تركني زوجي بمفردي مع اطفالنا التوأم

انتقام – محمد نور تركني زوجي بمفردي مع أطفالنا التوأم الثلاثي ليدلّع نفسه برحلة استجمام فردية “يستحقها” — لكن ما وجده داخل حقيبة سفره فور وصوله إلى المنتجع جعله يتصل بي وهو يصرخ بأعلى صوته: “هل فعلتِ هذا بي حقاً؟!” قبل أن أحمل، كان “إيثان” زوجاً حنوناً للغايَة. كان يرجوني أن نكوّن عائلة كبيرة، ويقسِم بأنه سيكون شريكاً متساوياً معي في كل خطوة. ولكن في اللحظة التي عدنا فيها بطفلينا التوأم الثلاثي إلى المنزل، تحـ,ـطّمت تلك الصورة المزيـ,ـفة، وانسحب تماماً من كل مسؤولية.

انتقل فوراً إلى غرفة الضيوف، بحجة أن عمله في الشركات يتطلب منه ثماني ساعات من النوم المتواصل دون انقطاع. في هذه الأثناء، كنت أنا أتعافى من عمـ,ـلية قيـ,ـصرية مجهدة، وأغرق في حلقة لا تنتهي من الضخّ، والإطعام، وتهدئة ثلاثة أطفال يبكون بلا توقف. وعندما بلغ الأطفال أسبوعهم السادس، ألقى “إيثان” قنـ,ـبلته الكبرى. لقد حجز لنفسه رحلة فردية لمدة أسبوعين إلى “كابو” لأنه يشعر بـ “الإرهاق النفسي”، متجاهلاً تماماً أنني لم أنم لأكثر من أربعين دقيقة متواصلة منذ شهر كامل.

توسلتُ إليه كي يبقي ويساعدني، لكنه اكتفى بهزّ كتفيه بسخرية، وعزا الأمر إلى “هورموناتي المتقلبة”، وبدأ بجمع أغراضه في حقيبته الكبيرة بينما كنتُ أجلس على الأرض أهزّ طفلين بيديّ وأطعم الثالث. لم أذرف قطرة دموع واحدة. انتظرتُ حتى استغرق في نوم عميق، ثم تسللتُ بهدوء إلى غرفته، وفتحتُ سحاب حقيبة سفره، وأجريتُ بضع تعديلات حاسمة ولا تُنسى لرحلته! في الصباح التالي، طبع قبلة على خدي وقفز إلى سيارة الأجرة. وقضيتُ يومي أحاول البقاء على قيد الحياة بالاعتماد على القهوة الباردة وقوة التحمّل المحض.

وفي الساعة الرابعة عصراً، رنّ هاتفي. كان “إيثان” يتصل من غرفته الفاخرة في المنتجع. كان صوته يرتجف بغضب جارف لم أره من قبل. وقبل أن أتمكن حتى من قول “أهلاً”، صرخ بأعلى ما في وسعه: “هل فعلتِ هذا بي حقاً؟!” الجزء الثاني انطلق صوت إيثان الحاد عبر سماعة الهاتف في تمام الساعة الرابعة عصراً. انتفضت تارا على صدري، وركل تيموثي قدميه داخل سريره، بينما بدأت تيسا بالبكاء قبل أن أنتهي من تدفئة زجاجة الحليب الخاصة بها.

خفضت مستوى صوت الهاتف بأصابع لزجة وسألته بهدوء: “ماذا فعلت يا إيثان؟” صرخ بانفعال: “لقد أفرغتُ حقيبتي! ملابسي اختفت يا كيرا.. لقد حزمتِ عوضاً عنها الحفاضات، وجداول الرضاعة، وقميص الآباء، وكتاب الأطفال الذي وعدتِ بقراءته! لقد جعلتِني أبدو كاذباً أمام أصدقائي!” سمعتُ صوت صديقه يستفسر بدهشة في الخلفية، بينما اتسعت صرخات تيسا. نقلتُ تارا إلى كتفي ومددتُ يدي لأخذ زجاجة الحليب الدافئة وقلت: “لا يا إيثان.. أنا فقط توقفتُ عن مساعدتك لتبدو كزوج وأب صالح أمام الناس.”

قبل ستة أشهر، لم أكن لأتخيل أنني سأقول له مثل هذا الكلام. كان إيثان حينها الزوج المثالي؛ يدلك قدمي المتورمتين، ويحضر لي الطعام إلى السرير، ويتحدث إلى جنيني كل ليلة. هو من ترجاني لنكوّن عائلة كبيرة. وعندما علمنا أنني حامل بثلاثة توائم، بكى فرحاً ووعدني قائلاً: “سنكون فريقاً واحداً في كل رضعة، وفي كل تغيير حفاض، وفي كل ليلة صعبة.” وصدقته. في حفل شواء خلال شهري السابع من الحمل، أهداه صديقاه، ماركوس وبن، قميصاً كُتب عليه: “أكثر الآباء إرهاقاً في العالم”. حينها التقطتُ له صورة وهو يرتديه ويتفاخر بأنه مستعد لجميع مهام الأبوة، ووعدني مجدداً بأنه سيثبت لي ذلك.

لكن بمجرد أن وصلنا إلى المنزل مع التوائم الثلاثة — تارا وتيموثي وتيسا — تبخرت كل تلك الوعود. كانت العملية القيصرية تمنعني من الحركة بسهولة، حتى الجلوس والضحك كانا يسببان لي ألماً شديداً. في ليلتنا الأولى، بدأ الأطفال الثلاثة بالبكاء في وقت واحد. طلبُت منه المساعدة، فقام بتثاؤب ونقل لي أحد الأطفال ثم عاد إلى الفراش، قائلاً إن لديه عملاً في الصباح التالي وأن الأطفال لا يمكنهم العيش بدوني! وفي الليلة الثالثة، دخل الغرفة حاملاً وسادته وقال ببرود:

“سأنقل إقامتي إلى غرفة الضيوف حتى ينام الأطفال طوال الليل. أحتاج ثماني ساعات من النوم لأتمكن من العمل.” وعندما ذكّرته بأنني أحتاج ولو 40 دقيقة من النوم لأستمر، أجاب: “أنتِ ليس لديكِ اجتماعات عمل!” أصبح يتهرب من كل مسؤولية. وإذا غير حفاضين طوال اليوم، أقام الدنيا ولم يقعدها يتفاخر بهما، بينما كنتُ أقوم بكل شيء وحدي وأوثق المواعيد في ورقة مثبتة على الثلاجة. ومع ذلك، كنتُ أغطّي عليه أمام والدته عندما تسألني عن مساعدته، حتى لا أحرج صورة “الزوج المثالي”.

وصلت الوقـ,ـاحة بذروتها عندما دخل عليّ ذات يوم حاملاً تأكيد حجز رحلة طيران إلى “كابو” لمدة أسبوعين! حسبتُ أنه حجز الرحلة لنا معاً، لكنه قال ببرود: “الرحلة لي وحدي.. أحتاج للتعافي من إرهاق العمل وبكاء الأطفال.” وعندما واجهته بكيفية تركي وحدي مع ثلاثة أطفال حديثي الولادة وأنا ما زلت أتعافى من الجراحة، ألقى باللوم على “هورموناتي” وقال إنني أضخم الأمور. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اكتشفتُ عبر الجهاز اللوحي المشترك أنه دعا أصدقاءه للانضمام إليه هناك، بعدما كذب عليهم وزعم أنني أردتُ البقاء وحدي مع الأطفال لأقضي وقتاً خاصاً معهم وأن والدته تساعدني!

عندها اتصلتُ بصديقه “بن” وكشفتُ له الحقيقة كاملة. وفي الليلة التي سبقت سفره، انتظرتُ حتى نام جميع الأطفال، ثم دخلتُ غرفة الضيوف حيث كانت حقيبته مفتوحة وملابسه مرتبة بعناية. أعدتُ جميع ملابسه إلى الخزانة، وأفرغتُ الحقيبة إلا من طقم واحد وأدوات العناية الأساسية. وضعتُ مكان ملابسه: سدادات الأذن غير المفتوحة، وقناع النوم، وكتاب العناية بالأطفال، وقميص “أكثر الآباء إرهاقاً”، وسجل الرضاعات الخاص بي، وصورته القديمة وهو يتعهد بالمساعدة. وكتبتُ له على ظهر الصورة: “جمهورك بانتظارك”.

كما أرفقتُ ملاحظة أخرى: “لقد نجحت في التعايش لمدة ستة أسابيع بترك كل المهمات الصعبة لي.. مبروك.” في الصباح التالي، غادر وهو يبتسم بثقة دون أن يفتح الحقيبة. وفي الساعة الرابعة عصراً، جاء اتصال الصراخ من المنتجع. كان أصدقاؤه ماركوس وبن حاضريْن عندما فتح الحقيبة، وصُدما بما وجداه وبحجم كذبه عليهما. سمعتُ صوتهما عبر الهاتف وهما يوبخانه على ترك زوجته وأطفاله الثلاثة. وأمام تصرفه الأناني، قرر الصديقان حزم أمتعتهما فوراً والعودة إلى ديارهما وتركه مفردة في رحلته!

صرخ إيثان عبر الهاتف: “لقد تركاني ورحلا! وسأبقى هنا طوال الأسبوعين عناداً فيكِ!” أجبته ببرود: “هذا خيارك يا إيثان. لكن عندما تعود، لن تعود لتعيش في غرفة الضيوف وكأنك أعزب.. تعال لتعيش كأب وزوج مسؤول.” بعد يومين، فتح باب المنزل. دخل إيثان حاملاً حقيبته، ليجد صديقه “بن” يضع الطعام في ثلاجتنا. قال له بن بصرامة: “أحضرتُ العشاء لكيرا، فشخص ما يجب أن يساعدها.” ثم أفرغ زجاجة الحليب بين يدي إيثان وقال له: “دورك الآن”. بعد مغادرة بن، حاول إيثان الاعتذار مبرراً تصرفه بأنه كان مصدوماً ولا يستوعب دور الأبوة، وأن الجدول الذي أعددتُه له لمهمات المنزل والرعاية يبدو كعقاب.

نظرتُ في عينيه وقلتُ بوضوح: “الشعور بالمسؤولية يتبدى كعقاب عندما يكون شخص آخر هو من يحمل عبئك طوال الوقت.. وإذا رفضتَ التحمل، فسنتوقف عن التظاهر بأننا شريكان، وسأبدأ بالتخطيط لحياة بدونك.” ولأول مرة.. لم يجادل. لم تكن الأسابيع التالية سهلة، ولم تمحُ تصرفه السابق فوراً، لكن إيثان بدأ يتغير بالفعل. أصبح يمارس دوره؛ يحضر الزجاجات، ويغسل الملابس، ويسهر مع الأطفال عند بكائهم. وعندما اتصلت والدته تسأل إن كان كل شيء قد أصلح، أخبرتها بصراحة أنه بدأ أخيراً بتحمل المسؤولية القيام بعمله.

وفي أحد الأيام، وجد قميصه القديم مطوياً على السرير وسألني إن كنتُ سأعيده له، فنظرتُ إليه وقُلت: “لقد أردتَ الحصول على لقب الأب.. الآن اذهب واستحقه.” سمع صوت بكاء تارا من الغرفة، فوضع القميص جانباً وقال بثبات: “أنا متكفل بها.” ومضى إليها دون أن ينتظر أوامر أو ثناء. جلستُ عند طاولة المطبخ وأمسكتُ بكوب القهوة بيدي الاثنين.. ولأول مرة منذ ولادة توائمنا الثلاثة، كان كوب القهوة ما يزال دافئاً، ولم أعد أحمل عبء أربعة أشخاص وحدي.

النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2