلات لطفلة خائڤة؟
ولأول مرة انتبهت لشيء مهم
الخياطة الخلفية للدمية كانت ممزقة بالكامل.
فهمت فورًا.
لقد فتش حقيبة جنى بعد تأخرها في المدرسة ووجد الهاتف.
شعرت بالخۏف يعود إليّ للحظة.
جزء صغير داخلي كاد يصدق طريقته الهادئة المعتادة
الطريقة التي كانت تجعلني أشك في نفسي دائمًا.
لكنني سمعت صوت تنفس جنى خلفي.
التفتُّ إليها.
كانت ترتجف بالكامل وهي تحدق في الهاتف، كأنها ترى شيئًا حيًا بين يديه.
عندها فقط
تغيّر شيء داخلي.
لم أشعر بالشجاعة.
بل شعرت أن خۏفي لم يعد مهمًا.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0