من قبل سبع أيام على فرح اختي وابتدا يجيلي كابوس غريب بيتكرر كل ليلة.
في الحلم، وفي وسط الزفة وقدم القاعة، خطيب أختي قدام عربية الفرح ويرفض يدخل القاعه، ويساوم أبويا وأمي قدام المعازيم بين أمرين أحلى فيهم مرّ:
يا إما يكتبوله الشقة التمليك بتاعتهم اللي عايشين من خيرها باسمه بيع وشراء..
يا إما مش داخل القاعة، ويفضحنا قدام الناس والمنطقة كلها، ويلغي الفرح ويرمي يمين الطلاق عليها في الشارع.
في الحلم، تحت الخوف من الفضيحة، أبويا اتكسر وكتبله الشقة، وخسرنا المكان االلي بنأجره ونعيش منه، وأختي اتدبست في جوازة سوداء من بني آدم جشع ..
لحد ماصحة أبويا اتصفّت وماتّ من القهرة.
قعدت مجهدة في نص السرير والقلب بيدق زي الطبول.
التكييف شغال وبيجيب ثلج، بس ظهري كان عرقان ومبلول
مية.
بقالي أسبوع على الحال ده.. كل ليلة نفس الكابوس بالحرف.
فجأة، شاشة الموبايل نورت جنب رأسي.
رسالة من أختي “نورهان”.
”صباح الخير يا سحر، يلا تعاللي القاعة امي وابويا هناك من الصبح بيجهزوا ليوم بكره”
قريت الرسالة وقشعريرة جمدت الدم في عروقي.
وش “تامر” خطيبها في الحلم نط قدام عيني في اللحظة.. نظرة الجشع في عينيه وهو حاطط المسدس على رقبتنا بكلمة “الفضيحة”.
مسكت نفسي بالعافية ورصيت كلمتين:
”حاضر يا نورهان، جاية.”
قفلت الموبايل وماعرفتش أغمض عيني تاني.
قمت مشيت بحفاء لحد البلكونة..
هواء الفجر كان يرطب على الروح، بس المشاهد كانت بتزيد وضوح في دماغي.
قعدت أهدي نفسي وأقول: “يا بت ده أوهام وضغط شغل من تجهيز الفرح.. بكرة فرح أختك الوحيدة، وإن شاء الله خير.”
..
.
تاني يوم ، كنت في القاعة .
المعازيم رايحة جاية، شيل وحط، تظبيط طاولات، وترحيب بالقرايب والناس اللي بقالنا سنين ما شفناهمش.
رغم إن القاعة فيها سرفيس، بس رجليه كانت هتقع مني من الكعب والشغل.
خدت جنب وقعدت على الكرسي أريح خمس دقائق.
وفجأة…
صوت الصواريخ والبومب والدي جي ضرب بره.. الزفة وصلت.
وتلعريس جاب اختي من الكوافير قلبي انقبض مرة واحدة.
وصلوا.
مسكت أزازه المية جنب مني، إيديا كانت بترعش لدرجة مش عارفة أفك الغطاء.
ابن خالتي “أحمد” كان قاعد جنبي، أخد الإزازه مني فتحها وإداني إياها:
”إيه يا سحر؟ إيدك بترعش ليه كده؟”
”مفيش.. مطبقة من النوم من امبارح.”
ضحك وقال:
”دي نورهان هي العروسة وأنتي اللي متوترة أكتر منها!”
ابتسمت مجامله:
”يمكن من التعب بس.”
رجّع
هو عينيه للموبايل يلعب.. وفجأة، هيصة وزعيق جامد بره القاعة على البوابة.
واحد من قرايبنا دخل بيجري على الصالة ورايح لأبويا طيران.
قال كلمتين في ودنه.. وش أبويا اتخطف وبقى زي الميت.
وجري بره فوراً وماما وراه.
بصيت حواليّ.. الطاولة اتنفضت!
أعصابي اتوترت والدم اتجمد..
يا رب لا.. بلاش الكابوس يتحقق.
بعد دقائق، ابن خالتي دخل بيجري وعينه عليا، مسك إيدي:
”تعالي يا سحر بسرعة! فيه مشكله!”
مشيت وراه وأنا مش حاسة برجلي لحد بوابة القاعة.
أول ما شفت منظر الشارع بره.. نفسي اتقطع.
أول ما طلعت من باب القاعة، الدنيا كانت مقلوبة. الصوت الجاي من بره مش صوت هيصة وزفة.. ده كان زعيق وشتم وناس بتدخل بين بعضها.
وقفت في مكاني مش قادرة آخد نفسي. المنظر قدامي كان صورة طبق الأصل من الكابوس
اللي بقالي أسبوع بشوفه كل ليلة..
بالحرف!
تامر واقف قدام عربية الفرح المتروسة ورد، لابس البدلة وشكله عريس كامل مكمل، بس عيونه كانت فيها نظرة غريبة.. نظرة طمع وجشع تخوف. وأبويا واقف قدامه، راجل شقي طول عمره، ظهره انحنى في لحظة ووشه اصفّر زيا ألوان الموت. وماما ماسكة في دراع أبويا وبتعيط بقلة حيلة.
تامر كان واقف حاطط إيده في جيبه، بيتكلم بصوت هادي بس مليان قسوة ويسمّ العضم:
“أنا مش داخل القاعة دي يا حمايا، ولا نورهان هتدخلها، غير لما نخلص الأصول.. الشقة التمليك اللي بتأجروها بتكتبوهالي بيع وشراء دلوقتي. القلم والمحامي جاهزين في العربية، تدبسوها وتكتبوا..
يا إما أركب عربيتي وأمش، وأرمي عليها يمين الطلاق قدام المنطقة والناس دي كلها، وخلي الفضيحة تجيب آخركم!”
الشارع كله كان سامع.. الناس والقرايب والمعازيم بدأوا يتهامسوا، ونورهان جوه العربية بتبكي وشهقاتها طالعة ومغطية على صوت المهرجانات اللي لسه شغال في الخلفية.
أبويا بص له بكسرة وقال بصوت مخنوق:
“يا بني اتقِ الله.. دي شقة العمر اللي عايشين من إيجارها بعد ما طلعت معاش! دي اللي بتأكلنا وتصرف على بيتنا.. أختك متجوزة ونورهان كانت خلاص بتتجوزك.. حيلتنا إيه غيرها؟ تكسرني يوم فرح بنتي؟”
تامر ابتسم ببرود ورجع خطوة لورا:
“والله ده شرطي..
الفضيحة بكرة هتبقى على كل لسان، والناس هتقول العروسة اترمات ليلة دخلتها.
. قدامك خمس دقائق يا حاج، يا الشقة.. يا الفضيحة!”
في اللحظة دي، الدم غلى في عروقي. الخوف اللي كان ماسكني طول الأسبوع اتحول لنار ولعت في صدري. افتكرت منظر أبويا في الحلم وهو بيموت مقهور، وافتكرت اختي وهي بيتدمر بيتها. لقيت رجلي بتتحرك لوحدها، وزقيت الناس وطلعت وقفت بين أبويا وبين تامر.
بصيت لتامر بكل غل وقليت بصوت عالي سمع الشارع كله:
“أنت فاكر نفسك مين يا حتة عاطل عشان تساومنا؟ فاكر إننا هنوطي راسنا ونكسر أبويا علشان شوية كلام ناس؟”
تامر اتفاجئ بي، بس حاول يتداعى القوة وضحك باستهزاء:
“لمي اختك يا سحر بدال ما أرمي عليها اليمين حالا وأخليها تسوى مليمش في السوق!”
في اللحظة دي، الكل كان فاكرني هعيط أو هترجّاه.. بس أنا أخدت نفس عميق، وطلعت موبايلي من شنطتي. فتحت تسجيلات الصوت، وبصيت له بثقة وعينيا في عينيه:
“ارمي اليمين يا تامر.. ارميه حالاً! أختي برقبتك وبألف راجل زيك، ومش هتشرفنا تدخل بيتنا واحد بلطجي وحرامي زيك! بس قبل ما تلم ناسك وتغور، اسمع ده كده..”
شغّلت السبيكر على أعلى صوت.. الصوت اللي طلع من الموبايل خلي الشارع كله يسكت!
كان تسجيل بصوت تامر نفسه، من أسبوع فات لما كان قاعد معايا ومع أحمد ابن خالتي في كافيه وبيتكلم عن شغله والتسهيلات اللي بيعملها، وكان بيتباهى بكل عين قوية إنه بياخد رشاوى وبيزور إيصالات أمانة
في الشغل عشان يزنق الناس، وكان بيحكي بالتفصيل إزاي ناصب على ناس قرايبه في مبلغ كبير ومحدش عارف يطاله!
تامر وشه جاب ألوان، أبيض في أحمر في أصفر.. وقال بتتأتأة:
“إيه.. إيه التسجيل ده؟ أنتِ بتستعبطي؟”
رديت عليه بابتسامة نصر:
“ده التسجيل اللي هيترفع بكرة الصبح لنيابة الأموال العامة ولشرطتك، والتسجيل التاني اللي فيه مساومتك لينا دلوقتي حالا قدام المحامي بتاعك والشهود دول كلهم بتهمة الابتزاز والابتزاز العاطفي والمالي! أنت فاكر إننا غلابة ومكسورين جناح؟ لا يا حبيبي.. إحنا أصحاب حق، والعروسة اللي فاكر إنك هتكب عليها الفضيحة، هي اللي بتنضف حياتها منك بليلة زي دي!”
أحمد ابن خالتي، اللي كان واقف جمبي وفهم اللعبة، قرب من تامر وزقه في صدره زقة رجعت خطوتين لورا وقال بصوت زي الرعد:
“يلا يا روح أمك من هنا قبل ما نلتم عليك ونعمل معاك الواجب اللي أهلك معرفوش يعملوه!
الفضيحة دي بتاعتك أنت وشرفك اللي حطه تحت رجليك علشان شقة!”
الشباب من قرايبنا وأهل المنطقة لما شافوا النذالة بتاعته والابتزاز، اتجمعوا حوالين عربية العريس وبدأوا يزقوه ويهتفوا عليه. تامر حس إن الدائرة بتضيق عليه، وإن الموضوع مش بس طلاق وفضيحة لعروسة، ده فيها حبس وسجن وقضايا توديه في داهية.
بص لنا بنظرة غل ورعب في نفس الوقت، وفتح باب عربيتة جراي، وركب وجرى بالعربية كأنه
مهزوم، والمحامي بتاعه جرى وراه من كتر الخوف.
الشارع كله انفجر بصوت التصقيف، وماما أخدت نورهان من العربية وهي بتعيط.. بس المرة دي ما كانش عياط قهرة، كان عياط ارتياح.
نورهان نزلت وحضنت أبويا وهي بتقول:
“فداك ألف جوازة يا بابا.. المهم أنت، الحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما أدخل بيته وأقفل عليا الباب مع واحد زيه.”
أبويا مسك إيدي وعيونه مليانة دموع، بس المرة دي دموع فخر مش كسرة. قال بصوت بيرتعش:
“ربنا يخليكي ليا يا سحر.. أنتِ النهارده كنتِ راجل البيت، أنقذتي أختك وأنقذتيني من القهرة.”
ابتسمت له وأنا بحضنه، وحسيت بالحمل الثقيل اللي كان على صدري طول الأسبوع بيتدحرج ويقع. الكابوس اللي كان بيطاردني ما كانش شؤم.. ده كان تحذير من ربنا عشان أفوق، عشان أجهز وما أستسلمش للخوف.
دخلنا القاعة تاني، بس المرة دي بدل ما تلغى الحفلة، قلبت الحفلة لليلة فرح حقيقية.. مش جوازة، لا! فرحة بنجاة أختي من بني آدم جشع، وفرحة إن كرامة أبويا فضلت مرفوعة فوق الكل.
الدي جي اشتغل، وأحمد ابن خالتي مسك المايك وقال: “النهارده مش فرح.. النهارده عيد نجاة آل فلان من الفخ! ارقصوا وهيصوا يا جدعان!”
والليلة كملت ضحك ورقص وفرحة بجد، وأنا واقفة في نص القاعة، بتنفس هواء نقي لأول مرة من أسبوع.. وعرفت إن ساعات الكوابيس بتيجي مش عشان تخوفنا، بس عشان تصحي القوة اللي
جونا اللي كنا فاكرين إنها مش موجودة.