بس سامح فضّل يضغط عليه ويتحايل بأسلوب يخلي أي حد يتحرج، وقالّه إنها مسألة حياة أو مــ,,ـــــوت بالنسبة له، وإنه مش هيؤمن أي بني أدم تاني على روحه غيره. وللأسف… أحمد صاحبه عزيز عليه أوي، فوافق!
دخل عليا أحمد البيت بالليل، وماسك في إيده صندوق قزاز ضخم تقيل جداً، . ولما بصيت جوه الصندوق… قلبي وقع في رجلي! أفعى ضخمة، جلدها مبقع بألوان تخوف، عينها ضيقة وباردة، بتتحرك ببطء مرعب جوه القزاز.
أنا أول ما شفتها، صرخت بصوتي كله، وجريت لا شعورياً على فريدة حــ,,ـــــضنتها بجمود وجسمي كله بيتنفض.
إيه ده يا أحمد؟! أنت اتجننت؟!
إيه اللي جايبه في بيتنا ده؟! طلع البتاع ده بره فوراً! دي أفعى يا أحمد، أنت فاهم يعني إيه أفعى؟! دي ممكن تبلعنا واحنا نايمين!
أحمد حاول يهديني ويمسك إيدي بس أنا كنت ببعد عنه بذهول، رد عليا وهو متوتر ومحرج
اهدي بس يا هدى، صلّي على النبي! سامح صاحبي في أزمة، ياما وقف جنبي وخدمني في حاجات كتير، ودي أول مرة في حياته يطلب مني خدمة. الموضوع كله أسبوع واحد بس! الأفعى جوه الصندوق ومقفول ومش هتشوفيها خالص.
فضلت أصرخ وأبكي، ترجيته يوديها في أي دكان، أي جنينة، يسيبها في مكتبه، أي مصيبة بعيد عن البيت وبنتي!
بس أحمد كان قفل دماغه وقال كلمته
خلاص يا هدى، أنا اتدبست وأديت الراجل كلمة. أنتِ مالكيش دعوة بيها نهائي، ولا تقربي منها. أنا هحط الصندوق ده في الاوضة الفاضية اللي في آخر الطرقة، وكل يوم لما أرجع من شغلي هأكلها بنفسي وأطمن عليها. أسبوع واحد وهتغور من هنا.
لقيت نفسي قدام أمر واقع، ومفيش فايدة من الكلام. من اللحظة دي، البيت اتحول لسجــ,,ـــــن من الخوف. بقى ليلي نهار ونهاري ليل. بقيت أتعامل بحذر يرعب، عيني مش بتفارق فريدة ثانية واحدة.
البنت كان عندها ٤ سنين، يعني حركتها كتيرة وبتكتشف كل حاجة، وكانت دايما لزقة في حــ,,ـــــضني أو ماسكة في طرف جلابيتي. الأوضة الفاضية دي بقت بالنسبة لي مصدـ,,ـــر كوابيس، لما أعدي من جنب بابها، بحس إن فيه شر مستخبى ورا الباب.
مرت كام يوم وأنا عايشة على أعصابي، مش بعرف أنام ساعة على بعضها، بفضل اراقب بنتي طول الليل وهيه نايمه….لحد ما جه اليوم اللي مش هنسى تفاصيله طول ما أنا حية.
في اليوم ده، اخيرا وبعد اربع ايام النوم غلب عليا ونمت قتيله أحمد كان عنده شغل بدري جداً .
قام من النوم بشويش لما شافني نايمه مرضاش يصحيني عشان ارتاح شويه
طلع من اوضتنا ودخل الأوضة الفاضية ، حط أكل الأفعى في الصندوق وخرج قفل الباب، ومشى وساب البيت هادي تماماً…
في الوقت ده، فريدة بنتي صحيت. البنت كعادتها بتصحى بدري نشيطة وقبل ما أنا أصحى. قامت من جنب السر,,ـــــير بصمت، وبدأت تتسحب وتلعب في البيت.
وهي بتلعب، راحت ناحية الطرقة، دفعت الباب بإيدها ودخلت الأوضة.
لقيت الصندوق القزاز الكبير محطوط على الترابيزة الخشب اللي في نص الأوضة.
الأفعى جوه
لمحة نيوزكانت بدأت تتحرك وتتلوى بعد ما أكلت، وحركتها لفتت انتباه الطفولة والفضول اللي في بنتي. فريدة كانت مش فاهمة ايه الكائن ده، فاكراها لعبة كبيرة أو عروسة بتتحرك!
بدأت البنت تلف حوالين الترابيزة بمرح، تضحك وتخبط بإيدها الصغيرة على القزاز… بس الأفعى ما كانتش بتتفاعل معاها زي ما هي عايزة. فريدة بدأت تمل، وبكل طيش الأطفال، مسكت طرف الصندوق القزاز التقيل، وبدأت تشد فيه وتزقه عشان تقربه منها…
تشد وتزق… تشد وتزق… الصندوق التقيل بدأ يتحرك من على حرف الترابيزة، واختل توازنه في لحظة سودة!
وفجأة…!
صوت انفجار قزاز بيتدشدش على الأرض هز أركان الشقة كلها!
أنا قمت من أحلى نومة مفزوعة، ريقي ناشف وجسمي كله بتتنفض منه الرعب. اتعدلت في السر,,ـــــير وبصيت جنبي… ملقتش فريدة!
صرخت بأعلى صوت عندي،
فريدة!! فريييييدة!!
ملقتش رد… جريت زي المجنونة في الطرقة حافية، ورجلي بتاخدني لا شعورياً على الأوضة الفاضية اللي لقيت بابها مفتوح على آخره.
أول ما حطيت رجلي على عتبة الباب، المشهد اللي شفته جمد الدم في عروقي ووقف قلبي عن النبض…
الصندوق القزاز كان متدشدش لمية حتة…وفي نص الأوضة… الأفعى الضخمة المرعبة كانت خرجت بالكامل من سجــ,,ـــــنها!
بحجمها الرهيب وطولها اللي يخوف، كانت لافة جسمها كذا لفة حوالين وسط وجسم فريدة بنتي…
واللي حصل بعدها مفزع اكتر
المشهد كان عبارة عن كابوس حي، عقلي رافض يستوعبه!
الأفعى الضخمة كانت لافة جسمها التقيل حولين جسم فريدة الصغير، والبنت واقفة في نص الأوضة مسمرة مكانها، مش بتتحرك، وراسة فريدة كانت الماسة الحقيقية في الكابوس ده… البنت كانت ماسكة الأفعى من رقبتها بكل قوتها بإيديها الاثنين الصغيرين، وعينيها متسعة من الخوف والاندهاش في نفس الوقت!
أنا في اللحظة دي، حسيت إن روحي بتتسحب مني. الصرخة اتجمدت في حقيقي، وشفايفي بقوا يترعشوا ومش قادرة أطلع نفس.
فريدة بصلتي بعيون مليانة دموع وقالت بصوت بيترعش ويقطع النفس
ماما… اللعبة دي ماسكاني جامد… وزعلانة مني عشان كسرت القزاز!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. البنت فاكراها لعبة، ومش فاهمة إنها على بعد ثواني من إنها تتخنق أو تتبلع! الأفعى كانت بتتحرك ببطء مرعب، وجسمها بيضيق أكتر وأكتر حوالين وسط فريدة، ورأس الأفعى كانت قريبة جداً من وش بنتي، بتميل يمين وشمال وعيونها الباردة متثبتة على فريدة.
في اللحظة دي، أي أم في الدنيا ممكن تفقُد عقلها وتجري تهجم، بس ربنا نزل عليا ثبات انفعالي عجيب، حسيت إن أي حركة غلط أو صرخة عالية مني ممكن تخوف الأفعى وتخليها تعصر بنتي أو تعضها في وشها.
غمضت عيني ثانية، ودعيت ربنا في سري يا رب احفظلي بنتي، يا رب ماليش غيرها.
فتحت عيني وبدأت أتحرك بمنتهى الهدوء والبطء. اتكلمت بصوت واطي جداً ومبحوح، وبابتسامة مزيفة بحاول أطمن بيها فريدة
شاطرة يا فريدة… يا حبيبتي… برافو عليكي يا قلب ماما… أوعي تسيبية رقبتها خالص.. امسكي جامد يا فريدة.. شاطرة يا روحي..
كنت بمسك نفسي بالعافية إن جسمي ما يترعش. قدمت خطوة… خطوة تانية بحذر شديد فوق القزاز المتكسر على الأرض، واللي بدأ يغرس في رجلي الحافية ويدخل في جلدي، بس والله ما حسيت بأي ألم، ألم القزاز على الأرض كان ولا حاجة جنب النــ,,ـــــار اللي كانت بتتحــ,,ـــــرق في قلبي!
وصلت لحد فريدة، وكانت ريحة الأفعى زفرة ومرعبة مالية الأوضة. ركعت على ركبتي بشويش جداً قدام بنتي، وعيني في عين الأفعى. كائن ضخم، طولة أكتر من مترين، وجلده القاسي كان ملامس لإيدي لما قربت.
بدأت أمد إيدي بالراحة أوي…
ومسكت جسم الأفعى الملتف حولين جسم فريدة، وبدأت أحاول أحله وأفكه بشويش، بس قوة الأفعى كانت مش طبيعية! الأفعى حسّت بوجودي، وبدأت تعمل صوت حفيف مرعب سسسسسس، وتشد عضلاتها أكتر!
فريدة بدأت تصرخ وتعيط بصوت مكتوم
ماما! بطني بتوجعني أوي! مش قادرة أتنفس يا ماما!
ساعتها الدم غلى في عروقي، الخوف أتحول لجنون وقوة أمهات مش عارفة جبتها منين. مسكت جسم الأفعى بإيدي الاثنين، وبدأت أشد فيها بكل قوتي وعضلاتي بتترعش، وأنا بصرخ وبقول لفريدة
سبيها يا فريدة!! سبي رقبتها وجري على برة!!
فريدة سابت رقبة الأفعى، وفي اللحظة دي بالضبط، الأفعى لفت رأسها بسرعة السهم ووجهتها لوشي أنا! فتحت بقها على آخره، وعيونها كانت زي عين الشيطان.
أنا مسكت رقبة الأفعى بإيدي الشمال قبل ما تطال وشي بمليمترات، وبإيدي اليمين قعدت أفك باقي جسمها من على فريدة وزقيت بنتي بكل قوتي برة الأوضة وصصرخت فيها
اطلعييييي برة وافلي الباب يا فريدة!! اجرييييي!
فريدة جرت وهي بتصرخ وتعيط، وأنا بقيت لوحدي جوه الأوضة المقفولة… مع الأفعى المفترسة!
الموقف كان عبارة عن مصارعة مــ,,ـــــوت بيني وبين الأفعى. الأفعى بدأت تلف جسمها التقيل والشرــ,,ـــــس حولين ذراعي ورقبتي أنا!
حسيت بضغط رهيب على قفصي الصدـ,,ـــري، نفسي بدأ يتقطع، وعينيا بدأت تزغلل وتظلــ,,ـــــم. الأفعى كانت أقوى مني بمراحل، وكانت بتزيد في العصر كل ما أنا أحاول أقاوم.
وقعنا إحنا الاثنين على الأرض فوق القزاز المتكسر، ودخل القزاز في ضهري وإيديا، وبقيت أصارع عشان أفك إيد واحدة بس أو أطول أي حاجة أدافع بيها عن نفسي.
وأنا على الأرض، وعيني بتروح وتيجي من نقص الأكسجين، لمحت على الترابيزة المكسورة قطعة قزاز كبيرة ومدببة زي السكــ,,ـــــينة. بآخر ذرة طاقة في جسمي، وبكل أمل أخير في الحياةعشان أرجع لبنتي، مديت إيدي اليمين بال بالعافية، ومسكت حتة القزاز دي…
وبدون تردد، غرزتها بكل قوتي في جسم الأفعى!
الأفعى انتفضت انتفاضة جنونية من الألم، وصدـ,,ـــر منها صوت حفيف عالي جداً، وضغطها عليا فك في ثانية من الصدمة. أستغليت الفرصة دي، وزقيتها عني بكل ما أملك من قوة، وقمت أزحف وأجري على باب الأوضة، فتحته وخرجت برة ورزعته ورايا وقفلته بالمفتاح!
طحت على الأرض برة الأوضة، باخد نفسي بالعافية، وصدـ,,ـــري بيطلع وينزل زي الفراخ المذبوحة، والدم نازل من رجلي وضهري وإيديا مغرق السيراميك.
فريدة كانت قاعدة في زاوية الطرقة، لامة رجليها لصدـ,,ـــرها وبتعيط بانهيار. زحفت لحد عندها، وشدتها لحــ,,ـــــضني، وقعدنا نعيط إحنا الاثنين ونرتعش زي أوراق الشجر في العاصفة.
بعد حوالي عشر دقائق من الرعب والاستيرية، سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي بيلف. .. أحمد جه من الشغل!
أول ما أحمد فتح باب الشقة ودخل، شاف المشهد اللي يوقف العقل
الطرقة كلها دم… أنا وبنته قاعدين على الأرض غرقانين في الدم وبتنهمر دموعنا، والأوضة الفاضية بيخرج منها صوت تخبيط ورزع مرعب على الباب من جوه!
أحمد رمى المفاتيح والأكياس من إيده، وجري علينا وهو مصدوم ومذهول
هدى!! فريدة!! إيه ده؟! إيه اللي حصل؟! الدم ده كله منين؟!
أنا ما قدرتش أرد، كنت بس بصرخ وبشاور على الأوضة وبتنفس بصعوبة.
أحمد جري على باب الأوضة وفتحه حتة صغيرة، وشاف الأفعى هيجانة في الأوضة، والدم مغرق القزاز والأرض.
أحمد وشه اصفرّ وبقى زي الجــ,,ـــــثه، وأدرك المصيبة اللي تسبب فيها بجهله وعاطفته العبيطة مع صاحبه. قفل الباب فوراً ونزل على ركبه قدامنا، وهو بيبكي بانهيار ويقول
سامحيني يا هدى… سامحيني يا بنتي… أنا السبب، أنا اللي دخلت الشيطان بيتنا بإيدي!
أحمد طلب الإسعاف فوراً، وجت الإسعاف ونقلتني أنا وفريدة للمستشفى. الحمد لله، فريدة ما كانش فيها أي كسور أو جروح خطيرة، مجرد كدمات خفيفة في جسمها من عصرة الأفعى، مع صدمة نفسية شديدة.
أما أنا، فجسمي كان مليان قطوع وغرز بسبب القزاز المتكسر، وأخذت أكسجين وعلاج لعصرة الرقبة والظهر، بس الحمد لله… ربنا نجانا إحنا الاثنين بمعجزة حقيقية.
وأحنا في المستشفى، أحمد اتصل بسامح. أحمد كان بيصرخ في التليفون بصوت يهز المستشفى كلها، وقال لسامح كلام سم زي العمى، وبلّغه إن شرطة البيئة والشرطة العامة جاية تاخد الأفعى بتاعته وتتصرف معاها، وإنه لو قرب من بيتنا أو حاول يتصل بينا تاني، هي.ه بإيده!
سامح لما عرف اللي حصل، نزل مصر في نفس اليوم، وجري على المستشفى وهو بيتأسف وبيعيط ومصدموم، بس أحمد ما سمحلوش حتى يدخل الأوضة أو يشوفنا، وطرده برة حياتنا للقت الأبد.
بعد ما خرجنا من المستشفى، أحمد رفض تماماً إننا نرجع الشقة دي تاني قبل ما تتقلب رأس على عقب. جاب شركة تنظيف متخصصة، وجاب ناس غيروا العفش والأرضيات بتاعة الأوضة دي بالكامل، وبخر الشقة كلها، بس أمانة ربنا… البيت عمره ما رجع زي زمان بالنسبة لي.