اسمعيني كويس… محدش هيمشي من هنا غير اللي هو يختار يمشي. إنتِ بنتي، وده بيتك زي ما هو بيت أي حد فينا. حكايات منــال عـلـي
الكلمة دي كانت أول مرة في حياتي تخليني أحس إن ليا مكان فعلًا. إخواتي قعدوا حواليا طول اليوم، كل واحد فيهم بيحاول يهون عليا بطريقته. الكبير قال وهو بيضحك: من النهارده إنتِ بقيتي أختنا… يعني هتستحملي رخامتنا. والتاني جابلي كوباية عصير وقال: متقلقيش… إحنا ضهرك. حكايات منــال عـلـي
أما الصغير، فشدني من إيدي وقال:
تعالى أوريكي لعبتي المفضلة… بس أوعي تكسريها.
حصري على صفحه روايات واقتباسات لأول مرة من ساعة ما سِتّي ماتت… ضحكت. لكن الفرحة ما كملتش.
ووووو الجزء الثالث والاخير
بعد يومين بالظبط… جرس الباب رن. أبويا فتح. ولقي مرات أبويا واقفة. شايلة شنطة كبيرة. أنا قلبي وقع. قلت أكيد جاية تاخد باقي حاجتها وتمشي. لكنها دخلت من غير ما تبصلي. دخلت أوضتها، حطت الشنطة، وخرجت وقالت ببرود: أنا مش ماشية. وبعدين بصت لأبويا وقالت: بس متستناش مني أبقى أم للبنت دي.
أبويا مردش. اكتفى إنه بصلي وابتسم، كأنه بيقولي: “متخافيش.” وبالفعل… نفذت كلامها بالحرف. كانت بتعاملني كأني مش موجودة. لو عملت الغدا… تحط خمس أطباق. وتسيبني. أبويا يقوم يدخل المطبخ بعد ما الكل ياكل، ويعمللي أكل بإيده. ولو اشترت آيس كريم… تجيب خمس قطع. وأنا لأ. كنت كل مرة أقول لنفسي: “أكيد أنا اللي غلط… يمكن وجودي تقيل عليهم.” لكن اللي حصل بعد كده، غير كل حاجة. إخواتي قرروا يقفوا جنبي من غير ما يقولوا كلمة.
أول مرة جابت آيس كريم وما جابتليش… أخويا الكبير فتح الفريزر، رجع الآيس كريم مكانه وقال: لو منة مش هتاكل… إحنا كمان مش هناكل. التاني عمل زيه. والصغير، رغم إنه كان بيعشق الآيس كريم، رجعه هو كمان. مرات أبويا اتعصبت. يعني هترموا الأكل؟ رد الكبير بهدوء: مش هنستمتع بحاجة وأختنا محرومة منها. فضلت تبص لهم، لكن محدش فيهم تراجع. بعدها بأسبوع، صحيت يوم الجمعة على ريحة البان كيك. ريحة كانت تفتح النفس. جريت على السفرة.
لقيت خمس قطع. وإحنا ستة. بصيت للطبق وسكت. كنت خلاص اتعودت. أخويا الكبير سأل: وفين بتاع منة؟ ردت وهي بتشرب شايها: لما أخلص شغلي أبقى أعملها. قام من مكانه، خد الطبق بتاعه، وحطه قدامي. وقال بابتسامة: أنا شبعان. كنت عارفة إنه بيكدب. لأن بطنه صوتت بصوت عالي، لدرجة إننا كلنا انفجرنا من الضحك… حتى أبويا. هي الوحيدة اللي فضلت ساكتة. بس لأول مرة… شفتها بتبصلي بطريقة مختلفة. مش كره… ولا غضب… كان فيها حيرة. يمكن لأول مرة بدأت تسأل نفسها:
“هو ليه ولادي متعلقين بالبنت دي بالشكل ده؟” لكن نقطة التحول الحقيقية… جت بعدها بكام أسبوع. رجعت من المدرسة وأنا منهارة من العياط. كام بنت في الفصل كانوا بيتريقوا عليا. وقالولي: محدش بيحبك… حتى مرات أبوكي مش طايقاكي. دخلت أوضتي وقفلت الباب. وقعدت أعيط. ماكنتش أعرف إن هي كانت واقفة في المطبخ، وسمعت كل كلمة. بعد شوية، خبطت على الباب. ولأول مرة… دخلت أوضتي من غير ما تستأذن. قعدت جنبي. ومسكت المشط. وبدأت تسرحلي شعري بهدوء.
وقالت: مين اللي قالك الكلام ده؟ حكيتلها كل حاجة. فضلت ساكتة. لكن من نظرة عينيها، حسيت إن في حاجة جواها اتكسرت. تاني يوم الصبح… لبست هدومها، وقالت لأبويا: أنا رايحة المدرسة. استغرب. وأنا استغربت أكتر. دخلت مكتب المديرة، وأنا ماشية وراها. قالت بمنتهى الثقة: صباح الخير… أنا والدة منة. أنا حرفيًا حسيت إن الزمن وقف. بصيتلها وأنا مش مستوعبة. المديرة سألتها: حضرتك والدتها؟ ردت من غير لحظة تردد: أيوه… في اعتراض؟ بعدها طلبت البنات اللي كانوا بيتنمروا عليا.
ما زعقتش. ولا غلطت فيهم. لكن اتكلمت معاهم بهدوء، وبنظرة خلتهم يوطوا راسهم. وقالت: اللي يضايق بنتي مرة تانية… هيلاقيني قدامه. ومن اليوم ده… ولا حد قربلي. ولا حد اتريق عليا. أما هي… فبقت كل يوم تتغير سنة صغيرة. بقت تحطلي الأكل مع الكل. وتسألني: نفسك تاكلي إيه؟ وتقعد تذاكرلي. وتعلمني أعمل محشي وبشاميل. ولما كنت أسخن… كانت تفضل قاعدة جنبي طول الليل، تحط الكمادات على وشي، وتقيس حرارتي كل شوية. ولو حد قال قدامها:
دي بنت جوزك… كانت تقاطعه فورًا وتقول بكل فخر: لأ… دي بنتي. ساعتها بس… فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت فيا. هي كانت خايفة. فاكرة إن وجودي هيخطف منها جوزها وولادها. لكن اللي حصل كان العكس. أنا بقيت فرد جديد جمعنا كلنا. بعد سنين، يوم كتب كتابي، كانت هي أول واحدة تعيط. ويوم فرحي، وأنا واقفة قدام المراية ومش عارفة أقفل الفستان من التوتر، دخلت عليا. عدلت الطرحة، وبصتلي في المراية وقالت والدموع في عينيها:
عارفة أكبر غلطة عملتها؟ هزيت راسي. قالت: افتكرت إنك جاية تاخدي مني عيلتي… لكن إنتِ جيتي وكبرتيها. ربنا رزقني ببنت من غير ما أولدها. حضنتها وأنا بعيط. في اللحظة دي دخل أبويا وهو بيضحك وقال: هو إنتوا ناويين تبوظوا الميكب قبل الفرح؟ ردت عليه بسرعة: اسكت… ده أنا تعبت في تربية البنت دي. ضحكت وقلت: تربيتي؟! ده إنتِ أول ما شوفتيني كنتِ عايزة ترجعيني كأني خلاط بايظ!
حكايات منــال عـلـي ضحكنا كلنا… حتى هي. ومسحت دموعها وقالت:
الحمد لله إني ما كنتش محتفظة بالفاتورة. حصري على صفحه روايات واقتباسات
النهارده، ولادي بينادوها “تيتا”، وهي بتدلعهم زيادة، وتديهم حلويات من ورايا، وبعدين تبصلي وتغمزلي، كأنها بتفكرني بأيام زمان. وكل ما أشوفها وهي بتحضنهم، بافتكر البنت الصغيرة اللي وقفت يومًا قدام باب بيت، وهي مقتنعة إن محدش هيحبها. لكن الحياة علمتني أهم درس… العيلة مش دايمًا هي الناس اللي اتولدنا بينهم… العيلة الحقيقية هي الناس اللي اختارت تفتحلك قلبها، وتقولك: “إنت واحد مننا”… مهما كانت البداية صعبة.
النهاية.النهاية.