أما فراس
فكان يضغط فكه بقوة حتى ظهرت عروقه بوضوح.
لأول مرة منذ سنوات
رأيته عاجزًا عن السيطرة على الموقف.
لكن الصدمة الحقيقية بالنسبة لي لم تكن
في كلمات آدم وحدها.
بل في تلك اللحظة التي بدأت فيها أراجع حياتي كلها معه.
فجأة
بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
تذكرت نفسي قبل عشر سنوات.
حين تزوجت فراس.
لم يكن رجل الأعمال المعروف الذي يعرفه الناس الآن.
كان مجرد شاب يملك حلمًا صغيرًا ومكتبًا متواضعًا بالكاد يستطيع دفع إيجاره.
كنت أحبه بطريقة عمياء.
أؤمن به أكثر مما يؤمن هو بنفسه.
وعندما خسر مشروعه الأول بعد عامين من زواجنا
كنت أنا من وقف بجانبه.
أنا من فتحت صندوق ذهبي.
أنا من خلعت أساوري وقلاداتي التي ورثت بعضها عن أمي.
وبعتها كلها حتى لا يغلق شركته.
أتذكر تلك الليلة جيدًا.
كان يجلس محطمًا في غرفة المعيشة، بينما أخبره شريكه أن المشروع انتهى.
اقتربت منه يومها ووضعت صندوق الذهب أمامه.
نظر إليّ بصدمة.
وقال
ليان هذا ذهبك.
فابتسمت له وقلت
وأنت مستقبلي.
بكى يومها.
أمسك يدي وقال إنه لن ينسى ما فعلته معه ما دام حيًا.
لكن يبدو أن بعض الرجال ينسون بسرعة عندما يصبح لديهم المال.
بعد سنوات قليلة
نجحت الشركة فعلًا.
كبر اسم فراس.
وأصبح يملك المال والعلاقات والنفوذ.
وانتقلنا إلى منزل أكبر في عبدون.
ثم بدأت المسافة تكبر بيننا بالتدريج.
صار يعود متأخرًا.
يسافر كثيرًا.
يتحدث معي ببرود.
ثم دخلت رنا إلى الشركة.
محامية أنيقة وواثقة تعرف جيدًا كيف تتحدث أمام الناس.
وفي البداية
كنت أصدق أنها مجرد موظفة.
لكنني بدأت ألاحظ نظراتها.
الطريقة التي تتصرف بها داخل بيتي.
الطريقة التي كانت تتحدث بها مع فراس وكأنها صاحبة المكان.
ثم اكتشفت الحقيقة.
كان قد تزوجها سرًا.
أتذكر تلك الليلة جيدًا أيضًا.
واجهته.
كنت أرتجف وأناأمسك هاتفه.
لكنه لم ينكر.
بل نظر إليّ ببرود وقال
هذا حقي.
لم أصرخ.
لم أحطم شيئًا.
كنت فقط أشعر أن شيئًا داخلي مـ,ـات بالكامل.
ومع ذلك
تحملت.
من أجل آدم وحمزة.
ظننت أن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الطلاق.
لم أتخيل أبدًا أن فراس كان يخطط لشيء أكبر بكثير.
في المحكمة
بدأ القاضي يدوّن الملاحظات بهدوء.
ثم قال
سيتم تأجيل الجلسة مؤقتًا لحين مراجعة ما ذُكر.
لكن قبل أن تنتهي الجلسة
حدث شيء لم أكن أتوقعه.
دخلت أمينة إلى القاعة.
كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ووجهها شاحب بصورة واضحة.
التفت الجميع نحوها.
حتى فراس وقف فجأة.
وقال بعصبية
ماذا تفعلين هنا؟
لكن أمينة تجاهلته.
وظلت تنظر نحوي بعينين ممتلئتين بالخوف.
ثم قالت بصوت مرتجف
سامحيني يا مدام ليان.
شعرت بأن قلبي توقف.
واقتربت منها الشرطية الموجودة داخل القاعة.
بينما أكملت أمينة بصعوبة
في البداية كان يقول إن الطبيب طلب زيادة الجرعات.
ثم صار يعطيني حبوبًا إضافية ويطلب مني وضعها لكِ في العصير أو الشاي.
شهقت رنا بعنف.
أما فراس فصرخ
أنتِ تكذبين!
لكن أمينة بدأت تبكي.
وقالت
أقسم بالله هذا ما حدث كنت خائفة أن أطرد من العمل.
شعرت
بأن العالم كله يدور حولي.
كنت أسمع الكلمات وكأنها تأتي من مكان بعيد جدًا.
أنا لم أكن أتخيل.
لم أكن أتصور حتى في أسوأ كوابيسي
أن الرجل الذي أحببته بكل هذا الجنون كان يدفعني نحو الانهيار بيديه.
قال القاضي بصرامة
هل لديكِ ما يثبت كلامك؟
ترددت أمينة للحظات.
ثم أخرجت هاتفًا قديمًا من حقيبتها.
وقالت
سجلت هذا بعدما خفت على الأولاد.
وفجأة
امتلأت القاعة بصوت فراس.
واضحًا.
باردًا.
ومرعبًا.
كلما بدت غير متزنة أكثر لن يصدقها أحد حتى لو تكلمت.
ثم جاء صوت رنا
المهم أن تنتهي الحضانة بسرعة قبل أن تبدأ بالمطالبة بأي شيء.
شعرت بيديّ ترتجفان بعنف.
أما فراس
فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
في تلك اللحظة فقط
فهمت الحقيقة كاملة.
لم تكن القضية مجرد حضانة.
ولم يكن الهدف مجرد الطلاق.
كان يريد إخراجي من حياته بلا شيء.
بلا أولاد.
بلا حقوق.
بلا مال.
حتى البيت الذي عشت فيه سنوات
اكتشفت لاحقًا أنه نُقل باسم رنا قبل أشهر.
وبعض أموال الشركة أيضًا.
وكان يظن أنه إذا أصبحت مريضة نفسيًا رسميًا فلن يصدقني أحد عندما أتكلم.
حتى لو قلت الحقيقة.
حتى لو صرخت بها.
لكن أكثر ما كسرني تلك الليلة
لم يكن التسجيل.
ولا اعتراف أمينة.
بل رؤية آدم.
طفلي ذو السنوات التسع.
الذي كان يحمل هذا الخوف كله وحده.
اقترب مني ببطء بعد انتهاء الجلسة.
ثم أمسك يدي الصغيرة المرتجفة وقال
كنت خائفًا يا أمي.
انفجرت بالبكاء أخيرًا.
وضممته إلى صدري بقوة.
أما حمزة
فكان يبكي هو الآخر وهو يتمسك بعباءتي.
وفي تلك اللحظة فقط
أدركت أنني مهما خسرت
فلن أسمح لذلك الرجل أن يأخذ روحي بالكامل.
مرت الأسابيع التالية ثقيلة.
بدأ التحقيق رسميًا.
وطلبت المحكمة مراجعة التقارير الطبية والأدوية التي كنت أتناولها.
وبدأت أشياء كثيرة تنكشف تدريجيًا.
اتضح أن بعض الجرعات التي كنت أتناولها لم تكن ضمن وصفة الطبيب أصلًا.
واتضح أن فراس كان يحصل عليها من خلال معارفه.
أما رنا
فحاولت إنكار كل شيء.
لكن التسجيل كان كافيًا لتحطيم الصورة المثالية التي بنياها معًا.
انتشرت الأخبار بسرعة.
وبدأت سمعة فراس تهتز.
الناس الذين كانوا يرونه رجل أعمال محترمًا
صاروا يتهامسون باسمه.
وشركته دخلت في أزمة حقيقية.
بعض الشركاء انسحبوا.
وعدد من العقود توقف.
أما أنا
فكنت أحاول فقط أن أتعلم كيف أتنفس من جديد.
كيف أعيش دون خوف.
كيف أنام دون أن أشك في كل كوب ماء يقترب مني.
وفي إحدى الليالي
جلست وحدي في شقتي الصغيرة بعد
أن نام الطفلان.
نظرت حولي.
لم يكن لدي بيت كبير.
ولا خدم.
ولا حياة مترفة.
لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة
شعرت بالأمان.
دخل آدم بهدوء وجلس بجانبي.
ثم سألني بصوت خافت
هل أنتِ حزينة لأن أبي فعل هذا؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم ابتسمت رغم الدموع وقلت
أنا حزينة لأنني أحببته أكثر مما أحببت نفسي.
سكت قليلًا.
ثم قلت
لكنني لست نادمة لأنني أنجبتكما.
ابتسم آدم أخيرًا.
ثم وضع رأسه على كتفي.
وأدركت في تلك اللحظة
أن أكثر شخص حاول فراس استخدامه ضدي
كان هو نفسه السبب في سقوطه بالكامل.
وفي النهاية
إذا كان هناك شيء تعلمته ليان بعد كل ما حدث
فهو أن الحب وحده لا يكفي دائمًا ليحمي المرأة.
أحيانًا تحب المرأة رجلًا بكل صدق
فتعطيه ذهبها، ومالها، وسنوات عمرها، وهي تظن أن ما بينهما أقوى من أي ورقة أو حق أو ضمان.
لكن الحياة ليست دائمًا عادلة.
والقلوب قد تتغير.
وقد يدخل شخص جديد إلى حياة الرجل، فيصبح كل ما ضحّت به المرأة مجرد شيء قديم يحاول التخلص منه بأقل خسارة ممكنة.
لهذا
لا تخجلي أبدًا من أن تؤمّني نفسك.
لا تخجلي من كتابة حقك.
ولا من الاحتفاظ بما يثبت تعبك وشراكتك ومساندتك.
فالحب الحقيقي لا يخاف من العدل
والرجل الذي يحبك فعلًا، لن
يغضب لأنك تحمين مستقبلك.
لأن أسوأ شعور قد تعيشه امرأة يومًا
أن تكتشف متأخرة أنها أعطت كل شيء لشخصٍ كان مستعدًا، في أول فرصة، أن يتصرف وكأنه لم يحبها يومًا.