شريف اتجنن، مسك دراعي بغضب:
– “إنتي اتجننتِ؟ افتكري إنك مراتي! وتكاليف حياتنا دي التزام بيننا!”
شلت إيده من على دراعي بمنتهى القوة والهدوء، وبصيت في عينيه مباشرة:
– “كنت مرتك لما كنت بقدّر وبحترم وبضحي.. لكن لما تتحول تضحيتي لـ ‘قفة’ ولعن واستحقار، يبقى كل واحد يشيل شيلته. وعلشان ترتاح خالص يا شريف.. أنا مسافرة دبي أسبوع، عندي مؤتمر ورشة عمل تابعة للـ MBA.. ولمّا أرجع، هنشوف الموضوع ده هيرسي على إيه، يا إما قعدة عرب بحضور أهلي وأهلك ونفضّها بالمعروف، يا إما تسدد كل مليم أنا دفعته في التزاماتك الشخصية بالقانون!”
الانهيار الشامل..
لما الحقيقة تبان
سبتهم ومشيت.. نزلت، وركبت عربيتي.
أول ما قفلت باب العربية، حسيت بوجع خفيف في صدري، بس اتبدل بفخر وتنفّس حرية لأول مرة من سنين.
اللي حصل بعد اليوم ده كان عبارة عن فيلم كوميدي درامي:
اليوم الثاني: شريف اكتشف إن قسط العربية المطلوب منه (18 ألف جنيه) مستحق خلال 48 ساعة، وإنه لو مادفعش هتبدأ فوائد التأخير والتهديد بسحب العربية. حسابه في البنك كان فيه كام ألف جنيه لا يكفوا أسبوع مصاريف شخصية!
اليوم الثالث: حماتي اتصلت بأختي في التليفون، وكانت بتعيّط وتشتكي: “شوفوا أختكم الجاحدة!
سايبة البيت ومسافرة وسايبانا من غير مصاريف، ودكاترة حماها عاوزة كشف!” أختي ردت عليها بكلمة واحدة: “هي مريم شغالة عندكم ولا جوزها الراجل اللي يلتزم بمهامه؟ مش بتقولوا عليها عاطلة؟ روحوا للسبع ابنكم يصرف!”
اليوم الرابع: “تامر” أخوه اللي كان عاوز الـ 500 ألف، لما عرف إن الحنفية اتقفلت وإن شريف مش قادر يدفع قسط عربيته، اختفى تماماً ورفض يدين أخوه ولا حتى 1000 جنيه، وقال: “أنا ماليش دعوة بوجع الدماغ ده، أنا يدوبك معاي فلوس خروجاتي!” هنا شريف بدأ يفوق على علقة ساخنة من الواقع.. عرف مين اللي كان شايل، ومين اللي كان بيمص دمه!
خلال أسبوع دبي، رفعت كل الضغوط عن عقلي. قدمت في دبلومة ثانية، واستثمرت جزء من المبلغ اللي كانوا عاوزين يسـ,ـرقوه مني في أصول جديدة بمدينة نصر.
تليفوني ما بطلش رن من شريف.. من رسائل التهديد، لرسائل العتاب، لرسائل التوسل!”يا مريم ارجعي.. نتكلم بالهدوء.”
“أنا كنت مضغوط من أمي وأخويا، سامحيني.”
“أنا عرفت إنك شايلة الجبل كله على كتافك.. البيت غرقان من غيرك.”
لكن أنا كنت خلاص عبرت خط اللاعودة. الست لما تتكسر من جوة من أقرب الناس ليها، مش بترجع بالسهولة دي.. ولا بترجع لنفس نقطة المهانة.
جلسة الحساب والقرار الأخير
رجعت من السفر..
وطلبت قعدة رسمية.
جبت والدي وأخويا الكبير، وقعدنا في صالة الشقة اللي شريف مش عارف يدفع قسطها.
شريف كان قاعد وشه أصفر، باصص في الأرض، وحماتي قاعدة متوترة ومكسورة لأنها عرفت إن “ابنها السبع” مش عارف يسدد حتى فواتير الكهرباء والغاز والشغالة اللي كانت بتطبخلهم!
والدي اتكلم بوقار:
– “يا شريف.. إحنا جوّزناك بنتنا مهندسة ومستثمرة، ودخلت بيتك بمالها وكرامتها. شالتك وشالت أهلك 10 سنين، وفي الآخر تسمعها كلام يقل منها ومن شـ,ـرفها وتتهـ,ـجم على تعبها؟”
شريف وهو باصص للأرض:
– “أنا اتسرعت يا عمي..
الشـ,ـيطان دخل بيننا، وأنا عارف إن مريم هي اللي شايلة البيت وكل حاجة، وأنا آسف.”
قفزت حماتي تحاول تلطّف الجو:
– “خلاص يا أستاذ.. مفيش حاجة حصلت، دول متجوزين وشيطان ودخل بين العيال، ومريم بنتنا وحبيبتنا…”
قطعت كلامها بصوت ثابت وهادي:
– “لا يا طنط.. أنا مش بنتكم، ولا حبيبتكم. أنا بالنسبة لكم كنت ‘بنك’ مقفول بالحب والتسامح، ولما حبيت أحافظ على تعبي، بقيت عاطلة وخايبة.”
لتفت لـ “شريف”:
– “شريف.. قدامك خيارين لا ثالث لهما:
الأول:
نطلق بهدوء بالمعروف، وتسددلي القروض والالتزامات اللي أنا دفعتها نيابة عنك بورق ومستندات وفواتير تثبت إني كنت بسدد أقساط عربيتك وشقتك من حسابي الشخصي.
الثاني: لو عاوز نكمل.. يبدأ من بكرة عقد اتفاق قانوني عند المحامي. مصروف البيت عليك كاملاً حسب دخلك، وأنا ليا ذمتي المالية المستقلة تماماً، مفيش مليم يدخل جيبك أو جيب أهلك من إيجاراتي، والشغالة والمصاريف ملكش دعوة بيها، ورجوعك ليا بشرط إني أرجع أعيش في شقتي الخاصة بيا أنا، مش في شقة بإيجار أنت مش قادر تدفعه!”
شريف اتصدم.. حس إن الست اللي كانت تحت طوعه وتسامحها عمياء، بقت بتبني سور فولاذي حول حياتها وكرامتها.
حاول يناقش، حاول يضغط بالورقة الأخيرة:
– “يعني بتخيريني يا مريم؟ وتدخلي القانون بين الزوج وزوجته؟”
رديت عليه بإبتسامة نصر:
– “القانون إنت اللي دخلته لما استحسرت فيا كلمة حلوة، واعتبرت إن خير تعبي حق مكتسب ليك ولأهلك، ولما رميت ساعتي وكسـ,ـرت كرامتي قدامهم. اللي يفرط في كرامة مراته عشان يرضي غروره، ما يزعلش لما هي تبني حيطة بينه وبين مالها.”
النهاية.. ودرس العمر
شريف ما قدرش يستحمل الشروط، ولا قدر يواجه كبرياءه المكسور.. وانتهت الحكاية بالـ طلاق بالمعروف.
رجعت لبيتي وحياتي. .
استرديت كل أوراقي، والـ 120 ألف جنيه اللي كانوا بيطيروا في الهواء وفي طلبات أهله ولعبه، بقوا بيدخلوا في حساباتي الاستثمارية. كملت الـ MBA بامتياز، وبعد سنة واحدة بس، فتحت شركتي الخاصة لإدارة العقارات والأصول!
أما شريف؟
اضطر يبيع العربية الزيرو لأنه ما قدرش يسدد أقساطها، وساب شقة التجمع ورجع يقعد مع أمه وأخوه “تامر” في شقتهم القديمة.. وبقى يلِف على أصحابه عشان يستلف منهم عشان يبدأ مشروع، بعد ما ضيّع من إيده الست اللي كانت فتحالوا أبواب العز والخير، بس هو اختار يعمي عينه بالغل والاستـ,ـعلاء!
الدرس اللي اتعلمته وما بنساهوش طول حياتي:
”إياكي تتنازلي عن قيمتك وكرامتك وتعملي من نفسك شمعة تحـ,ـترق لأجل ناس شايفينك مجرد حطب بيولعوا بيه عشان يتدفوا.. اللي ما يقدرش وجودك وعطاءك، خليه يدوق مرارة غيابك، عشان يعرف إن الفلوس بتروح وتيجي.. بس الكرامة والست الجدعة، لو راحت.. عمرها ما بترجع!”