اخويا عنده متلازمة داون

​البخور الغالي اللي كنت بولعه علشان يداري، والديتول والكلور اللي مراتي كانت بتمسح بيهم الشقة كل يوم… كل ده ما كانش قادر يغطي على ريحة الحرام اللي طالعة من اللقمة اللي بدخلها في بطن ولادي! ​نصر… أخويا اللي الناس منطقتنا بيتحسروا عليه ويقولوا “مريض داون”… طلع أذكانا وأصفانا كلنا. قلبه الفطري النظيف اللي ما اتلوثش بالطمع والدنيا، كان بيشم اللي العقول المريضة مش قادرة تحسه. كان بيشم نجاسة الحرام اللي ملغمة في حيطان البيوت وعلى الترابيزات!

​ليلة المواجهة مع النفس ​قعدت على الأرض وبكيت. بكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي، بكا راجل حس إنه ضاع وخسر دينه ودنياه في لحظة. كنت بنتحب وصوتي مكتوم عشان العيال ما يسمعوش. ​الباب اتخبط بشويش، وصوت سمر مراتي جاني من وراه: “نعيم… افتح يا نعيم الله يخليك، أنت تقلت قلبي، فيه إيه؟” قمتفتحت الباب. أول ما شافت وشي والدموع مغرقة دقني، شهقت وحطت إيدها على بقها: “يا لهوي يا نعيم! مالك يا ابن الناس؟

حد من أهلك جرى له حاجة؟ أمك كويسة؟” ​مسكتها من إيدها وقعدتها على السرير جنبي. بصيت في عينيها قلت لها: “سمر… الأكل اللي على الترابيزة ده… والشاشات اللي على الحيطان… والسجاد اللي تحت رجلينا… كل ده حرام يا سمر.” ​سمر اتسمرت مكانها، عينيها اتوسعت بذهول وقالت: “حرام؟! يعني إيه حرام؟ أنت بتسـ,ـرق يا نعيم؟” ​حكيت لها كل حاجة من الألف للياء. حكيت لها عن المدير الجديد، وعن العمولات والمبالغ اللي بقيت ألمّها من ورا فواتير المقاولين، وعن القرش اللي دخل بيتنا وبقى يتصرف على اللقمة واللبس. وفي الآخر، حكيت لها اللي نصر قاله لي في ودني على أول الشارع.

​سمر فضلت ساكتة فترة طويلة. الدموع بدأت تنزل من عينيها ببطء، بس مش دموع ضعف… كانت دموع صدمة وألم. مسحت دموعها بكف إيدها، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها، وقالت بصوت صارم وواضح:

– “أنا اتجوزتك يا نعيم وأنت حيلتكش غير هدومك اللي عليك. عشنا أيام سودا، وأيام مكناش بنلاقي فيها حق العيش الناشف، وعمري ما فتحت بقي ولا قلت لك هات لي ولا أعمل لي. أكل عيش حاف مع راجل بيتقي الله، وأنام على البلاط وأنا مرتاحة البال، ولا إنك تطعمني أنا وعيالك من حرام نتحاسب عليه قدام ربنا! نصر ربنا ما بعتوش يكسفك يا نعيم… نصر ربنا بعتهولك نجدة وطوق نجاة من السما قبل ما تقابل ربنا بالذنب ده وتتدمّر حياتك وحياة عيالك!”

​كلام سمر كان زي البلسم اللي نزل على جرحي بس في نفس الوقت كان بيزيد من إحساسي بالذنب. سألتها: “نعمل إيه يا سمر؟ الفلوس دي كتيرة… والشركة كبيرة، ولو اتعرفت هروح في داهية وأتسجن!” ​ردت عليا بثبات: “تتسجن في الدنيا ولا تتسجن في نار جهنم؟ الفلوس دي تتجمع، واللي تقدر ترجعه ترجعه، والشقة دي تتطهر… حتى لو هنبيع العفش والذهب ونقعد على الحصيرة تاني!” ​رحلة التطهير والتوبة ​في الليلة دي، ما جانيش نوم. فضلت قاعد على المصلاية لحد الفجر. أستغفر ربنا وأبكي، وأصلي ركعتين توبة، وأطلب منه يسترني وما يفضحنيش، ويقويني على المواجهة.

​أول ما الشمس طلعت، فتحت الخزنة الصغيرة اللي كنت مخبي فيها الفلوس اللي جمعتها من العمولات. حطيت المبالغ كلها في شنطة أسود كبيرة. طلعت كمان الذهبات اللي كنت شاريها لمراتي من القرش ده، وسمر قلعت غوايشها وسلسلتها وحطتهم في الشنطة من غير ما تتردد لحظة واحدة. ​نزلت من البيت بدري جداً قبل ما حد من العيال يصحى. أخدت الشنطة ورحت على الشركة. ركبت المواصلات وأنا حاسس إن الناس كلها بتبص عليا، حاسس إن الشنطة اللي في إيدي دي ملغمة وهتفجر في وشي في أي لحظة.

​وصلت مقر الشركة. صعدت الدور الأخير حيث مكتب رئيس مجلس الإدارة نفسه… الحاج عبد الفتاح. راجل في الستينيات من عمره، معروف بالشدة والقسوة في الشغل، بس راجل مصلي وبيتقي الله ومحدش يقدر يكسر كلمته. ​قعدت في الانتظار بره يجي ساعتين، قلبي كان بيخبط في أضلعي زي الطبلة. كل ما حد يمر من جنبي كنت بحس إنه عارف أنا جاي أقول إيه. وأخيراً، السكرتير قال لي: “ادخل يا أستاذ نعيم، الحاج عبد الفتاح مستنيك.”

​دخلت المكتب. كان مكتب ضخم، مفروش بسجاد عجمي فاخر وتابلوهات غالية. الحاج عبد الفتاح كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في ملفات قدامه. رفع راسه وبص لي بنظرة حادة وقال: – “خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل… فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟” خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل… فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟” ​قربت من المكتب بخطوات مرعوبة. حطيت الشنطة السودا على المكتب الأبنوس بحرص، وجمعت كل شجاعتي المتبقية، وقفت وبصيت في الأرض وقلت له:

– “يا حاج عبد الفتاح… الشنطة دي فيها أربعمية ألف جنيه وذهب قيمته مية وخمسين ألف… دي فلوس مش من حقي.” ​الحاج عبد الفتاح ساب القلم من إيده، وضهر استند لورى على الكرسي. عينيه اتوسعت واستغراب شديد اترسم على وشه: “يعني إيه مش من حقك؟ الفلوس دي بتاعة مين؟”

​رديت ونفسي مقطوع ودموعي نازلة: “دي عمولات وأظرف أخدتها من الموردين والمقاولين خلال السنتين اللي فاتوا علشان أعدي فواتير وأسهل شغل… أنا خنت الأمانة يا فندم، وأنا جاي النهارده أحط الفلوس دي تحت رجليك، وتعمل فيا اللي أنت شايفه صح. عاوز تبلغ الشرطة أنا جاهز ومستعد أتسجن، بس المهم أطهر نفسي وعيالي من الذنب ده. ”

​المكتب ساد فيه صمت رهيب. صمت يوجع الأذان. الحاج عبد الفتاح فضيل باصص لي لفترة طويلة جداً، ملامحه كانت متجمدة ومفيهاش أي تعبير. وبعد يجي خمس دقايق كاملين من السكوت الساقط زي المطر، فتح الشنطة وبص فيها، وبعدين قفلها تاني وبص لي وقدم جسدُه لقدام وقال: ​– “نعيم… الموردين دول إحنا كنا شاكين فيهم من فترة، والمدير الجديد بتاعك إحنا بنحقق معاه اصلاً في اختلاسات كبيرة وهنخليه يتكلبش الأسبوع الجاي. بس أنت… محدش كان كاشفك يا نعيم. أوراقك كُلها كانت مظبوطة ومتقفلة بالمسطرة، ومحدش كان هيقدر يثبت عليك مليم واحد. إيه اللي جابك تعترف برغبتك وتستسلم كده؟”

​مسحت دموعي وقلت له بكسرة: “ربنا كشفني يا حاج… كشفني عن طريق أنضف وأطهر خلق الله، أخويا الصغير اللي عنده متلازمة داون. أخويا اللي بيشم نجاسة الحرام في البيوت. أنا مش مستعد أخسر آخرتي وأكل عيالك نار عشان كام الف جنيه. الفلوس اهي، وأنا تحت أمرك. ” ​الحاج عبد الفتاح قام من على كرسيه، ومشي بالراحة لحد ما وقف قدامي. حط إيده الكبيرة على كتفي، وبص في عيني بنظرة اختلفت تماماً… كانت نظرةفيها تقدير واستغراب في نفس الوقت. تنهد وقال بصوت هادي:

​– “أنا لو بلغت عنك الشرطة يا نعيم، القانون هيحبسك… بس ربنا قبِل توبتك خلاص. والراجل اللي يرجع لعقله ويخاف ربنا ويرجع الفلوس بالمنظر ده، يبقى لسه فيه خير ومينفعش أهد بيته وأشرد عياله. الفلوس دي تدخل خزنة الشركة كتعويض عن الفواتير اللي عدت. وأنت… من بكرة مش هتمسك مشتريات تاني خالص. هنقلك فرع الحسابات العامة، وتحت المراقبة لمدة سنة… بمرتبك القديم وبدون أي صلاحيات إضافية. اعتبر دي فرصة تانية ربنا بعتهالك، والباب ده اتقفل للأبد.”

​أنا ما صدقتش اللي سمعته. انحنيت وبست إيده من كتر الفرحة والامتنان: “ربنا يسترك يا حاج عبد الفتاح… ربنا يبارك لك في صحتك وعيالك يا رب، والله العظيم عمري ما هحط جنيه حرام في جيبي تاني لو مـ,ـوت من الجوع!” ​البيت الجديد والقلب النظيف ​خرجت من الشركة وحاسس إن الهوا اللي في الشارع له طعم تاني خالص. حاسس إن صدري اتوسع، وإن الأرض اللي بمشي عليها متشالة تحت رجلي براحة.

​رجعت البيت، بعنا كل حاجة كُنّا شاريينها بفلوس الحرام دي أو بالبواقي بتاعتها. رجّعنا البيت زي ما كان زمان… بساطة كاملة، أكل على قد الحال، جبنة وعيش وفول وثوم، بس اللقمة طالعة من عرق جبيني، مية بالمية حلال صافي ميهوش شائبة. ​البيت مابقاش فيه معطرات غالية ولا بخور بالشيء الفلاني. بقت ريحته ريحة النضافة العادية… ديتول رخيص، وصابون غسيل، والشبابيك مفتوحة ليل ونهار بتدخل شمس ربنا ونسمة الهوا الصافية.

​مراتي سمر كانت طايرة من الفرحة، رغم إننا رجعنا للفقر والمشقة، بس وشهى كان منور بحد راحة البال. العيال بقوا يأكلوا اللقمة وهم بيلعبوا وبيضحكوا، وأنا بقيت أنام الليل طالع نازل من غير ما أصحى مرعوب من كابوس ولا خايف من بكرة. يوم الاختبار العظيم ​عدى أسبوعين على الموضوع ده. أسبوعين وأنا بتعلم بعيش بالقرش الحلال الصافي، وبروح شغلي الجديد بخلص فيه بضمير وأمانة تجيب شقى اليوم. ​في يوم جمعة، وقفت بعد الصلاة وقلت لمراتي سمر: “أنا هكلم أمي وأقول لها تجيب نصر وتيجي تتغدى معانا.”

​سمر بصت لي بخوف وتردد وقالت: “يا نعيم… بلاش دلوقتي، افرض الولد جه وقال نفس الكلام تاني؟ أنت ساعتها هتتكسر وهتتضايق!” ​رديت عليها وأنا واثق وببتسم بكسرة رضا: “لا يا سمر… لو نصر قال إن البيت فيه ريحة وحشة تاني، يبقى أنا لسه مطهرتش، ويبقى لسه فيه حاجة حرام في بيتي وأنا مش واخد بالي. نصر هو الميزان بتاعنا… هاتيه وتعالي ونشوف ربنا راضي عنا ولا لأ.” ​اتصلت بأمي وقلت لها: “يا أمه… وحشتيني أوي، خدي نصر في إيدك وتعالوا اتغدوا معايا النهارده. سمر عاملة أكل بسيط على قدنا بس من قلبنا.”

​أمي في الأول كانت مترددة وبتتأسف: “يا بني بلاش، أخوك نصر أنا خايفة يضايقك تاني ولا يقول كلام يزعل مراتك… أنت عارف ظروفه يا نعيم.” ​مسكت نفسي وقلت لها برجاء: “عشان خاطري يا أمي… تعالوا، والله العظيم مش أزعل، البيت بيتكوا ونصر ده البركة اللي عايشين بفضلها.” ​لحظة الحقيقة ​ساعة زمن، ورن جرس الباب. فتحت الباب بقلب بيلعب بين ضلوعي. كانت أمي واقفة، وجنبها نصر. ​نصر كان لابس قميصه الأزرق النظيف، ومسرح شعره، ووشه الصافي الملاكي كان هادي. بس أول ما وقفت عند عتبة الباب، نصر اتسمر مكانه.

​أمي بصت لي بخوف وضغطت على إيده. نصر رفع راسه لفوق… وبدأ يتنفس ببطء شديد. شم الهوا مرة… ويكشر… شم الهوا تاني… ويتنفس بفركة في مناخيره… ​أنا وسَمَر كُنّا واقفين ورا الباب محبوسة أنفاسنا. قلبي كان بيبصق دقاته في زوري من كتر الخوف. هل لسه فيه حرام؟ هل نسيت حاجة؟ هل ربنا ما قبلش توبتي؟ ​نصر قرب خطوة جوة الصالة… وغمض عينيه… وأخد نفس عميق أوي من الهوا… ​وفجأة… وشه اللي كان مشدود ومكشر، انفرطت فيه ابتسامة زي شمس الصبح لما تطلع وتشق الضلمة! سنانه البيضا ظهرت، وعينيه اتملت بريق وفرحة

مش طبيعية!

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2